بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ساحة سياسية

ثوار خلف القضبان

يارا سلام.. مناضلة صلبة من الصف الأمامي

“منذ بداية الثورة والنساء يقمن بتحدي الأنماط والتقاليد المجتمعية السائدة عن أدوار المرأة. ومن الواضح أن النظام في مصر لا يرحب بتواجد ونشاط المرأة في المجال العام، فيتم تبرير القمع والانتهاكات ضد المرأة بناء على أحكام أخلاقية مع تجاهل الحقوق والحريات الأساسية للنساء، لن تُبنى الديمقراطية فوق أجساد النساء، ولن تنجح الثورة بدون احترام المرأة وإدماج قضاياها في النضال لإنهاء حكم العسكر والديكتاتورية”. كان ذلك ما ألقته يارا سلام أثناء فعاليات الدورة التاسعة عشر لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة.

يارا سلام، بنت الـ29 عام، المحامية ومسئولة ملف العدالة الانتقالية بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، بدأ اهتمامها بمجال حقوق الإنسان في الخامسة عشر من عمرها حين تطوعت في جمعية “النسور الصغيرة” المهتمة بحقوق الطفل، لتبدأ بعدها في دراسة الحقوق بجامعة القاهرة، ليتم تكليفها من قبل مركز القاهرة لحقوق الإنسان بإجراء حوار مع النساء المطلقات والعمل على ملف النفقة الزوجية لتكون تلك بداية لانغماسها في العمل الحقوقي المتصل بالمرأة، لتحصل بعدها على منحة ماجستير في “القانون الدولي لحقوق الإنسان” من جامعة نوتردام.

بدأت يارا عملها في المجال الحقوقي بعد تخرجها كباحثة في شئون الحريات المدنية بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، ثم مساعدة باللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب في جامبيا بعد حصولها علي الماجستير. وبعد ثورة يناير 2011، التحقت “يارا” بالعمل في مؤسسة “نظرة” كرئيسة لبرنامج “المدافعات عن حقوق الإنسان”، البرنامج الأول من نوعه في العناية بتوثيق الانتهاكات ضد النساء، ما أهّلها للفوز بدرع المدافعين عن حقوق الإنسان في شمال أفريقيا في عام 2013، ثم عادت للعمل بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، ورُشحت في 2015 لجائزة منظمة “مدافعي الخط الأمامي”.

أُلقيَ القبض عليها في 21 يونيو 2014، مع 23 آخرين فيما يُعرف بقضية ”الاتحادية”. قامت بالقبض على يارا مجموعات ترتدى ملابس مدنية أثناء شرائها زجاجة مياه، ثم اقتادتها قوات الأمن إلى قسم شرطة مصر الجديدة، لتحال إلى النيابة التي وجهت لها اتهامات منها خرق قانون التظاهر وإتلاف ممتلكات عامة وخاصة واستعراض القوة وحيازة مفرقعات. وفي أكتوبر الماضي حكمت المحكمة عليهم بالسجن لمدة ثلاث سنوات، وثلاثة سنوات من المراقبة، وغرامة قيمتها عشرة آلاف جنيه، لتُخفّض بالاستئناف إلى سنتين والغاء الغرامة وتخفيض فترة المراقبة إلى سنتين أيضا، لتقرر البدء في تحضير دبلومة في القانون الجنائي واستكمال دراستها للغة الاسبانية.

يكفيك قراءة بعض التدوينات على مدونتها الشخصية “شغف” لتكتشف سر هذه الفتاة التي تجمع بين “اللماضة” والضحكة الهادئة، والدفاع الصلب عن حقوق الإنسان. تفاصيل نضالات شخصية ومعارك نظرية شكلت فتاة نسوية دخلت إلى المعترك السياسي لتشارك بعدها في تظاهرة سنوية خالد سعيد في 2011 أمام وزارة الداخلية بعد عودتها إلى مصر عقب انطلاق ثورة يناير. وصفها الدرامي لصورة بائع “غزل البنات” أمام سيارة الأمن المركزي المحترقة في محمد محمود قد تكون بداية لفهم المناضلة التي اندفعت إلى الاشتباكات لتناكف كل من يحاول إعادتها إلى الخلف “عشان هي بنت” لتكون المرة الأولى “اللي تصرخ فيها فحد… هو الغاز بيأثر فيا وانتوا لا؟! دى بلدي زي ما هي بلدكوا وقلبي محروق عليها!”. وبعد قليل تترك الميدان لتحضر التحقيق النيابة مع “ثوار مضروبين”، “النقاش اللي لقن وكيل النيابة درس في الثورة”، واللي قال لوكيل النيابة لما سأله “يعني لما تقتحموا وزارة الداخلية هتحققوا أهداف الثورة… ما احنا سيبنالكوا وقت ولا بيحصل حاجة، احنا هنجيب حقنا بإيدينا”.

