بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

طاهر مختار.. القابض على جمر الثورة

هذا الثوري ذو الرؤية السياسية الثاقبة والتحليلات السياسية العميقة، كشف بكل وضوح حقيقة الأكاذيب المضللة التي تبنتها سلطة الانقلاب العسكري وإعلامه والكثير من السياسيين الانتهازيين مدعي الثورية الذين خانوا الثورة منذ اندلاعها حتى الآن. إنه طاهر مختار الذي اقتحمت قوات الشرطة منزله واقتادته إلى قسم شرطة عابدين لتصدر محكمة عابدين قرارًا بحبسه 15 يومًا على ذمة التحقيق.

طاهر مختار هو واحد من آلاف المعتقلين بسجون النظام الذين طالتهم يد البطش والقمع، وهو واحد ممن قبضوا على جمر الثورة ضد التزييف وتسويق الشعارات السياسية الفاسدة التي تصدرت المشهد الثوري وضللت الجماهير وكثيرًا من الثوريين.

أدرك مختار، بانحيازه التام للثورة، حقيقة العسكر أنهم “القلب الصلب للثورة المضادة” الذين لم ينحازوا للثورة قط، إنهم رأس حربة الثورة المضادة، هم العدو الأول للثورة المصرية الذين نجحوا في وأدها والقضاء عليها وعلى أحلام وطموحات الجماهير الباحثة والمتعطشة للحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة، فأوضح في مقاله “هل خان العسكر الثورة؟” أنه:

“بعد أن خلعت الثورة مبارك، كان هم المجلس العسكري هو وأد الثورة عند مرحلة تغيير رأس النظام دون إحداث تغيير حقيقي في النظام، فقد سعى إلى منع استمرار أي اعتصام له علاقة بمطالب الثورة في أي من ميادين مصر، كما قام على الفور بتوجيه كل آلته الدعائية ضد الاحتجاجات العمالية من إضرابات واعتصامات ووصفها بـ”الفئوية” خوفًا من تجذير الثورة حتى وصل الأمر أن أصدر المجلس العسكري بيانه الخامس بتاريخ 14 فبراير (بعد التنحي بثلاثة أيام) يحذر فيه من الاحتجاجات “الفئوية” لأنها تهدد أمن البلاد، ثم قام بعد ذلك بإصدار قانون تجريم الاعتصامات والإضرابات العمالية، وذلك بدلًا من تطهير الوزارات ومؤسسات الدولة والشركات من القيادات الفاسدة وإعادة توزيع الأجور بشكل أكثر عدلًا وهي المطالب التي كانت من أهم مطالب الثورة والاحتجاجات تلك.. قام الجيش بتنفيذ وترتيب العديد من المذابح ضد الثوار مثل محمد محمود ومجلس الوزراء ومذبحة استاد بورسعيد ضد جماهير الأولتراس، وهي المذابح التي سقط في كل منها عشرات الضحايا.
بقي الجيش هو المسيطر على مقاليد السلطة في مصر ووضع نفسه فوق الرئيس المنتخب ـ الذى رضي بذلك ـ وقد أدار الجيش بشكل كامل ومعلن المرحلة التي تلت الثورة حتى إتمام الانتخابات الرئاسية وفق استراتيجية وتكتيكات محكمة لإجهاض الثورة حتى حدث الانقلاب”.

فضح مختار حقيقة الدولة كمنظم للثورة المضادة مستخدمة كل أدواتها التي لا تتمثل فى الجيش فقط، بل في باقى أجهزتها كالقضاء والبرلمان وإن اختلفت وسائلهم في الحرب ضد الثورة بدايةً من القمع المباشر بالقتل والأحكام العسكرية والمدنية إلى تشويه وعي الجماهير المطالبة بالحرية من خلال البرلمان والإعلام و”خارطة الطريق” التي فرضها العسكر على الجماهير فرضًا.

