بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ساحة سياسية

حوار مع القيادي الاشتراكي الثوري سامح نجيب

من الثورة إلى الثورة المضادة

من ميدان التحرير خلال اعتصام الثمانية عشر يومًا - تصوير حسام الحملاوي
من ميدان التحرير خلال اعتصام الثمانية عشر يومًا - تصوير حسام الحملاوي

في 25 يناير الجاري، يكون قد مضى خمس سنوات على اندلاع الثورة المصرية التي بدأت باحتجاجات واسعة فيما يُعرف بيوم عيد الشرطة. بعد ذلك بثمانية عشر يومًا، أُطيح بالديكتاتور حسني مبارك المدعوم أمريكيًا بعد حوالي 30 عامًا في السلطة.

أما اليوم، فيسيطر على مصر حكمٌ عسكريٌ يصعِّد من قمعه لكل من يخالفه الرأي في كل المناسبات المتعلقة بالثورة. في الأسابيع الأخيرة، اقتحمت قوات الأمن المصرية ما يقرب من 5 آلاف منزل في وسط القاهرة، كـ”إجراء احتياطي” ضد التحركات المُحتملة لإحياء ذكرى الثورة. هذا، وقد فرض نظام الجنرال عبد الفتاح السيسي قيودًا على الإعلام، وألقى القبض على صحفيين بتهمة “نشر أخبار كاذبة”. اليوم تحتل مصر المرتبة الثانية بعد الصين في عدد الصحفيين في السجون. ألقت قوات الأمن القبض أيضًا على عددٍ كبيرٍ من المواطنين بتهم “التحريض ضد مؤسسات الدولة”.

ما كان سبب الانتفاضة الجماهيرية التي ألهمت العالم قبل خمسة أعوام؟ كيف أعادت قوى الثورة المضادة فرض حكمها الاستبدادي مرة أخرى؟ ما هي أبعاد موجة جديدة من المقاومة الثورية؟ في هذا الحوار، المنشور بشكل مشترك مع موقع Jacobin، يتحدث سامح نجيب، القيادي في حركة الاشتراكيين الثوريين في مصر، مع إيريك رودر عن الأسباب الكامنة للثورة وما يحمله لنا المستقبل.

يُعرف يوم 25 يناير في مصر بعيد الشرطة. في هذا اليوم منذ خمسة أعوام مضت، نظَّم نشطاءٌ مظاهرة أدت إلى اندلاع انتفاضة صارت ثورة في مصر. ما هي الأسباب الكامنة وراء هذا الانفجار الكبير في هذا اليوم بالتحديد؟ كيف تصف العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي مهَّدت الطريق للثورة؟

إذا كنا نتحدث عن اليوم نفسه، فواحدة من القضايا الأساسية المتعلقة بالانتفاضة هي قضية وحشية الشرطة والقمع الذي تمارسه، وهذا هو رابط الوصل بعيد الشرطة. لكن إذا كنا نتحدث عن الثورة بشكل عام، فهناك ثلاثة مستويات مختلفة من الأسباب. هناك أسباب هيكلية وتاريخية طويلة الأمد؛ وهناك أسباب متوسطة الأمد متعلقة بالتطورات خلال العقد الأخير من حكم مبارك، وهناك ما يمكن أن نسميه عوامل محفزة ذات علاقة باندلاع الانتفاضة في هذه اللحظة المحددة من الزمن.

ولعل الأسباب الهيكلية طويلة الأمد تمثل حقًا موضوعًا معقدًا، فهذه الأسباب متعلقة بخصائص التطور الرأسمالي في مصر ما بعد الكولونيالية، ليس فقط التناقضات العامة للتطور المركب واللا متكافئ، لكن أيضًا التحول من طور رأسمالية الدولة، الذي لم يستمر طويلًا خلال الخمسينات والستينات، إلى المحاولات الفاشلة لتطوير الاقتصاد بشكل مؤثر من خلال الإصلاحات النيوليبرالية. لا يعني هذا أنه لم يكن هناك تطور رأسمالي، بل أن هذا التطور لطالما كان مأزومًا وبطيئًا.

وحينما ننظر إلى ما يُسمى عادةً بالاقتصادات الصاعدة ونقارن مصر ببلدان مثل تركيا، نجد أن الرأسمالية المصرية كانت تسير وتعمل بشكل بائس حقًا. هناك أسباب هيكلية متعلقة بالعمليات التاريخية للتطور الرأسمالي في مصر. ويمكنك أن تصف مصر بأنها واحدة من الحلقات الأضعف في الاقتصادات التصنيعية “الصاعدة” الجديدة.

ننتقل الآن للأسباب متوسطة الأمد للثورة خلال السنوات العشر الأخيرة من حكم مبارك. هناك ثلاثة عناصر أساسية في ذلك. العنصر الأول هو تسريع الإصلاحات النيوليبرالية من 2004 حتى نهاية العقد – على مستوى الخصخصة، وعلى مستوى رفع دعم الدولة عن الفقراء، والذي أدى إلى تدهور مستويات المعيشة، وعلى مستوى إزالة كل القيود أمام حركة رأس المال.

