بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

المشاركة في ثورة يناير شرف

في الذكري الخامسة لثورة يناير، خلقت موجاتها وإخفاقاتها واقع جديد وجغرافيا سياسية جديدة تتبلور جميعها حول الموقف من ثورة يناير والرؤية حول صيغة التغيير المأمول وأدواته، انعكس ذلك، خلال هذه السنوات، على شكل التحالفات السياسية والطبقية التي نشأت بعد الثورة.

ما بين هذا والشعارات الأساسية “عيش – حرية – عدالة اجتماعية – كرامة إنسانية”، سأحاول في السطور القادمة وضع تصور أولي حول هذه النقاط.

يناير “مؤامرة”!
التحالف الطبقي الحاكم في مصر بدا واضحًا تكوينه من شريحة الجنرالات وكبار رجال الدولة، الذين لا يديرون فقط استثمارات ومشاريع تابعة للدولة، بل يديرون مشاريعهم واستثمارتهم الخاصة، ويستغلون مناصبهم الرفيعة بالجهات المدنية في صفقات فساد لتضخيم ثرواتهم، بالإضافة إلى رجال أعمال مبارك الذين كانوا يسيطرون على البرلمان والاقتصاد المصري وينعمون برغد العيش في جمهورية الفساد التي كان مبارك جنرالها.

أثبت الخمس سنوات الماضية، أن هؤلاء يخوضون مع الثورة معركة وجود بالأساس، فلا يوجد في قاموسهم سوى الانقلابات العسكرية، أما مفهوم الثورة بمعنى المبادرة والحراك الجماهيري من أسفل لتحقيق التغيير فهذا مرفوض تمامًا لهم لما قد يشكله من تهديد حتمي ومباشر لمصالحهم الطبقية. تركت الثورة في نفوسهم جرح غائر إلى النخاع عندما كسرت الجماهير المضطهدة حاجز الخوف وهزمت داخليتهم في 6 ساعات واضطرت أحد أعمدتهم “المؤسسة العسكرية” لخلع رأس السلطة تحايلًا على الشعب وأداء التحية العسكرية لشهدائهم، وكشفت عن كم الترهل والفشل والفساد الممتد عميقًا إلى جذور دولة ضباط يوليو.

العسكر أدركوا، بوضعهم الطبقي، أن معركتهم مع الثورة معركة (نحن أو هم)، فبدأوا في العمل الهادئ الدؤوب للعودة إلى مواقعهم بعد تأثيرات الخلخلة إثر ثورة يناير.

وبالرهان علي القلوب الصلبة للدولة والمحاطة بكم كبير من الأوهام الجماهيرية حول حيادية الدولة، بدأت المؤسسة العسكرية، بعد نحاجها في فرلمة الثورة المصرية دون إحداث تغيير بنيوي في عمق مؤسسات الدولة، نجحت في حرف وإغراق قوى الثورة في الاستقطاب الطائفي و”الديني/ العلماني” (المستوي الأفقي للصراع) على حساب الاستقطاب الطبقي (المستوي الرأسي للصراع) مستغلة ضعف التنظيمات السياسية الراديكالية القادرة على التعزيز من الصراع الطبقي، لتحين الفرصة للعصف بقوى الثورة بلا رحمة بعد حالة من التشتت المتعمد.. “مَن يصنعون نصف ثورة يحفرون قبورهم”.

“أيقنة” الثورة المصرية
إبان الثورة البلشفية في روسيا، وعقب انتهاء الحرب الأهلية وهزيمة الثورة الألمانية وسيطرة البيروقراطية على الحزب البلشفي انقلابًا على السوفييتات العمالية المنتخبة، صعد نجم سكرتير الحزب جوزيف ستالين. يُحكى أن ستالين عقب وفاة لينين حنَّط جثته ونسج الأساطير حول قدراته، وحوَّل قبره إلى مزار سياحي و”أيقونة” يستحيل تكرارها لكل الحالمين بتحرر البشرية. في المقابل طمس ستالين كل ما حلم لينين به يوما صانعا أشرس ديكتاتورية في التاريخ البشري الحديث.

أتذكر هذا المثال كلما رأيت القوى الإصلاحية المصرية التي شاركت بالتنسيق مع المخابرات ورجال الأعمال في 30 يونيو والانقلاب العسكري في 3 يوليو. هذه القوى تدافع عن ثورة يناير من منطلق ذكرها في دستور 2014 غاضين الطرف تماما عن قوى الثورة ومكتسباتها التي تداس بالبيادات صباح مساء في الشوارع والميادين ومواقع العمل.

يمكن أن ينطبق ما فعله ستالين على هؤلاء الساعون لـ “أيقنة الثورة المصرية”. هؤلاء الإصلاحيون الذين تجمعهم حالة “انعدام الثقة المفرط في الجماهير” وفي حراكهم من أسفل، دون إشراف من الدولة أو أحد أجنحتها، قادهم لاعتبار ما غير ذلك “فوضى” وسط تفاوت تصوراتهم حول آليات التغيير بين الساقطين في وهم “التنويرالفكري الثقافوي” القائم على قاعدة الاستقطاب الديني العلماني، وبالتالي الانخراط في المؤسسات التنويرية للدولة الطبقية ثم الانفصال عن الشارع، أو المراهنون على التغيير من أعلى عبر المؤسسة العسكرية أو “الزعيم” الملهم، أو اليساريون الإصلاحيون الذين يطرحون التغيير من داخل الدولة عبر البرلمان.

