بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

على هامش تقرير جهاز الأمن الوطني: جمهورية الخوف من الثورات.. مصر ”السيسي“ مثالا

نشرت جريدة الشروق يوم الأربعاء 13 مايو تقريرا يتحدث عن أن جهاز الأمن الوطني المسمى اللطيف لجهاز أمن الدولة، حذر جميع أجهزة الدولة السيادية بما في ذلك مؤسسة الرئاسة والمخابرات العامة ووزارة الخارجية وغيرها من وجود «تحركات مشبوهة» تقوم بها مراكز بحثية ومنظمات غير حكومية تموّلها عواصم غربية بغرض «إثارة قلاقل سياسية فى مصر».

التقرير تحدث أيضا حول رصد اتصالات ومراسلات إلكترونية تمت بين شخصيات على اتصال بسفارات غربية؛ حيث يجري إعدادهم وتشجيعهم على القيام بتحركات لإثارة الشعور بالاستياء الشعبي من أداء أجهزة الدولة وصولا لما قال التقرير إنه «حالة مشابهة لتلك التي أدت لمظاهرات يناير 2011 وما أعقبها من اضطرابات واسعة».

وبينما سمى التقرير شخصيات فى المجال العام ومجموعات بعينها مثل 6 أبريل والاشتراكيين الثوريين، فإنه لم يقصر دائرة الاشتباه على من تمت تسميتهم بالنظر لما قال إنه مساحة أوسع من الشخصيات التي تسعى الدول الغربية لـ «تجنيدها بغية زعزعة الاستقرار فى مصر»، ونشر «مطالب سياسية وحقوقية» في غير وقتها بما يعمق مشاعر الاحتقان الاجتماعي والسياسي فى البلاد.

التقرير نفسه وجّه أصابع الاتّهام إلى مراكز ومؤسسات ترتبط بالولايات المتحدة وعدد من دول شمال أوروبا وكندا، كما أوصى بتكثيف عمليات تتبُع نشطاء سياسيين وأيضا وسائل التواصل الاجتماعي لرصد أي تحرك يهدف إلى إثارة القلاقل، واصفا المجموعات من النشطاء بأنهم أخطر على مصر من «الإرهاب الأسود» بل ويمثلون دعما له.

كما أضاف التقرير توصيات واضحة لا تحتمل التأويل تم توجيهها لكل أجهزة الدولة بما في ذلك مؤسسة الرئاسة لرفض مقترحات يجرى النقاش حولها بشأن الإفراج عن بعض النشطاء السياسيين، تنفيذا لوعد رئاسي علني متكرر فى الوقت الذي تلقت فيه الرئاسة نصائح بالإعلان عن العفو عن هؤلاء النشطاء مع حلول الذكرى الأولى لتولى السيسي رئاسة البلاد، وبأن أي عمليات إفراج الآن أو تخفيف لقبضة الأمن مع النشطاء سيفتح شهية هؤلاء للعودة للمطالبة بتعديل قانون التظاهر وهو الأمر الذى لا يمكن لأي عاقل فى أي من الأجهزة الأمنية أن يقبل به أو يعمل فى ظله».

وفيما يخص المصالحة مع جماعة الإخوان المسلمين، فقد ذكر التقرير بأن هناك رفضا أمنيا قاطعا لأفكار طُرحت فى بعض الدوائر التي تقدم النصح السياسي للرئيس بالنظر في التفاعل الإيجابي مع أفكار سعودية لتخفيف وطأه الضغط على الإسلاميين، والنظر فى الإفراج عن أعداد منهم كان قد تم توقيفهم دون توجيه اتهامات محددة بحقهم حتى الآن، حتى إن عمليتا الإفراج التي تمت كانت «على غير رغبة الأمن» ولكن الأمر توقف مع إدراك الدولة أن المُضي في هذا الطريق هو أمر خطر للغاية على الأمن الوطني.

مضيفا أن النصيحة الأمنية هي «أن الدولة لن تتهاون، وسيتم توقيف المزيد من الإسلاميين حتى يكون واضحا أننا لا نخشى شيئا».

هذه الحجة التي يتم تصدريها للجماهير من قبل النظام الحاكم بأن الإرهاب يجبرنا على اتخاذ تدابير استثنائية، ولكن في واقع الأمر، إنه الخوف.

إن الأمر المذهل فيما يتعلق بالخوف هو أنه يجعل كل شيء ممكنا، فعلى نحو مفاجيء، يصبح ممكنا أن تعالج الإيدز وإلتهاب الكبد الوبائي (فيرس سي) بدون بحث علمي، ويصبح ممكنا أن تؤسس بلدا يحترمه الآخرون بدون حكومة تحترم الديمقراطية أو تحترم مواطنيها، ويصبح ممكنا أن تدين أفعال الإرهاب غير الإنسانية، مثل ذبح 21 قبطيا على يد ”داعش“ في ليبيا، ولا تدين مقتل أكثر من ألف شخص في أكبر مذبحة في التاريخ الحديث ”رابعة العدوية“.