تجسَّد ذلك فيما سُميَ بحكومة رجال الأعمال – حكومة نظيف – التي بدأت عملها في 2004. من جانب، كان هناك تركيز غير مسبوق للثروة والسلطة في يد تحالف ضم الجيش وجنرالات الشرطة وقيادة الحزب الحاكم، ومجموعة من رجال الأعمال الاحتكاريين حول عائلة مبارك. ومن الجانب الآخر، كان هناك تصاعد حاد في الفقر والبطالة.

العنصر الثاني هو تطور حركات احتجاجية متنوعة في مصر خلال السنوات العشر الأخيرة من حكم مبارك. دعنا نقسِّم هذه الحركات إلى حركات سياسية وحركات اقتصادية.

على الجانب السياسي، كانت هناك حركة التضامن مع الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2000، التي قادها الإخوان المسلمون من جانب، والمعارضة العلمانية من جانب آخر. كانت هناك بالفعل حركتين منفصلتين للتضامن مع الانتفاضة الفلسطينية الثانية تطورا سريعًا، ولأول مرة منذ عقود شهدنا على نحو غير متوقع انطلاق حراك جماهيري حقيقي. انطلقت المظاهرات من طلاب المدارس الثانوية، ومظاهرات حاشدة من الجامعات، وحتى أن مظاهرات كبيرة انطلقت من أحياء فقيرة للتضامن مع الانتفاضة.

دبت هذه التطورات الحياة في كل أطياف المعارضة السياسية في مصر. وهكذا كان لليسار حملة تضامن رئيسية مع الفلسطينيين، وكان للإسلاميين، الإخوان المسلمين على وجه التحديد، دبت فيهم الحياة بفعل هذه التطورات. لم يكن لدينا مظاهرات فقط، لكن أيضًا حملات جمع توقيعات لإجبار مبارك على قطع العلاقات الديبلوماسية مع الإسرائيليين، وفتح الحدود مع غزة، والسماح للشعب بإرسال المساعدات لغزة، وهكذا. كانت هذه اللحظة تمثل نقطة تحوُّل هامة في تسييس قطاعات كبيرة من الشباب في مصر، أمرٌ لم يحدث بهذا الحجم منذ السبعينات.

مرة أخرى في 2003، تطورت نفس المجموعات وشبكات التضامن في رد فعلٍ على الغزو الأمريكي للعراق واحتلاله. كانت هناك مظاهرات ضخمة في كل مدينة مصرية تقريبًا، وفي ذلك الوقت احتل المتظاهرون لأول مرة بشكل جدي ميدان التحرير.

بدأت المظاهرات في فبراير، وفي مارس دعا النشطاء الشعب للسير إلى ميدان التحرير حينما بدأ الغزو. استمر احتلال ميدان التحرير ليومين فقط. لكن، مقارنةً بما مضى، كان الأمر جد خطير، حيث كان هناك بين 20 إلى 25 ألف متظاهر في ميدان التحرير. للمرة الأولى، حرق المتظاهرون صور مبارك في الشوارع، وخلق الناس ربطًا حقيقيًا بين مناهضة حرب الولايات المتحدة ومعارضة حكم مبارك.

كانت هذه أيضًا هي لحظة صعود شكلين من المعارضة السياسية؛ من جانب كانت هناك المعارضة اليسارية العلمانية، ومن جانب آخر كانت هناك المعارضة الإسلامية بالأساس بزعامة الإخوان المسلمين الذين أرادوا بسط نفوذهم على التحركات ضد مبارك. ساهم كلا الجناحان في الحركة التي صارت أكبر بكثير بعد ذلك.

ومرة أخرى في 2004، شاركت نفس الأطراف – اليسار الجذري والتنظيمات الإصلاحية من جانب، والتنظيمات الإسلامية من جانب آخر – في المرحلة الثالثة من تطور حركات الاحتجاج السياسي: الحركة الديمقراطية. ولأن الحركة الديمقراطية اعتمدت على تحالف واسع بين القوى، فقد خلقت حركة موحدة أُطلق عليها “كفاية”.

تضمنت هذه الجبهة المتحدة الناصريين، والليبراليين، تنظيمات يسارية متعددة، منها الحزب الشيوعي المصري والاشتراكيين الثوريين وغيرهما. كما جمعت بين العديد من الرموز المستقلة التي انخرطت في الحركة؛ صحفيين وفنانين وكُتَّاب، إلخ. وبرغم أن الإخوان المسلمين كان لهم تمثيلٌ في “كفاية”، إلا أنهم لم يضطلعوا بدور مهم في البداية.

رفعت مظاهرات كفاية في نهاية العام 2004 ثلاثة مطالب رئيسية. الأول هو عدم ترشح مبارك مرة أخرى في الانتخابات، وألا يترشح ابنه للرئاسة. المطلب الثاني كان إلغاء قانون الطوارئ. أما الثالث فكان نزاهة الانتخابات الرئاسية والبرلمانية. وكما ترى، كانت هذه مطالب ديمقراطية أساسية للغاية بشكل سمح بتشكيل هذا التحالف الواسع.

