بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ساحة سياسية

مقال بقلم والد الطبيب المناضل "طاهر مختار":

يا غُولْ عِينَكْ حمرا

ليعذرني قارئي على مقولة – عاميَّة – قفزت من ذاكرتي الطفولية الريفية لتفرض نفسها كعنوان لما أريد الكتابة فيه، فقد كانت هذه المقولة هي ما يعبّر به أحدهم – بتلقائية وعفوية – عن تعجُّبه من غضب الآخر لمجرد مواجهته بنقيصة بديهيَّة فيه لا تحتاج لبرهان أو دليل يؤكدانها. وهو الأمر الذي يحدث مع – وفي – دولتنا برجالاتها ومؤسساتها السياديَّة مجتمعة، وحتى لا أطيل في المقدمات أو يتشعَّب بي الحديث فقد قرَّرت أن أُعبّر عما أريد على هيئة نقاط محددة:

أولًا: أؤكد على أنني مسؤول مسؤولية تضامنية كاملة عن كلّ مواقف ابني “د. طاهر مختار” وأفعاله واختياراته لأنها جميعا جاءت متسقة مع ما ربَّـيته عليه، وعملت على غرسه فيه من قيم ومبادئ، ومع مساحة الحرية المسؤولة التي منحتها له من خلال علاقة صداقة متينة ونقاشات بناءّة حول كلّ ما يعنُّ لنا من أمور نتفق أو نختلف حولها، والأكثر من ذلك أعلن افتخاري به؛ بل استعدادي لأن أشاركه مصيره القادم أيًّا كان غموضه وقتامته، وأيًّا كانت النيَّة التي انتوتها له أجهزة الدولة.

ثانيًا: إذا كانت تهمتا ابني هما المشاركة في ثورة يناير 2011، والتحريض على قلب نظام الحكم؛ فعن التهمة الأولى لا أجد ما أقوله سوى إنّ هذا شرفٌ شاركته فيه كتفا بكتف مع كلِّ شرفاء مصر الذين يُطلق النظام الحالي كلابه المسعورة عليهم الآن في ضراوة وتبجح (وإن لم يكن ذلك ما يفعله النظام بكامل إرادته – على خلاف ما يعلن – فلماذا لا يوقفهم عند حدّهم؟، ولماذا يسمح باستمرار ذلك السيرك؟، والأهم لماذا لم نعد نرى غيرهم في صدارة المشهد، وقد حصلوا على براءاتهم في عهد هذا النظام، وعادوا إلينا جميعا بأراجوزات إعلامهم محمّلين بأكاليل الانتصار التي زادتهم قوة وجبروتًا يتوعدوننا بالعقاب على ما اقترفنا من إثم الثورة تحت سمع وبصر هذا النظام؟

وأما عن التهمة الثانية فأسأل؛ كيف لدولة تدَّعي أنها استكملت بنيتها الديمقراطيَّة وفي التاج رئيس أشبعنا مغازلة من مثيل “انتوا مش عارفين إنكم نور عنيا ولا إيه؟” أن تسمح لشرطتها أن تداهم شقة طبيب شاب اختار الدفاع عن حق المسجونين في الرعاية الصحيَّة (من خلال نقابة شرعية) بدون إذن من النيابة، ثم تقتاده وزميليه الطالبين الجامعيين إلى قسم عابدين دون السماح لهم بتغيير ملابسهم (ظهر أحدهم في النيابة بسروال يغطي ركبتيه بالكاد)، ثم يُنكر القسم وجودهم لعشر ساعات (وهو الوقت الذي استغرقته تحقيقات أمن الدولة معهم دون السماح لمحاميهم بحضور التحقيقات)؟

وأسأل أيضًا؛ هل مازال مقبولا من الشرطة (التي يُنفق عليها النظام – ببذخ لا نظير له – مما كثَّـفته المجاعات من صدأ على أسنان شعبه البائس) أن تتنكر للدستور وللأعراف الراسخة في نزاهة وشرف الخصومة، فيسلك رجالها – بدلا عن ذلك – أساليب العصابات الهمجيَّة وقُطَّاع الطرق مع هؤلاء الشبان عندما يستولون على هُويَّاتهم (تسلَّموا من ابني بطاقة الرقم القومي وجواز السفر ورخصة القيادة)، ثم يقدمونهم للتحقيق بعد أكثر من عشر ساعات على أنهم لا يحملون تحقيقات شخصيَّة؟

وأسأل كذلك؛ كيف سمح رجال الأمن الوطني (أو المباحث) لأنفسهم – في عهد الحريات الذي لا يملُّ رئيس الدولة من التبشير به والتأكيد عليه – أن يدسُّوا لابني أوراقا لا تخصّه (رفض السيد وكيل النيابة تلبية طلب ابني باستكتابه وتحويل الأمر برمته لخبير خطوط لتبيان الحقيقة فيه)؟

وأخيرًا، هل أصبح العمل الإنساني في مجال الرعاية الصحيَّة للمسجونين (وهو حق أصيل تكفله جميع الأديان السماوية، ويكفله الدستور، وتكفله المواثيق الدولية) نشاطا يرى فيها رجال الدولة خطرًا على النظام فيكيفونه جريمة تحريض على قلب نظام الحكم؟ (والله إنها لفضيحة – وأي فضيحة – أن يستشعر النظام هشاشته لهذه الدرجة).

وهنا يأتي دور العنوان (المقولة) ليجيب عن هذا السؤال بعد أن تأكد جليًّا أن ما يُسمى بالدولة (الغول) لن تقبل أن يواجهها أحد بأن كلتا عينيها حمراوتان لأن جزرها المنعزلة المهلهلة – وتلك قضية أخرى – تعلم جيدًا أنها تغوّلت كثيرًا على حقوق شعبها وتأبى الاعتراف!