ولكن من غير المنطقي أن تطالب أولئك الخائفين بالتغلب على مخاوفهم، وكيف يمكنهم القيام بذلك في مصر، والنظام على استعداد لأن يُعاقب الضعفاء لمطالبتهم بحقوقهم في بلاد لا توفّر حماية من قوات الأمن المسعورة التي تحركها الرغبة في الانتقام؟ كيف تستطيع الجماهير أن تتغلب على مخاوفها عندما يختار المجتمع الدولي السعي خلف المصالح على حساب حقوقهم!

لقد حلت البشائر الأمنية سريعا، فقد تقدم المحامي طارق محمود الأمين العام لائتلاف دعم صندوق تحيا مصر ببلاغ إلى المحامي العام الأول لنيابات استئناف الإسكندرية، اتهم فيه زياد العليمي، وأسماء محفوظ، وتامر أبو عرب، وعمرو بدر، وأحمد دومة بتأسيس حركة تدعو إلى إسقاط مؤسسات الدولة والنظام.
وقال طارق محمود، في بلاغه الذي حمل رقم 2202 لسنة 2015 إن النشطاء الخمسة وبعض القيادات الوسطى لجماعة الإخوان الإرهابية وحركتي 6 أبريل والاشتراكيين الثوريين، أعلنوا تأسيس حركة أطلقوا عليها حركة البداية تدعو إلى إسقاط مؤسسات الدولة والنظام.

القائد عبد الفتاح السيسي، الراعي الأول للإرهاب في مصر
منذ انتزاع عبد الفتاح السيسي للسلطة في يوليو 2013، عقب موجة من المظاهرات ضد محمد مرسي، والذي ينتمي للتيار الإسلامي، بدا واضحا بشكل متزايد أن النظام المصري لا يوجد لديه النية لبناء مؤسسات ديمقراطية أو قبول وجهات النظر المعارضة.

لقد تعرض حوالي 40 ألف شخص للاحتجاز في معسكرات اعتقال دون محاكمة (أو مع محاكمات هزلية)، وواجه المحتجزون التعذيب، والاغتصاب، والقتل. أما جماعة الإخوان المسلمين، فقد حُظرت وصُنفت كجماعة إرهابية، ثم جاءت في ركابها حركة 6 أبريل ومن ثم روابط ”الأولتراس“، لقد تعرض جميع معارضي ومنتقدي النظام من أي انتماء، علماني أو إسلامي أو يساري على حد سواء، لقتل بعضهم وتعرض قادتهم للحبس أو أُجبِروا علي مغادرة البلاد. كذلك لم يسلم الصحفيون، ومُنع دخول مراقبي حقوق الإنسان إلي مصر، وحُظر التظاهر والاحتجاج وواجهوا قمعا عنيفا.

أما منظمات العمل المدني والداعمة للديمقراطية، فقد تم تهديدها أو إغلاقها بالقوة. تم تشديد الرقابة على الأخبار ومُنِعت المظاهرات. تم حبس كل قيادات الإخوان المسلمين تقريبا، وتم تدشين حملة تشويه ضد منظمات المجتمع المدني، في محاولة للانتقام من المنظمات الحقوقية، نظرا للدور الجوهري الذي أدته في التمهيد للثورة، لقد بلغ الأمر تطورا غير مسبوق في تاريخ مصر المعاصر، حين اقتحمت قوات الشرطة والجيش 17 مقرا تابعا لعشر منظمات، من بينها منظمات مصرية، وذلك قبل أن تتم إحالة 43 موظفا فيها إلى محكمة جنايات القاهرة، بتهمة ”إنشاء وإدارة فروع لمنظمات أجنبية وتلقي تمويل أجنبي“، هكذا بدأت القصة في نهاية عام 2011.

حتى قضية ”التمويل الأجنبي“، فقد شهدت منذ أيامها الأولى في صيف وخريف 2011، تدخلا سافرا من السلطة التنفيذية في العملية القضائية، بداية بكيفية تعيين قاضي التحقيق، ثم الضغط على هيئة المحكمة لرفع قرار حظر السفر عن الموظفين الأجانب بتلك المنظمات، وكما بدأت هذه الحملة بشكل غامض ومباغت، انتهت أيضا بشكل غامض، بتنحّي هيئة المحكمة عن النظر في القضية لـ”شعورها بالحرج“، ثم رحيل المتهمين على متن طائرة عسكرية أميركية غادرت من مطار القاهرة الدولي!