المدهش أنه برغم الصغر الشديد للمظاهرات التي نظمتها حركة كفاية ضد مبارك في البداية، إلا أن التأييد العام في الشارع كان كبيرًا وواسعًا. ومن الجدير بالذكر أن الإخوان المسلمين قد وقعوا تحت ضغط شديد ليبدأوا في التحرك في نفس الاتجاه. وهكذا في بداية 2005، نظَّم الإخوان المسلمون مظاهرات ضخمة لنفس هذه المطالب الديمقراطية. لقد استطاعوا تنظيم مظاهرات أكبر بكثير، سواء داخل الجامعات أو في الشوارع.

كانت تلك المرة الأولى منذ سنين طويلة التي ينظِّم فيها الإخوان المسلمون مظاهرات، على سبيل المثال في ميدان رمسيس، على بُعد كيلو متر واحد من ميدان التحرير، حين تظاهر حوالي 7 آلاف من الإخوان المسلمين. كان هناك الكثير من الاعتقالات في صفوف الإخوان المسلمين في 2005، وبرغم القيود القوية التي فُرضَت على كفاية، إلا أنها لم تكن شيئًا مقارنةً بمستوى القمع الذي واجهه الإخوان المسلمون في تلك الفترة.

ثم في 2006، كانت هناك أكبر موجة للإضرابات العمالية في التاريخ المصري، بدأت بإضراب كبير شارك فيه 24 ألف عامل في المحلة الكبرى، تلك المدينة المعروفة بصناعة النسيج. وفي 2007، انتشرت موجة الإضرابات وامتدت لتشمل تقريبًا كل الصناعات والقطاعات الخدمية، حتى أن الأطباء والأساتذة الجامعيين والممرضين قد شاركوا فيها.

لم يكن هذا مقطوع الصلة تمامًا بالحركة السياسية المهمة التي اندلعت في السنوات السابقة، بل أن الصلة لم تكن مباشرة بهذه الحركة، ولا منظمة من قبل أولئك الذين يحركون هذه المظاهرات السياسية. أما بالنسبة لليسار الراديكالي، فالقضية صارت كيف يمكن ربط هذه الحركة العمالية الصاعدة بالمطالب السياسية الديمقراطية التي كانت قد بدأت تحظى بتأييد أوسع. وظلت هذه قضية مركزية.

القضية الأخرى كانت كيف يمكن التعامل مع الإخوان المسلمين. كان لديك حركة إسلامية كانت تناضل لأسبابها الخاصة من أجل مطالب ديمقراطية (على الأقل حتى هذه النقطة)، وهي في حاجة لإلغاء قانون الطوارئ، ومن الواضح أنها في حاجة للإفراج عن السجناء السياسيين (لأن أغلبهم من الإخوان المسلمين)، وتحتاج مساحة سياسية أكبر، وبالتالي مهتمة أيضًا بأن تكون جزءًا من حركة تناضل من أجل حقوق ديمقراطية وتناهض قمع نظام مبارك. ومن الجهة الأخرى، لديك حركة علمانية، بالأساس من اليسار بشكل عام، تبدأ في اجتذاب جمهور حولها، وتبدأ في تشكيل تأثير حقيقي، لكن ذلك أضعف كثيرًا من تحركات الإخوان المسلمين المنظمة.

في هذه المرحلة، بدأ اليسار في الانقسام بشكل خطير حول كيفية التعامل مع الدور الذي يضطلع به الإخوان المسلمون في بناء المعارضة ضد مبارك. وهذا الانقسام مستمرٌ حتى يومنا هذا.

في 2007 و2008، صار وجود الإخوان المسلمين في هذه الحركات يمثل قضية مركزية. إنهم يتواجدون في الشوارع، وفي الجامعات، وفي الأحياء الفقيرة، يتواجدون في كل مكان يريد النشطاء والقوى اليسارية التحرك فيه. إنهم التنظيم المعارض الأكبر والأكثر جماهيرية في البلاد – ولا زالوا.

اتخذت بعض فصائل اليسار موقفًا مفاده أن الإخوان المسلمين أسوأ من حكم مبارك، حيث أنهم سيؤسسون لشكل ديكتاتوري أسوأ، تحت مسمى دولة دينية ثيوقراطية، حتى أن بعض اليسار استخدم تحليل الفاشية لمحاولة فهم هذه الحركة. وهكذا، فإن جزءًا من اليسار اصطف إلى جانب مبارك مبكرًا، أو على الأقل قد اختزل إرادته في معارضة مبارك وقلَّصها، بسبب الخوف من قدوم الإسلاميين إلى السلطة.

جزءٌ آخر من اليسار قال أن علينا أن نعارض مبارك، نحن نريد أن نشارك في الحركة الديمقراطية ضد مبارك كبديل مستقل، لكن علينا أن نناضل ضد جماعة الإخوان تمامًا كما نناضل ضد مبارك. بكلماتٍ أخرى؛ فإن كلًا من حكم مبارك والإخوان المسلمين يمثلان أعداءً لليسار بنفس القدر، ولابد من النضال ضدهما على الفور.