تفكيك الأساطير يبدأ من تحليل الواقع، من هذا المنطلق تحركت تحليلات طاهر السياسية ليفكك لنا أساطير الثورة المضادة، حول ثورة 30 يونيو المضادة، نافيًا أن تكون تلك المظاهرات ثورة ولا حتى موجة ثورية، طارحًا أسئلته المحورية حول الأمر. كيف تكون ثورة ولا تصطدم بجهاز الدولة القمعي؟!، كيف تكون ثورة وقد عبئتها أجهزة الدولة بكل ما لديها من قوة؟ كيف تكون موجة ثورية مكملة لأهداف يناير وهى تسعى للقضاء على فصيل شارك في الثورة دون أن يتم القضاء على العدو الرئيسي للثورة، الجيش والدولة. استمر طاهر في تحطيم كل الأفكار والشعارات الفاسدة التى أحاطت الدولة والانقلاب بهالة من تزييف الوعي الجماهيري الذي بلغ ذروته بعد الانقلاب العسكري، مما سمح للدولة بتجريم آليات الثورة وأفكارها ثم تجريم الثورة نفسها، وهو ما اُتهم به طاهر ورفاقه بعد اعتقالهم.. المشاركة في أحداث يناير.

الآن ظهرت حقيقة كل شىء، وسقطت الأكاذيب والادعاءات. الدولة تعادي الثورة، والعسكر قاتلي الشعب والحريات، وسارقي القوت. أكاذيب “الجيش حمى الثورة” حين جُرمت الثورة، وأصبح المطالبة بالحق جريمة تُعتقل بسببها، وما سيبقى حينها هو وضوح العدو الحقيقي للشعب والجماهير، الدولة بكل أجهزتها. كتب طاهر في مقاله “لم تكن ثورة ولم تكن موجة ثورية” ناقدًا خرافة 30 يونيو:

“والسؤال مرة أخرى: أين النضال الذي كان في ميادين 30 يونيو؟ وأين كانت أدوات قمع مرسي واستبداده وقت نزول الناس في الميادين ضد حكمه؟! ثورة يناير لم يُطلق عليها ثورة سوى بعد اصطدامها بجهاز الدولة الأكثر قمعًا ووحشية في عهد مبارك وهزيمتها له وهو جهاز الشرطة، لكنها رغم اصطدامها اللاحق بحكم العسكر إلا أنها لم تنجح في إسقاطه ولم تحدث تغييرات جوهرية على النظام وهو ما يجعل البعض لا يعتبر ثورة يناير حتى ثورة بل انتفاضة جماهيرية فتحت المجال السياسي وعززت الحريات والديمقراطية بضغطها على نظام الحكم الذي لم يسقط وإن سقطت رأسه”.

وفي نفس المقالة، لم يتردد طاهر في الاعتراف بخطأ النزول في 30 يونيو، مطالبًا بإسقاط حكم العسكر والإخوان، رغم أن ذلك النزول لم يكن مؤثرًا في الكتلة الجماهيرية الضخمة التي انقادت خلف دعاية الدولة:

“ورغم أن 30 يونيو لم يكن هناك من سبيل لمنعها عندما كبرت كرة ثلج الغضب ضد الإخوان أثناء تدحرجها ـ لأسباب بعضها حقيقي وبعضها ملفق نتيجة شيطنة إعلام الثورة المضادة لهم ـ حتى وصلت لحجم لا يستطيع معه إيقافها وقتها سوى فصيل سياسي بحجم الإخوان أنفسهم خاصة أنه كان بأيديهم اتخاذ قرارات توقفها بالفعل، فإن هذا لا يجعلني أتردد في الاعتراف بخطأ المشاركة في 30 يونيو ولو رافعًا شعارًا مجردًا ضد العسكر والإخوان وسط مجموعة صغيرة ترفع نفس الشعار، في حين أن الحشود الكبيرة في المظاهرات كانت ضد حكم الإخوان فقط وقتها، ورغم أن مشاركتي ومشاركة مَن يتخذون نفس موقفي من عدمها وقتها لم تكن لتؤثر بشكل ملموس على كرة الثلج تلك ولا على النتيجة النهائية وقتها وذلك بسبب صغر حجمنا لدرجة أننا لم نستطع ترديد هتافاتها ولا رفع شعاراتنا ضد الحكم العسكر والإخوان معا دون صدام مع باقي الموجودين في الميادين”.

