بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الغرق في نيل القاهرة.. أو أن تكون فقيرا في مصر

أن تكون فقيراً في مصر..
عليك وحدك أن تتحمل قساوة العيش،
عليك أن تتقشف،
عليك أن تتحمل نقص المياه والكهرباء،
عليك أن تتحمل غلاء الأسعار،
عليك ألا تطالب بحد أدنى من الأجور،
عليك ألا تطالب بالتكافؤ في فرص التعيين في الوظائف العامة،
عليك ألا تشكو الانفلات الأمني،
وعليك ألا تتبرم من انتهاك الداخلية لحقوقك الإنسانية.

وبالتأكيد فأنت تعلم عزيزي الفقير أن التزامك بما سبق، لن يجلب لك هناء العيش.

ولكن، عليك أن تعلم أيضاً، أن التزامك بما سبق لن يضمن لك الميتة السوية، ولا حتى تكريم جثمانك بعد الممات.

أول أمس، لقي 31 فقيرا مصرعهم وهم يحاولون البحث عن قليل من المرح والبهجة، ليقاوموا به مر العيش، وقساوة الواقع. ولكنهم لم يعلموا أن أجهزة الإهمال في الدول تطاردهم حتى في رحلات البحث عن السعادة.

فإهمال الدولة يطارد الفقراء أينما يذهبوا، يطاردهم في العربات، والقطارات، والعبارات، والمراكب.

يطاردهم في مياه الشرب، وفي أكلاتهم البسيطة.
يطاردهم في المستشفيات، والمدارس.
ويطاردهم حتى في غرف نومهم، إن كانوا يمتلكونها من الأساس.

لم تكن حادثة غرق مركب “جزيرة الوراق” في نهر النيل، سوى استمراراً لمسلسل إهمال الأجهزة الحكومية، والذي يرقى إلى مستوى الجريمة التي تتم عن عمد.

الفساد والإهمال مازال يستشري في جسد الدولة العطب، دون أن يلقي أحداً له بالاً. فالدولة التي مازالت تتغنى بأساطير الحرب على الإرهاب، والمشاريع القومية، تركت فقراءها فريسة للإهمال، وتردي الخدمات العامة.

ولكي تتأكد من أن ما حدث هو جريمة كاملة الأركان ارتكبتها الدولة في حق مواطنيها، عليك أن تتابع المشاهدات التالية:

1. رغم وقوع الحادث مساء يوم الأربعاء، إلا أن عملية انتشال الجثث مازالت مستمرة الآن، دون وجود رصد نهائي دقيق لعدد الضحايا. ثلاثة أيام لم تكن كافية لانتشال جثث ركاب مركب صغير غرق في نهر النيل، وليس في أحد في البحار أو المحيطات.

2. لم يكن حجم الكارثة كافي بالنسبة للدولة لكي تحرك أجهزتها المعنية ومعداتها الحديثة المتطورة، اللازمة لانتشال جثث الضحايا، فجل جهود الإنقاذ يتم عن طريق الأهالي، بمعدات بدائية وبالية، أمام ناظري الدولة، وممثلي أجهزتها الأمنية والتنفيذية.

3. أكد الأهالي في شهاداتهم للصحافة أن قوات الإنقاذ تتقاعس عن انتشال الجثث، حيث نشبت مشادات مع قوات الشرطة وأهالي ضحايا ومصابين المركب الغارق بعد تجمهرهم مطالبين بضرورة إحضار “غطاسين” لانتشال الجثث من قاع النيل بدلاً من البحث على السطح فقط. وقد ذكر الأهالي نصاً، ما يلي: “الضابط أبو مسدس في جمبه قالنا انزلوا هاتوهم انتوا وسابنا ومشي… القسم ولا اهتم بينا، قلنا لهم الناس غرقت وماتت كلمونا بقرف، 7 ماتوا مننا وغيرهم كتير من عائلات تانية، ولا شُفنا وزير الصحة ولا وزير الداخلية ولا حد اهتم أو اتحرك”.

4. لم تخرج علينا مؤسسة الرئاسة أو رئاسة مجلس الوزراء بأي بيانات أو تصريحات حول الكارثة، وكأن شيئاً لم يحدث، أو أرواحاً بريئة زُهقت، وتستحق اهتمام الدولة. والمسئول الوحيد الذي خرج بتصريحات كان محافظ الجيزة “خالد زكريا عادلي”، الذي نفي مسئولية المحافظة عن الحادث، ليقول نصاً: “أن المسئول عن سير الحركة في مياه النيل، وزارة الموارد المائية والري، وليس المحافظة… سائق المركب كان مولع الراديو بصوت عالي، وبيرقصوا، والصندل ماشي، وهو مش سامعه… وما تسبب في غرق المركب هو زيادة عدد ركابه، ما سهل عملية غرقه بعد اصطدامه بالصندل”.

5. وأخيراً، لم يعلن التلفزيون الرسمي للدولة حالة الحداد على الأرواح البريئة التي سقطت، أول أمس، فهناك حدث أهم، ذكرى انقلاب 23 يوليو العسكري. ولن يعلن التليفزيون الرسمي للطبقة الحاكمة الحداد فالموتى من فقراء هذا الوطن!