أما بعد الثورة، وحتى بعد الثورة المضادة والانقلاب، صعدت هذه الفكرة مجددًا، لتشدد على أن نظام السيسي والإخوان المسلمين جناحان للثورة المضادة. لاحقًا في هذا الحوار، سأتعرض لمشاكل هذه الفكرة التي يبدو أن لها شعبية في أوساط اليسار الراديكالي.

إن واحدة من الحقائق التي تجذرت في منتصف العقد الأول من الألفية الثالثة هي الشعور بأننا في حاجة إلى العمل المشترك، في حاجة إلى توحيد هذه الحركات المنضوية تحت لواء إسلامي مع تلك الحركات المنضوية تحت راية علمانية، لكن نوع من الوحدة يحافظ على استقلال اليسار. بهذه الطريقة، يمكن لليسار أن يتوحد في العمل مع قوى أوسع، بينما يحافظ على قدرته على نقد الإخوان المسلمين – سواء كان يتعلق الأمر بموقفهم الرجعي من النساء، أو موقفهم الرجعي من الأقلية المسيحية، أو تمسكهم بالليبرالية الجديد.

على المستوى العملي، كان علينا أن نجيب على سؤال أي موقف على اليسار أن يتخذه إذا كان هناك، على سبيل المثال، مظاهرة ضد قانون الطوارئ بقيادة شباب الإخوان المسلمين في إحدى الجامعات. أكان على اليسار أن يشارك في مثل هذه المظاهرة؟ أم عليه أن يرفض المشاركة؟ هل يدعو لمظاهرة أخرى إلى جانب هذه المظاهرة؟ ماذا يفعل اليسار؟ وهكذا كان سؤال كيف يمكن التعاطي مع الإخوان المسلمين دائمًا سؤالًا أكثر عملية في خضم النضال ضد حكم مبارك.

حدث تطوران مهمان في الحركة العمالية كنتيجة للتصاعد في النضال الطبقي. على جانب، كانت هناك بداية لصعود النقابات المستقلة، فيما كانت النقابات من قبل تحت السيطرة الكاملة للدولة منذ أممها جمال عبد الناصر وجرَّم استقلالها. وفي سياق موجة الإضرابات العمالية الضخمة في 2006 و2007، تطورت لجان مصنعية لتنمو إلى مراحل أولى من حركة نقابية مستقلة. كانت تلك نقطة تحوُّل هامة ومؤثرة في الحركة العمالية.

التطور الهام الآخر هو محاولة عمال النسيج في المحلة تنظيم إضراب عام في 6 أبريل 2008، بل أن قمع الدولة قد حوَّل الحدث إلى احتجاج ضخم ضد مبارك.

في صباح يوم 6 أبريل، اقتحمت قوات الأمن الشركة واحتلتها قبل أن يتمكن العمال من ذلك. حاولت الشرطة إجبار العمال على تشغيل الماكينات ثم مرافقتهم إلى خارج بوابات الشركة في نهاية اليوم لمنع تطور الاحتجاجات. لكن القمع حفَّزَ انفجار احتجاجات ضخمة في مدينة المحلة، والتي تُعد مدينة صناعية يسكن بها حوالي نصف مليون مواطن.

تضمنت الاحتجاجات كل قطاعات السكان في المدينة – العمال، وطلاب المدارس الإعدادية والثانوية، والنساء – وتحوَّلَت إلى أكبر مظاهرة تشهدها المدينة منذ عقود. أُسقطت صور مبارك التي كانت تعج المدينة بها، وأُحرقت، كما هوجمت الكثير من المباني الحكومية، وأُحرقت عربات الشرطة، فيما أُصيب الكثير من المتظاهرين بالأعيرة النارية، وكانت هناك مواجهات واشتباكات حادة.

في النهاية، حوصرت الحركة في المحلة وقُمِعَت، لكنها كانت بمثابة إشارة إلى ما هو قادم. كانت بروفة حقيقية لما حدث بعد ذلك بثلاث سنوات. ويمكنك هنا ملاحظة الأبعاد الاقتصادية والسياسية التي كانت قد بدأت في التداخل، حيث تحوَّلت محاولة لتنظيم إضراب من أجل مطالب اقتصادية خالصة إلى مظاهرة جماهيرية ضد مبارك.

كانت هناك دائمًا جانبين للحركة ضد مبارك، فيما لم يكن الجانبان منفصلان. وهذا يفسر لماذا سُميت أكبر حركة شبابية تطورت خلال العقد الأخير من حكم مبارك بـ”حركة شباب 6 أبريل”، الذي كان تاريخ الإضراب الذي سعى عمال المحلة لتنظيمه في 2008.

بالعودة إلى المستويات الثلاثة لأسباب الثورة المصرية، نجد أننا قد تحدثنا بالفعل عن الأسباب طويلة ومتوسطة الأمد، ونحن الآن بصدد المحفزات قصيرة الأمد. كانت هناك ثلاثة محفزات رئيسية.

