بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ليس عن التحرش

في البدء لنتفق أن هذا المقال ليس عن التحرش أو الدفاع عن حقوق النساء في دولة تكاد تخلو من أي حقوق لأي شخص كان، لنعتبره نوعا من أنواع تفريغ الإناء، إناؤنا نحن الغائصون لأعناقنا في وحل الدولة كي نرى ما الذي ينضج بداخله.

ما دفعني للكتابة، هي موجة التحرش الموسمية خلال العيد، ومن قبلها الانتفاضة اللبنانية وما تبعها من موجة عارمة من “التنكيت” الجنسي المستفز على النساء، تماما كما حدث مع انفجار الثورة السورية وتفاقم مشكلة اللاجئات، ثم مظاهرات اليونان ومن قبلها مظاهرات تركيا وكل الأحداث التي فجرتها موجات الغضب في عواصم البلدان المختلفة، ولكنها لم تفجر إلا موجة من التعليقات الجنسية السخيفة على الساحة المصرية لتلخص بذلك كل دلالات الحراك الثوري في المنطقة بأكملها، وما تُنبئ به من تغير محتمل لشكل السياسات في الشرق الأوسط وتأثيرها في المدى البعيد والقريب على شكل الخارطة السياسية في العالم أجمع، إلى منفعة جنسية محتملة.

من هذه النقطة بالتحديد، يمكن أن نتخيل آلية عمل العقل الذكوري في الشارع المصري من خلف فاترينة من أجساد النساء العاريات دون أي اعتبارات أخرى، هل وصلنا إلى قاع المستنقع إذا!، أم أن مستنقعنا نحن يطوي بداخله قيعان أخرى ومسارات مختلفة لتفاصيل واقع يلقي بكل مخلفاته الفكرية والحضارية والسياسية والاجتماعية على عاتق النساء، ثم يطالبهن فيما بعد بالصمت والخرس تحت شعار “مصلحة الدولة العليا” وأنه لا يجب ولا يجوز تحت أي ذريعة نشر غسيلنا المتسخ أمام الناس؟

ما الذي يمكن أن نفعله إذا بعد انتشار رائحة هذا الغسيل العفن، وتسلله إلى الهواء الذي نتنفسه لدرجة أنه أصبح بطريقة فجة جزء من أجسادنا المعجونة بالذل والخوف من كل شيء؟ هل علينا أن نستمر في الصمت والإنكار كشخص يرفض الاعتراف بإصابته بالإيدز مثلا؛ خشية من عار الفضيحة؟!

العار يُصنع تماما كالقهر، ثم يصبح فيما بعد بكل تفاصيله المُذلة والمهينة إرثً أسود في دولة تخلو من أية حقوق لتتحول الشوارع فيها إلى سجون عسكرية، وحرمة الجسد كحرمة الوطن تُنتهك كل يوم تحت أعين الدولة التي تُعد أول المتحرشين.

لم أحبذ أبدا التحدث عن مشكلة المرأة كمشكلة منفصلة عن مشاكل المجتمع، فالعنصرية فكرة تولد أولا مع تفصيص المجتمع وتقسيمه لجماعات وفئات، تنتظر كل فئة منها غفلة الأخرى للانقضاض ونزع أكبر قدر ممكن من الصلاحيات التي يمكن أن تحصل عليها، إلا أنني رغما عني أجد نفسي الآن مُجبَرة على التحدث عن الثورة والمجتمع من منظور فئة واحدة فقط تلك التي انتمي إليها، فئة المهمشين بأمر من الدولة، نعم، بأمر من الدولة لأنها من وجهة نظري التي يمكنك أن تقبلها أو ترفضها؛ هي المستفيد الأول من تهميش فئات بعينها وتخلل ثقافة القهر والذل في المجتمع ككل وشعور النساء أنفسهن بالضعف والانكسار كي تستطيع فيما بعد استغلال تلك النقطة في معاركها السياسية.

أذكر في كل تلك المسيرات التي شاركت بها أثناء الثورة، أنني كنت أقف في منتصف المسيرة رغما عني، لست وحدي بالتأكيد بل مع كل النساء محاطين من جميع الجهات بحائط بشرى من الرجال بدافع الخوف من التحرش الذي دائما ما يستخدمه رجال الأمن عند محاولة فض أي مظاهرة كانت.

في التحرير، في شارع محمد محمود بالتحديد وفي ذروة الأحداث سألني شخصٌ ما “ايه اللي دخلك؟.. إنتي بنت!”، بالتأكيد يا عزيزي لم أدخل لأخذ سلفي أو تذكار من الرصاص على جسدي أو حتى رغبة مني في التعرض لحفلة تحرش جماعي من تلك التي كانت تحدث على أطراف مواقع الاشتباكات، ولكني كنت مؤمنة في ذلك الوقت بأشياء كفر بها الجميع ويؤسفني أن أخبرك أن هؤلاء الذين يتغنون بدور المرأة في الثورة هم أنفسهم من يدافعون عن فكرة جلوس المرأة في البيت بعيدا عن الأحداث.

نحن إذا النساء نقطة ضعف الثورة وعارها الفاضح فلا تستعجب أن يقوم نظام بأكمله على تعزيز شعور الضعف في نفوس النساء، ودفعهن لاحتقار أجسادهن والتعامل مع الجسد كعار لابد من إخفائه كي يستطيع فيما بعد عندما يشعر بحاجة سياسية، يستغل هذا الشعور لتحقيق انتصار ما؛ من هنا يمكن أن ننظر إلى تحرش الأمن بالمتظاهرات على أنه ذنب المتظاهرات لنزولهن من المنزل من الأساس كما يصبح تواجد النساء في التحرير بلا شك سبب لمهاجمة الثورة ونعتها بكل الصفات المسيئة التي وبشكل غريب تتعلق كلها بأجساد النساء!