تقول يارا: “وبعد مشاعر غير منطقية إن مافيش حاجة أسوأ من محمد محمود حتحصل، جه فض اعتصام مجلس الوزراء. أنا ماشاركتش في الاعتصام ولا حتى عديت عليه مرة واحدة، لكن فجأة بدأت اسمع عن فض الاعتصام ومدى قذارة وعنف الشرطة العسكرية، ولتاني مرة كان فيه احتياج لمحامين، ورحت احضر التحقيقات مع “المتهمين” المتعذبين. أول حد حضرت معاه كانت بنت عندها ١٥ سنة اسمها نعمة. نعمة بنت من منوف قالتلي إنها لما شافت في التلفزيون الناس بتنضرب في التحرير أخدت القطر وجت. أنا لغاية دلوقتي ماعرفش لو كانت عايزة تهرب من أهلها ولا أعرف الحكاية كلها وماعتقدش إني حعرف، بس اللي أنا متأكدة منه هو إن نعمة اتكهربت وانضربت من ضابط بتقول اسمه أحمد حسام”. “من حوالي شهر، قررنا نروح ندور على نعمة علشان القضية، ولفينا كتير عقبال مالقيناها، والنهارده (٢٩ يوليو ٢٠١٢) في أول جلسة للقضية (كمتهمين مش مجني عليهم)، نعمة جت. واحنا في الأتوبيس مستنيين نروح قاعة المحكمة نعمة بدأت تتكلم عن الضابط أحمد حسام واللي عمله في البنات من كهرباء وخلافه، وبدأت تدمع. دخلنا، ونعمة دخلت القفص مع باقي الناس، وفجأة أغمى عليها. طلعناها بره وعرفنا نفوقها بس أغمى عليها تاني. في لحظة واحنا مستنيين الإسعاف (وإيديها عمالة تسقع) بصيتلها وافتكرت أيام التحقيقات واللي شفته، وخفت تروح مني، خفت من كتر خوفها تروح مني”.

ثم تواصل يارا: “وآخر حاجة الراجل اللي مات في الحبس وهو مستني يتعرض على النيابة. كنت بحضر مع متهم وفجأة الباب اتفتح، وأحد الزملاء قال المحامين ينسحبوا علشان فيه متهم مات علشان ما اتنقلش للمستشفى يتعالج، وفيه حد كمان بيموت.. مافهمتش. مافهمتش على الإطلاق، بس استأذنت وخرجت. وأنا نازلة لقيت دكتورة منى مينا بتحاول تنقذ ما يمكن إنقاذه وراجل قاعد قدامها بجلابية بيضة وذقن وشعر أبيض أكنه خشبة على الأرض، أعتقد إنه كان عنده صدمة عصبية. وقتها كنت حتجنن. كنت حسه إني في سلخانة وماعرفتش أمسك أعصابي”.

يارا سلام مناضلة من ضمن آلاف قررت الدولة حبسهم خلف قضبان السجون، لا لشيء إلا أنهم يحاولون خلق مستقبل أفضل. خلف تلك القضبان يقبع مناضلون لم يسلموا الراية بعد، في وجه ثورة مضادة قذرة ترفع قانوني التظاهر والإرهاب لقمع كل من يرفع شعارا يعادي مصالحها وينادي بالتحرر والمساواة. ستظل الدولة في سعيها لترسيخ سلطتها وقمعها والتبرير له في مواجهة مناضلين لن يكفوا عن السعي لإسقاط نظامهم القمعي والمستبد وإقامة دولة أكثر عدلا وإنسانية.