المحفز الأول هو انتخابات العام 2010. في انتخابات 2005، حصد الإخوان المسلمون 88 مقعد من إجمالي حوالي 400 مقعد في البرلمان. وفي انتخابات 2010، لم تكن هناك أية معارضة على الإطلاق. لم يحظ الإخوان المسلمون حتى بمقعد واحد. زُوِرَت الانتخابات حرفيًا بشكل كامل وسيطرت عليها الداخلية تمامًا.

كانت هناك ثلاث جولات في انتخابات 2010. في الجولة الأولى، قدَّم الإخوان المسلمون مرشحيهم، لكن الشرطة حاصرت كافة مراكز الاقتراع وسمحت بالدخول فقط لمن يحمل بطاقة عضوية الحزب الوطني الديمقراطي، أو لمن تعرفهم بشكل مباشر. وكرد فعل على ذلك، قاطع الإخوان المسلمون الجولتين الثانية والثالثة. وكنتيجة لذلك، خرج البرلمان بعددٍ قليلٍ من النوَّاب المستقلين، بأغلبية وصلت إلى 95% من عضوية حزب مبارك الوطني.

بالطبع خلَّف ذلك تناقضًا هائلًا؛ حيث كانت الحكومة تسعى على قدمٍ وساق لمصادرة المساحات السياسية كلها، لكن في نفس الوقت كان هناك نهوض لصوت حركة ديمقراطية متنامية من جانب، وحركة عمالية من جانب آخر.

المحفز الثاني كان متمثلًا في الثورة التونسية. جرت انتخابات البرلمان في شهر نوفمبر، وفي ديسمبر اندلعت حركة جماهيرية هائلة للشعب التونسي تمكن فيها من إسقاط الديكتاتور زين العابدين بن علي، المدعوم أمريكيًا، من السلطة.

أما المحفز الثالث فهو التعذيب، واعتداء الشرطة وقتلها للشاب السكندري خالد سعيد. أشعل مقتل خالد سعيد حركة من كافة الأطياف حول صفحة فيس بوك حملت عنوان “كلنا خالد سعيد”، بالإضافة إلى احتجاجات واسعة في شوارع الإسكندرية، ومقتله صار رمزًا لوحشية الشرطة وقمعها وفساد نظام مبارك.

يمكننا أن ننتقل من هذه النقطة إلى السؤال التالي، لأن في الغرب هناك فهم شائع للثورة المصرية باعتبارها حركة شبابية لعبت فيها مواقع التواصل الاجتماعي فيس بوك وتويتر دورًا رئيسيًا في إسقاط مبارك. لكن أيًا كان دور مواقع التواصل الاجتماعي، فهي تقدم تفسيرًا فقط لجانب من الأمر كله. هل يمكنك التحدث عن القوى الاجتماعية، بالإضافة إلى الشباب، التي كانت حاسمة في إسقاط مبارك؟

من المهم هنا أن نقسِّم الأحداث زمنيًا في الأيام الأولى من الثورة. كان تحالفٌ من القوى قد دعا في البداية إلى التظاهر والاحتجاج في يوم عيد الشرطة، 25 يناير، وللمصادفة أن هذه القوى لم تكن تتضمن الإخوان المسلمون، ولا فصائل اليسار الرسمية في مصر، مثل حزب التجمع والحزب الشيوعي المصري. كانت القوى الأساسية الداعية إلى التظاهر والاحتجاج في ذلك اليوم هي كفاية، واليسار الثوري، إلى جانب حركة شباب 6 أبريل، ومجموعات أخرى مشابهة.

كانت الاحتجاجات في ذلك اليوم ستجري كالمعتاد، لكن ما حدث تجاوز القوى الداعية للتظاهر نفسها. لذا، يمكننا القول بأن، نعم، الحركات الشبابية والشباب النشطين على فيس بوك قد لعبوا دورًا هامًا من خلال وسائل التواصل الاجتماعي في توسيع رقعة الدعوة لتصل إلى شرائح أكبر من الناس. لكن أحداث ذلك اليوم وما تلاه من أيام من يمكن أن تطلق عليهم نشطاء فيس بوك أو شباب فيس بوك – أو شباب الطبقة الوسطى المتعلم، إذا أردت أن تستخدم مفردات الإعلام الغربي بشكل أكبر.

في يوم عيد الشرطة، بدأ النشطاء في المناطق المختلفة المُتفق عليها في التظاهر. في كلٍ من هذه المناطق، كان هناك تواجد مكثَّف لقوات الأمن، إذ لم يكن اعتزام الناس التظاهر سرًا. لكن هذه الأماكن كانت بالأساس أحياءً للطبقة العاملة، ولأول مرة انضم على النشطاء كتلٌ هائلة من الناس – رجال ونساء وأطفال، كل الناس – كسحت الشرطة.

