بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

دولة الإخفاء القسري

عرَّفت المحكمة الجنائية الدولية الاختفاء القسري بأنه: “إلقاء القبض على أي أشخاص أو احتجازهم أو اختطافهم من قبل دولة أو منظمة سياسية، أو بإذن أو دعم منها لهذا الفعل أو بسكوتها عليه، ثم رفضها الإقرار بحرمان هؤلاء الأشخاص من حريتهم أو إعطاء معلومات عن مصيرهم أو عن أماكن وجودهم بهدف حرمانهم من حماية القانون لفترة زمنية طويلة”.

وعرَّفت الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري على أنه: “الاعتقال أو الاحتجاز أو الاختطاف أو أي شكل من أشكال الحرمان من الحرية يتم على أيدي موظفي الدولة، أو أشخاص أو مجموعات من الأفراد يتصرفون بإذن أو دعم من الدولة أو بموافقتها، ويعقبه رفض الاعتراف بحرمان الشخص من حريته أو إخفاء مصير الشخص المختفي أو مكان وجوده، مما يحرمه من حماية القانون”.

كما تقر بأنه لا يجوز تعريض أي شخص للاختفاء القسري، ولا يجوز التذرع بأي ظرف استثنائي كان، سواء تعلق الأمر بحالة حرب أو التهديد باندلاع حرب، أو بانعدام الاستقرار السياسي الداخلي، أو بأية حالة استثناء أخرى، لتبرير الاختفاء القسري.

يعود ابتكار جريمة الاختفاء القسري إلى أدولف هتلر، ففي 7 ديسمبر 1941، وبناءً على أمر منه، أصدر رئيس القيادة العليا في القوات المسلحة الألمانية، فيلهلم كيتل، مرسوم “الليل والضباب”، وبموجب هذا المرسوم كان يتم القبض علي المعارضين للنازية – الشيوعيين بالأساس – واحتجازهم في مقرات احتجاز سرية، وتم القبض على حوالي 7 آلاف شخص وفقًا لأحكام هذا المرسوم. وفي 30 يوليو 1944، أصدر هتلر قانون “الإرهاب والتخريب” لتوسيع أحكام مرسوم “الليل والضباب”.

بدأت ظاهرة الاختفاء القسري في مصر بشكل منهجي في أواخر التسعينات، حيث رصدت جمعية حقوق الإنسان لمساعدة السجناء 11 حالة اختفاء قسري.
ويمكننا القول أن نطاق هذه الجريمة قد اتسع عقب 30 يونيو 2013، وفض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة الذي ترك وراءه كثيرًا من الأفراد الذين تعرضوا للقبض والاختفاء في أماكن احتجاز سرية، حيث رصدت المفوضية المصرية للحقوق والحريات 32 حالة اختفاء قسري، لم يستطع ذووهم ولا محاموهم التوصل إليهم، رغم بحثهم عنهم في أماكن الاحتجاز واتخاذهم كافة الإجراءات القانونية من شكاوى وبلاغات للنائب العام، لكن دون جدوى.

توسعت الدولة وأجهزتها الأمنية – الأمن الوطني والمخابرات الحربية – في استخدام استراتيجية الإخفاء القسري في عام 2015 ضد الثوار والمواطنين غير المنخرطين بالعمل العام بمن فيهم الأطفال وكبار السن، وإذا ظهر المختفون قسريًا يجدون أنفسهم متورطين في تهم ملفقة، أو يلقوا مصير الموت تحت وطأة التعذيب وتُخفى جثثهم أو تظهر على أنها حالة انتحار أو تفجير، إذ سجلت قرابة مائتي حالة لقت حتفها نتيجة التعذيب المستمر في أماكن احتجاز مجهولة تابعة لقوات الأمن، أو القتل وتلفيق التهم كحالة الطالب إسلام عطيتو حيث اختُطف من لجنة الامتحان وتم تعذيبه وتصفيته بالرصاص الحي، وبعد ذلك اتهمته الداخلية بالانتماء لتنظيم إرهابي.

يتم القبض علي الشخص من المنزل أو من الشارع أو من مكان عمله، والنمط السائد في توقيت القبض يكون ليلًا (زوَّار الفجر)، وخلال فترة الاحتجاز السري يتم تعذيب الأشخاص المُختَطفين بالصعق بالكهرباء في جميع أنحاء الجسد وتحديدًا الأماكن التناسلية، والتعليق الخلفي، وتعليق الذبيحة، وهو ربط اليدين والقدمين وإدخال عصا من المنتصف ورفعة لأعلى، بالإضافة إلى الاعتداءات الجنسية المتكررة.

يتم احتجاز الاشخاص أيضًا واستجوابهم، بجانب مقار الأمن الوطني، في معسكر الجلاء بالإسماعيلية التابع للجيش الثاني الميداني، وفي سجن “العزولي”، ومن ضمن الاماكن التي يتم فيها الاستجواب أيضًا مقر المخابرات الحربية بالقاهرة بمدينة نصر، ولا تختلف الممارسات أثناء التحقيق عن ممارسات الأمن الوطني.

وكانت التنسيقية المصرية للحقوق والحريات قد أصدرت تقريرًا بعنوان “وراء الشمس” يرصد جريمة الاختفاء القسري للمواطنين خلال النصف الأول من عام 2015، قد أشار إلى تعرض 1023 مواطنًا للإخفاء القسري خلال الفترة من 1 يناير حتى 30 يونيو 2015.

ورصدت حملة “أوقفوا الاختفاء القسري” 125 حالة اختفاء قسري خلال شهري أكتوبر ونوفمبر 2015، حيث شهد شهر أكتوبر اختفاء 92 حالة، بينما شهد شهر نوفمبر اختفاء 33 حالة.

وقالت حملة “الحرية للجدعان” إنها وثَّقت 163 حالة اختفاء قسري في مصر، في الفترة الواقعة بين أبريل 2015 ويونيو2015 منهم حالتي وفاة.

وفي نفس السياق، تقدمت منظمة هيومن رايتس مونيتور في يونيو الماضي بشكوى عاجلة مجمعة إلى الفريق العامل المعني بالاختفاء القسري في الأمم المتحدة، وكذلك للمقرر الخاص بالاعتقال التعسفي تضمنت 44 حالة من الاختفاء القسري الذي تعرض له 44 من المواطنين.

وفي تقرير صدر في أغسطس 2015 عن لجنة عمل الأمم المتحدة حول الاختفاء القسري وغير الطوعي، رصدت اللجنة أكثر من 70 حالة اختفاء قسري جديدة محتملة في مصر في فترة مايو 2014 حتي مايو 2015.