هؤلاء يقومون “بتحنيط الثورة” وتحويلها إلى “أيقونة” شاركوا فيها في 18 يوم وكفى، فهي حدث فريد في التاريخ الإنساني لن يتكرر، أما دورهم اليوم فهو العمل من داخل مؤسسات الدولة والرهان عليها لتحقيق التغيير.

لكن مع تغول معسكرالثورة المضادة يتراجع هؤلاء تدريجيًا متحولين إلى “إصلاحيين طوباويين” يقدمون النصائح لقوى الثورة المضادة والدولة الطبقية بعمل بعض الإصلاحات الشكلية من أعلى حتى لا تنتفض ضدهم الجماهير وتنهار دولتهم ككل، بعد أن أصبحوا جزءًا منها. إنهم سقطوا تماما في هوة التأييد والتطبيل للحكم العسكري واقفين في نفس خندق الثورة المضادة وعدائهم الجذري للجماهير و للحراك الجماهيري، واعتبار يناير “مؤامرة”، أو على الأقل كان جزءًا منها كذلك.

“المتهمون” بالثورة!
الثورة هي فعل جماهيري، ربما ينتج عن مبادرة القطاعات الأكثر وعيًا منها في محاولة لتحقيق تغيير نوعي في طبيعة العلاقات (السياسية/ الاقتصادية/ الاجتماعية ) القائمة، والصدام مع الدولة الطبقية لإعادة النظر بشكل جذري في طبيعة منظومة توزيع السلطة / الثروة داخل المجتمع لصالح الفقراء والمهمشين.

بعد ثورة يناير أصبح ثوارها كالمتهمين بالقضم من الثمرة المحرمة، والكشف بوعيهم، خلال 5 سنوات هي مسيرة الثورة المصرية، عن الأساطير المؤسسة لدولة ضباط يوليو المتحالفة مع رجال الأعمال وكيف تغطي هذه الأساطير على تمرير السلطة لسياسات (الفقر/ القمع/ التبعية). إنهم كشفوا عن الطبيعة (الطبقية/ الطائفية/العنصرية) الكامنة خلف القناع المحايد للدولة التي تدعي الوطنية والمواطنة، فأزاحوا الستارعن التناقض الكامن خلف الدمج غير المتكافئ بين مفهوم الدولة الطبقية المنحازة للأغنياء، التي تدافع عنها القلوب الصلبة للدولة من جيش وشرطة وقضاء وإعلام ومؤسسات دينية رسمية.. إلخ، وبين مفهوم الوطن الذي يتسع للجميع دون تمييز على أساس طبقي أو ديني أو جنسي. إن حبهم للوطن وإيمانهم بالثورة يفرض عليهم تصديق إيمانهم بالفعل والنزول إلى الشارع لمقاومة هذه الدولة الطبقية في كل خندق، لهذا أطلقت عليهم الدولة مؤسساتها الصلبة لتعمل فيهم التشويه والتشهير والخطف والاعتقال والتصفية الجسدية.

وجه المحقق للرفيق طاهر مختار عقب سؤاله عن المشاركة في أحدث يناير وما تلاها السؤال: هل أنت صاحب “فكر”؟

دائما ما تكون التهمة الأولى للمعتقلين السياسيين، ليست فقط هي المشاركة في 25 يناير، لكن إرفاقها بما تلاها من فاعليات وأحداث، فالتهمة ليست المشاركة في يناير وفقط، فهناك مَن شارك وهو الآن من داعمي الفاشية العسكرية. التهمة هي هذا “الوعي المتقدم” الذي كشف أوهام الخطاب السياسي للنظام الحاكم. التهمة هي “الوعي”، هي “المعرفة”.

لماذا تخشى الدولة ثورة يناير؟
الحقيقة، الطبقة الحاكمة لا تخشى ثورة يناير فقط التي حطمت جهاز أمنها الداخلي في 6 ساعات وأجبرت الضباط علي خلع زيهم الرسمي وهددت المصالح الطبقية لعضويتها بعد خلع ممثلهم من سدة الحكم وانكشاف عظام وأعصاب دولتهم، لكنها تخشي بالأساس ما نتج عن هذه الثورة من “وعي متقدم” سالف الذكر لدى قطاعات واسعة من الجماهير والشباب الثوري، وهي القطاعات الأكثر تضررا من الإجراءات التقشفية والقمعية للدولة.

فمع تقدم الثورة المضادة في استخدام قواها الصلبة والعصى الأمنية لإعادة بناء حاجز الخوف دون العمل على خلق تنمية متوازنة تستوعب قطاعات من الفقراء أوتقديم حلول، ولو نسبية للأزمة الاقتصادية الطاحنة، يصبح هذا “الوعي المتقدم” تهديدا مستمرا لها عبر إمكانية خلق بديل ثوري، في لحظة ما، عند الجماهيرالمكتوية بنار الأزمة في ظل عودة ممارسات عصر مبارك وعودة القوى المباركية للعمل والانحياز الصريح لها من مؤسسات الدولة المختلفة، مما يخلق نفس الشروط التي أدت لإشعال الثورة الأولي ويهدد هذه المرة القلوب الصلبة للدولة بعد أن سقطت عنه كل أقنعة الحياد خلال صراعها مع قوى الثورة المختلفة طوال الفترة الماضية.