لم تكن الشرطة تتوقع أكثر من مجرد حدث احتجاجي آخر تنظمه مجموعات من النشطاء. وأحد الأسباب التي لم تجعل الشرطة تتحرك بكامل طاقتها في ذلك اليوم هي أن قوى مثل الإخوان المسلمين كانت ضد فعاليات اليوم من الأصل، وكذلك أيضًا الكنيسة القبطية واليسار الرسمي.

لذا حاولت الشرطة حشد فقط ما يكفي من القوات التي تمنع الاحتجاجات من جذب أي شخص خارج الدوائر المعتادة للنشطاء. لكن ما أدهش الجميع هو استجابة الناس العادية، بالأساس من العمال وأهاليهم في الأحياء الفقيرة والشعبية حول القاهرة، الذين قدموا بالآلاف، وبسرعة كبيرة، ليباغتوا الشرطة ويبدأون في التحرك نحو ميدان التحرير.

كان ذلك منطقيًا من المنظور طويل الأمد الذي تناولته أعلاه حيث الحركات المعارضة لمبارك التي أخذت في النمو والتوسع – سواء كانت اقتصادية في المصانع، أو سياسية في الشوارع وفي المظاهرات. وكان هناك أيضًا تأثير الشرارة للثورة التونسية وإسقاط بن علي. لذا لم يكن غريبًا أن الناس قد شعروا بالثقة الكافية ليؤمنوا بأن من الممكن التحرك بجرأة ضد حكم مبارك.

في 28 يناير، الذي كان يومًا أكبر بكثير على مستوى التحرك الواسع والأعداد المشاركة، كانت هناك مواجهات واشتباكات أكثر حدة مع الشرطة وبالتالي تحول نوعي أكبر كثيرًا في سير الأحداث.

على الجانب الآخر، قرر الإخوان المسلمون المشاركة والحشد بشكل كبير في مظاهرات 28 يناير. وقع نظام مبارك في الكثير من الأخطاء الكارثية، مثل غلق الاتصال بالإنترنت وشبكات المحمول، فقد دفع ذلك الناس حرفيًا إلى النزول للشوارع، حيث كانت تلك الطريقة الوحيدة الممكنة ليعرف الناس ما يجري. كان ذلك إجراءً غبيًا، نابعًا من الفزع، أثبت خطورته القاتلة، إذ تضاعفت أعداد الناس أضعافًا مضاعفة في الشوارع.

ومع زيادة الحشود الجماهيرية في الشارع، صارت الاشتباكات مع الشرطة أكثر عنفًا عما كانت عليه في 25 يناير. وكنتيجة لذلك، أُحرق ما يقرب من 100 قسم شرطة، كما أُحرقت الكثير من عربات الشرطة، وهوجمت مقار الحزب الوطني الديمقراطي وأُحرقت في الكثير من المدن، بما فيها القاهرة، اندلعت النيران أيضًا في الكثير من المباني الحكومية المحلية، وتفككت قوات الشرطة بشكل كامل.

كان هذا التفكك الكامل لقوات الشرطة حدثًا هائلًا على مستوى تأثيره على وعي الناس. كان من المستحيل على أي ضابط شرطة معروف أن يمشي هكذا في الشوارع، لأنه كان سيتعرض للهجوم فورًا من الناس. كان عليهم جميعًا أن يتخلصوا من زيهم الرسمي ويختبأوا تمامًا عن الأنظار. وللمرة الأولى، صار لديك مدينة مثل القاهرة، والتي كانت مركزًا لهذه الأحداث، بدون شرطة على الإطلاق. كان لذلك بصمة التحرر لدى الناس.

استمرت التطورات في مسارين رئيسين. الأول كان أن الناس، بسبب ما جرى في 28 يناير، صاروا قادرين على كسر الشرطة والتجمع للاعتصام في التحرير، وقرروا عدم مغادرته حتى تحقيق مطالبهم، وقد تبلورت هذه المطالب بسرعة كبيرة.

تركزت مطالب في 25 يناير على وضع حدٍ لقمع الشرطة، والدعوة لإقالة وزير الداخلية، علاوة على بعض المطالب الديمقراطية العامة الأخرى – لكن لم يكن هناك حديث بعد عن الإطاحة بالنظام أو تنحي مبارك. كان الشعار المهيمن هو “الشعب يريد إسقاط النظام”، لكن لم يكن واضحًا بعد كيف ستجري الأمور. أما المطالب التفصيلية، فكانت بالأساس إقالة وزير الداخلية ومحاكمته.

لكن، منذ 28 يناير وفيما بعد، صارت المطالب أكثر جذرية وأكثر تركيزًا، بالطبع على مبارك نفسه لكن أيضًا إلى أبعد من ذلك. أصبح الناس يقدمون مطالب عامة للغاية، مثل الحرية والكرامة والمساواة والعدالة الاجتماعية، وهكذا.