لا عجب إذا في غياب قوانين رادعة للقضاء على ظاهرة احتقار النساء بكل الطرق الممكنة والتعامل معهن كمواطنات درجة ثانية منزوعات الحقوق، ليصبح انتهاك جسد المرأة في تلك الحالة ضريبة للنزول من المنزل.

بالتأكيد ليس الجانب السياسي فقط وإن كان الأقوى هو ما يعزز ذلك الشعور بالاحتقار تجاه النساء في المجتمع، هناك أيضا عوامل أخرى كالقهر الاجتماعي على سبيل المثال؛ الذي يدفع كل أفراد المجتمع على السواء دون أي تفرقة بالشعور بالدونية تجاه أنفسهم أولا ثم تجاه الفئات الأكثر ضعفا لعدم قدرتهم على الشعور بإنسانيتهم نتيجة لعجزهم عن تغيير ظروف ما فرضتها عليهم أنظمة مستبدة تدفعهم للفقر والخوف وعدم القدرة على التعبير عن احتياجاتهم بصورة كاملة، مما ينتج عنه تعزيز لشعور القهر بداخلهم الذي يعزز بدوره شعور الذل. بطبيعة الحال عندما يعجز المقهور الذي تطحنه رحى الظروف والخوف من الذات عن تفريغ رفضه وغضبه من النظام المستبد، يحاول البحث عن طرق أخرى للتعبير عن ذلك الرفض فتصبح بذلك محاولة فرض سلطته الفردية التي سلبها منه النظام المستبد مسبقا على فرد أخر أضعف وأكثر خوفا منه، طريقة من طرق التنفُس والتعبير عن وجوده المنتهك بالفعل.

لذا يصبح من الطبيعي في أي مجتمع يعاني من عوامل التخلف الاجتماعي تلك أن ينظر للمرأة على أنها عورة وعار يجب إخفائه تحت سيل من القواعد الاجتماعية والتابوهات التي يحرم كسرها أو الاقتراب منها، وتحول بذلك تدريجيا كل مشاعر الكراهية تجاه السلطة والخوف منها إلى مشاعر عدائية تجاه فئات أكثر تهميشا كالنساء وذوي الاحتياجات الخاصة، من هنا يمكن أن ننظر إلى ظاهرة كظاهرة التحرش الجنسي أو فرض طريقة حياة معينة على النساء وتعزيز شعور الدونية بداخلهم كعرض جانبي لمرض يسمى التخلف الاجتماعي. من ضوء هذا أيضا يمكن تفسير سبب العنف المصاحب للتحرش؛ ففي معظم الحالات لا يكتفي المتحرش أو المغتصب لإهانة ضحيته بانتهاك حرمة جسدها فقط بل يقوم بصب كل مشاعر الغضب والعداء عليها في شكل من أشكال العنف البدني الظاهر كتشويه لجسد الضحية بآلة حادة مثلا، والاستمتاع بما تعانيه الضحية من ألام ناتجة عن ذلك!

لا تنفصل إذا مشكلة النساء عن مشكلة المجتمع ككل، لذا أية حلول لا تنتزع المشكلة من جذورها وتحاول التعامل مع ظاهرة احتقار النساء على إنها مشكلة مستقلة بذاتها بعيد ا عن باقي مشاكل الدولة هى فى واقع الأمر حلول عقيمة، لن تنتج أكثر ما ينتجه محاولة القضاء على أعراض مرض دون علاج المرض نفسه، وتلك الحلول السطحية لن تزيد النساء إلا قيودا إضافية.

أذكر ردود الأفعال الغاضبة منذ عامان، عندما أقترح أحد الشخصيات المنشقة عن الإخوان والتي تحسب على التيار الإسلامي وسائل مواصلات خاصة بالمرأة كحل لمشكلة التحرش، كنت في ذلك الوقت من الغاضبين من عنصرية الحل؛ ولكن منذ يومان اختلطت بداخلي نفس مشاعر الغضب بمشاعر صدمة لتهليل المعترضين سابقا والمنبطحين حاليا لمشروع تاكسي خاص بالنساء فقط!

ما الفارق إذا؟ لا شيء في الواقع، عندما أحاول التفكير في الأمر يقفز إلى ذهني صورة مستقبلية عن ما يمكن أن ينتج عنه الأمر، رجل ما يسب ويلعن انحراف المجتمع لركوبي تاكسي الرجال في ظل وجود تاكسي للسيدات!، أو محامي يبرر للقاضي قيام سائق ما بإغتصاب فتاة بأنها لم تركب التاكسي المخصص للسيدات مما يعني رغبتها في التعرض للاغتصاب!

في الواقع هذا يحدث ولسنا بحاجة لتخيل المستقبل للتحدث عنه، ففي المترو مثلا يتعامل كل الناس مع العربات المختلطة على أنها عربات مخصصة للرجال فقط ولا يجوز للنساء دخولها مادامت هناك عربات مخصصة مسبقا للسيدات، وعندما تحدث أي حالة تحرش تسمع تعليقات من شاكلة ما الذي دفعها للركوب في عربة الرجال؟!

الفصل إذا ليس حلا للمشكلة، بل أكاد أجزم أن أي فصل من أي نوع ما هو إلا تعزيز إضافي لعنصرية المجتمع الفجة وقيود لا فرار منها على عنق المرأة، التي تُحاسب على كونها وُلدت في مجتمع تخلى عن الوأد التقليدي باختراع وأد أكثر حداثة وبشاعة وذلا.