مدّ طاهر خط الثورة السياسي إلى آخره فطرح تحليلًا ثوريًا شديد البراعة حول الإخوان المسلمين كفصيل خان الثورة رغم مشاركته فيها، وأوضح في موقفه، الحاد والمنحاز تمامًا للثورة، الفرق بين الموقف ،الخائن أيضًا، في الاعتماد على الدولة العسكرية، العدو الأساسي للثورة، واللجوء إليها، بما في ذلك من تبعات شديدة الخطورة، وهو ما حدث فعلا، على الثورة ومطالبها من الغلق التام للمجال العام والحريات وعودة آلة البطش العسكري، وبين الموقف الثوري بأنه من حق الثورة وحدها الحكم على الإخوان المسلمين لا الدولة، فقط الثورة المنتصرة التي تنحاز لمطالب الشعب والإنسانية.

الفرق الحاد بين الانتهازية والثورية، الخيانة والمبدئية، تتجلى بكل وضوح في هذا الطرح، وما يترتب عليه من التضامن لا الحقوقي فقط بل السياسي أيضًا مع الإخوان المسلمين ضد الدولة العسكرية القامعة لهم ولنا وللجميع.

“يجب علينا رفض ذلك السياق بالكامل، وليس فقط رفض الانقلاب على ثورة يناير بدون رفض الانقلاب على حكم محمد مرسي الذي جاء كخطوة ضرورية للانقلاب على الثورة ككل حتى وإن كان للإخوان أخطاءهم الكارثية، يجب علينا رفض انقلاب الثورة المضادة على مكاسب الثورة الديمقراطية ومن ضمنها انتخابات الرئاسة والرئيس المنتخب من خلالها حتى وإن كانت تلك الانتخابات جاءت بخصومنا الذين كانوا شركاء الميدان بالأمس ثم خانوا الثورة لاحقًا. فخيانتهم للثورة لا يجب أن يحاسبهم عليها سوى الثورة التي خانوها وجمهورها، لا أن تحاسبهم ثورة مضادة ارتكبت من الجرائم ما هو أفظع وأكثر بشاعة ووحشية بما لا يقارن بما قام به الإخوان، خاصة وأن خطيئة الإخوان الكبرى كانت التحالف مع تلك الثورة المضادة والسكوت على جرائمها، فكيف لنا اليوم أن نسكت للثورة المضادة في انقلابها عليهم وتنكيلها بهم؟
وهذا ليس دفاعًا عن أخطاء الإخوان وخيانتهم للثورة، لكنه تفريق بينهم كفصيل شارك في الثورة وخانها بعد ذلك مع العسكر الذين استغلوا انتهازيتهم كفصيل إصلاحي لا يرى طريقة للتغيير سوى من خلال مسارات النظام الحاكم وخارطة طريقه، وتمكًن هذا الفصيل من الوصول للرئاسة بانتخابات للرئاسة لم تكن لتكون لولا الثورة، وبين العسكر الأعداء الطبيعيين للثورة بل والإنسانية!”.

في النهاية لقد اتضح كل شىء، ما مضى وما سيأتي، وقريبًا سيغدو حقيقة الصراع واضحة كالشمس، حقيقة أن الدولة وعلى رأسها العسكر أعداء الثورة والشعب، وأنه يتعين علينا النضال المستميت من أجل إسقاطها، لا الاعتماد عليها من أجل إسقاط مَن خان الثورة، لا حياد في الثورة ولا مواربة، لا شىء سوى المواقف المنحازة لمبادئ الديمقراطية والإنسانية والمصلحة الجماهيرية. لقد رسم لنا طاهر خطهُ السياسي الثوري كما أوضح فى أول مقال له في سلسلة “لا ثورة إلا ثورة يناير” تحليلًا ثوريًا يلخص تجربة الثورة وما وقعنا فيه من أخطاء ومن خلال نضالنا وممارستنا ستتشكل معالم المستقبل. الحقيقة أنه لا يمكن أن يُوفى حقه أو حق كتاباته، وأن خير ما يمكن أن يعبر عنه وعنها هى كتاباته نفسها، وأن دورنا الآن تجاهه ليس فقط التضامن معه بل أيضًا أن نقرأ مقالاته ونتعلم منها أو ننقدها، وأخيرًا: سنقرئك فلا تنسى، تلك الدولة لن تبقى.