إذا تناولنا الأمر بشكل سطحي، سنجد أن هذه المطالب ضبابية وغامضة، لكن في سياق الحركات التي كانت تتطور في العقد الأخير من حكم مبارك، هذه المطالب ليست بهذا القدر من الغموض، بل لقد كانت مجموعة كاملة من المطالب، تفجرًا للمطالب من كل نوع، تركزت على مبارك والنظام، أكثر عمقًا من مجرد مطالب بسيطة لما يمكن أن نطلق عليه “انتقال ديمقراطي”.

ماذا عن دور الحركة العمالية في إسقاط مبارك؟

في هذه المرحلة، كان هناك أكثر من مليوني متظاهر يحتلون ميادين التحرير – ليس فقط ميدان التحرير. وهذه الاعتصامات في الميادين المركزية كانت موجودة بالفعل في كل المدن تقريبًا. كان هؤلاء المتواجدون على المتاريس يحمون الاعتصامات ويواجهون محاولات النظام المتكررة، لاسيما قوات المخابرات الحربية، من اختراق هذه الاعتصامات، كانوا بالأساس من العاملين بأجر.

نحن نعرف ذلك من خلال الإحصاءات حول من استشهدوا على المتاريس. أكثر من 75% ممن استشهدوا في الأيام الـ 18 الأولى للانتفاضة كانوا من شباب الطبقة العاملة. لم يكونوا فقط من نشطاء فيس بوك أو شباب الطبقة الوسطى بأي حال. بالتأكيد يبدو ذلك منطقيًا بالنسبة لأي ماركسي. من يقاتلون على المتاريس ليسوا من الطبقة الوسطى بشكل عام.

بعد أيام قليلة، وقعت ما عُرفت بموقعة الجمل، حين أرسل النظام بلطجية مسلحين بالذخيرة الحية، ممتطين جمالًا، لمحاولة كسر ميدان التحرير وإخلائه من المعتصمين. هُزم هذا الهجوم بفعل المجهود المشترك لشباب الطبقة العاملة من جانب، وشباب الإخوان المسلمين المنظمين بشكل كبير من جانب آخر. هذان العنصران كان لهما دورٌ مركزيٌ في حماية التحرير والدفاع عنه ضد محاولات النظام لكسر الاعتصام، لكن النظام لم يكف عن المحاولة بعد ذلك.

تجاهل النظام ما كان يجري في التحرير، وحاول “إعادة تشغيل” البلاد، حيث تحريك الاقتصاد مرة أخرى أثناء التقدم للتفاوض مع المعتصمين.

سعى النظام لاستخدام سيطرته على الإعلام في شن حملة أيديولوجية ضد الاعتصام في التحرير، مستخدمًا نفس اللغة التي يستخدمها السيسي اليوم بشكل مستمر. ادعى النظام، على سبيل المثال، أن الاحتجاجات هي مجرد مؤامرة مُدبرة من الفلسطينيين من حركة حماس، وأن الاعتصامات مُسلحة، وأن المعتصمين يتلقون أموالًا من الأمريكيين. كانوا يقولون كل ما يمكن أن يؤدي إلى عزلة المعتصمين في التحرير.

ما جعل ذلك مستحيلًا هو أن منذ يوم 6 فبراير – اليوم الذي حاول فيه النظام أن يعيد تشغيل العاصمة من جديد – أضرب العمال في القطاعات والخدمات العامة الرئيسية، مثل عمال السكك الحديدية وعمال النقل العام. لذا فقد ارتدت عليهم محاولتهم لإعادة تشغيل المراكز الاقتصادية مرة أخرى، فقد اندلعت موجة إضرابات عمالية مماثلة، بل أكبر بكثير، من الإضرابات العمالية التي انتشرت على مدار عامي 2007 و2008.

كانت الإضرابات داعمة للتحرير بشكل واضح. لا أعنى بذلك أن آلاف العمال اتجهوا من مصانعهم إلى ميدان التحرير، بل أن موجة الإضرابات كانت مرتبطة بوضوح بما يحدث هناك. بإضراباتهم، رفض العمال حفظ النظام – برفض تشغيل الحافلات، وبرفض تشغيل القطارات، وبرفض تشغيل البنوك مرة أخرى. كانت هذه هي موجة الإضرابات التي دفعت الجيش للاعتقاد بأن الأمر قد انتهى، وأنه من الممكن أن يفقدوا السيطرة بالكامل إذا لم يفعلوا شيئًا بسرعة، مثل تقديم تنازل كبير.

كانت اللحظة تشرح بشكل ممتاز ما كانت الثورية الألمانية روزا لكسمبورج تجادل حوله في كتابها الشهير “الإضراب الجماهيري”، حيث التزاوج بين الحركة العمالية والحركة السياسية، بين السياسة والاقتصاد. النقطة هنا هي أن الحركتين ليستا متماثلتين، لكنهما يتزاوجا سويًا مع بعضهما.

لم تكن موجة الإضرابات تعني ببساطة أن العمال صاروا فجأة يقودون الثورة. لم تكن تلك هي الحالة، بل ما كان يحدث، بل أن ما كان يجري، على مستوى المطالب السياسية التي صاغتها الميادين الرئيسية في المدن عبر البلاد، وجد صداه في المصانع ومواقع العمل. والعكس كان يحدث أيضًا، حيث أعطت موجة الإضرابات المزيد من الثقة للمعتصمين في الميادين، بالأخص في ميدان التحرير، لمزيدٍ من الصمود من أجل التصعيد ضد مبارك.