لقد أزاحت المؤسسة العسكرية مبارك عندما أصبح عائقا أمامها، لكنها لم تتخل أبدا عن السلطة كليا بعد ذلك. وبدلا من ذلك تلاعبت بالعناصر السياسية المتنافسة ووجهتهم ضد بعضهم البعض، بينما كانت تحمي امتيازاتها المؤسسية والاقتصادية. فمازالت فكرة تولي سُلطة حكومية مدنية لإدارة الجيش الذي يكافأ بمنحة أمريكية سنوية غير واردة في القاهرة، وكذلك أي فكرة ربما تؤدي إلى تنازل الجنرالات عن الإمبراطورية الاقتصادية التي تتحكم فيما يصل إلي 40 بالمائة من الاقتصاد المصري.

لقد وصل السيسي إلي السُلطة مثل مبارك، بتأثير منصبه في الجيش، والذي يمثل العمود الفقري للنظام القديم والذي أطاح بالجديد، أضف إلى ذلك تلك المسميات ”الشعوبية“ التي رافقت ظله فهو القائد المُخلص، تُنسب إليه القدرة على «إنقاذ البلاد» وتحقيق الرخاء، قائد الحركة.. بطل.. استثناء.. رجل اللحظة.. زعيم.. فوق البشر، يجمع ما بين الشرف والكرامة والقوة والحياد، وفوق كل شيء فهو يتمتع بعلاقة وطيدة مع ”الشعب“، رابط مميز.. مباشر.. بغنى عن الاستفتاءات والصناديق، فالتفويض ما زال ساريا!

وعند مقارنة أوضاع المصريين اليوم بما كانت عليه في عهد مبارك، يبدو واضحا أن أيا من المشكلات التي أشعلت ثورتهم منذ أربع سنوات هي أسوء مما كانت عليه في عهد مبارك. الدولة غير قادرة على توفير الغذاء لشعبها، مطالب العمال أصبحت عبارة عن شرذمات وفتات في مسودة قانون العمل الجديد، وهو ما يضطر دولة السيسي البوليسية إلى العمل بشكل أقوى حتى تقمع جميع مطالب التغيير.

الاشتراكيون الثوريون دُعاة إسقاط النظام
الاشتراكيون الثوريون الذين يقدمون أنفسهم بوصفهم نواة وأساس الحزب الثوري المنتظر، وتقدمهم أجهزة الدولة الأمنية ومن واقع ملفات تنظيم الاشتراكيون الثوريون بإعتبارهم كيانا يهدف إلى الإطاحة ليس فقط بالنظام الحاكم وإنما العمل على إعادة تشكيل المجتمع والدعوة إلى إقامة نظام اشتراكي.

الاشتراكيون الثوريون لا يحتاجون إلى مثل هذه الكلمات المنمقة من أجل الدفاع عن أنفسهم ودرء تهمة طالما أعتبروها وسام يزين تاريخهم النضالي منذ أكثر من 20 عاما، العديد من التكالبات والاتهامات والاعتقالات والتشهير الإعلامي القذر والقضايا المرفوعة أمام محكمة أمن الدولة من أجل إعتبارهم تنظيما إرهابيا (إرهابيا للدولة ولطبقتها الحاكمة في الأساس)، والعديد من حالات القبض على كوادرها كان أخرها القبض على الرفيقين ماهينور المصري ويوسف شعبان مع التهديد بكشف تلك الإتصالات ”السرية“ مع قيادات جماعة الإخوان!

لقد أصبح الاشتراكيون الثوريون الذين كانوا في مقدمة الصفوف من أجل الإطاحة بحكم محمد مرسي والذين دشنوا خلال تلك السنة المهترئة من عمر المعزول حملة ”عاوزين نعيش“ في القرى والأحياء والمصانع، أولئك الذين فتحوا أبواب مركز الدراسات الاشتراكية على أذرعه أمام كل الرافضين لعودة النظام المباركي والرافضين لحكم مرسي وسياسات جماعة الإخوان المسلمين، أصبحوا متهمين فجأة بمسايرة الإخوان، وفيما امتلأت صفحتهم على موقع التواصل الاجتماعي ”الفيسبوك“ بالعودة مرة أخرى إلى ما كنا عليه من ”اليد الواحدة“ أثناء أحداث الثورة المصرية والتي كان الاشتراكيون الثوريون خلالها منفردين بإصدار وتوزيع بيانات تهاجم فيه المخلوع وتطالب تنحيه وإزاحته من المشهد السياسي، كانت نفس تلك البيانات تهاجم جميع القوى الإصلاحية بما فيها جماعة الإخوان، فاضحة تواطئهم وجلوسهم مع عمر سليمان آنذاك، تلك هي الصورة الحقيقة، وذلك هو العبث الذي نعاصره كل يوم.