وحينما ألقى مبارك خطابه الأخير، وأعلن انه لن يرحل، بدأ الناس في السير بعشرات الآلاف تجاه القصر الرئاسي، بهدفٍ واضح وهو احتلاله والسيطرة عليه. كانت تلك هي اللحظة التي خرج فيها رئيس المخابرات العامة ليعلن أن الأمر قد انتهى، وأعلن رحيل مبارك ومغادرته القصر الرئاسي.

لذا لم يقد العمال الثورة ضد مبارك، لكن موجة إضراباتهم حمت الحركة في الميادين في المقام الأول، وثانيًا أنها كانت في النهاية السبب الرئيسي وراء قرار الجيش للتخلص من مبارك.

من اللحظة التي تخلى فيها العسكر عن مبارك؛ كان الاتجاه أن يستخدم التنحي كتنازل أملًا في السيطرة على الحشد الهائل في ميدان التحرير وتهدئته واحتوائه، وعلى الفور بدأت قوى الثورة المضادة التخطيط للخطوات الضروري اتخاذها. هل يمكنك الحديث عن المصادر المختلفة لقوى الثورة المضادة وما هي وسائلها وأهدافها؟

نعم، قرر قادة القوات المسلحة التخلص من مبارك كتنازل للحركة وهذه استجابة شائعة من الطبقة الحاكمة في كل الثورات. فالدولة لا تتفكك فجأة أمام الثورة. وقد بدأ النظام القديم البحث عن أشخاص من الوسط المعتدل الذين قد يكونون قادرين على تنفيذ انتقال محكم يحفظ الدولة.

عند هذه اللحظة أصبح دور الإخوان المسلمين حاسمًا بالمعنى الإصلاحي التقليدي؛ بالطبع لم يكن الإخوان المسلمون حزبًا ثوريًا، بل تم سحبهم للثورة ضد مبارك خلال الـ18 يوم بسبب مشاركة شباب الإخوان وبسبب تخوف الإخوان من خسارة القاعدة الجماهيرية العريضة التي شاركت في تلك الحركة. وهكذا تم سحب الإخوان لهذه الثورة لكنهم أبدًا لم يكونوا حركة ثورية.

بمجرد تنازل الجيش بتخليه عن مبارك؛ غمرت السعادة الإخوان المسلمين، وأعلنت الجماعة أن المعركة قد انتهت ولنبدأ انتقالًا منظمًا نحو “الديمقراطية”. فقد أرادوا التفاوض مع النظام القديم والتفاوض مع الجيش وحفظ الاستقرار الاجتماعي قدر الإمكان.

في هذه الفترة بدأ الإخوان المسلمون الدفاع عن الجيش وعلى رأسه كبار الضباط الذين أزاحوا مبارك وعقد الإخوان معهم صفقة. كانت هذه الصفقة أن يسمح المجلس الأعلى للقوات المسلحة للإخوان المسلمين بإنشاء حزب سياسي وأن يمثلوا أغلبية البرلمان، وحتى السماح للإخوان بأن يشاركوا في الحكومة؛ إذا ساعد الإخوان المسلمين المجلس العسكري في السيطرة على الموقف في الشوارع وأماكن العمل. بذلك دخل الإخوان المسلمون في حلف مع المجلس العسكري ضد ما استمر من حراك متنامي في الشوارع.

إن هذه المسألة حاسمة بسبب أن البعض يطلق على تنازل المجلس العسكري بتنحية مبارك في 11 فبراير “انقلابًا” مقارنةً بعزل السيسي للرئيس الإخواني محمد مرسي من السلطة في 2013. أعتقد أن هذه المقارنة سطحية وغير دقيقة. إن التخلص من مبارك واستلام المجلس الأعلى للقوات المسلحة زمام السلطة كان تنازلًا فعليًا؛ تنازل أمام الحشد الجماهيري غير المسبوق ضد نظام مبارك، وضد الشرطة، وضد كل ما يمثله النظام القديم.

لقد كانت بداية للعديد من التنازلات، فعلى سبيل المثال؛ في البداية لم يُحاكم مبارك، فقد تم نقله وأسرته إلى منزله في شرم الشيخ، واستلزم الأمر عدد من الاعتصامات والتظاهرات في ميدان التحرير من قِبل مئات الآلاف لإجبار المجلس العسكري على تقديم مبارك للمحاكمة رسميًا.

استمرت المظاهرات في ميدان التحرير بعد خلع مبارك في 11 فبراير، واستمرت موجات الإضرابات بشكل فتح الباب أمام مزيد من الحشد. في البداية كان هناك ارتباك بين أغلب القوى المشاركة في الثورة حول دور الجيش، وقد لعب الجيش أوراقه بذكاء شديد. فقد ادّعى الحياد وصرَّح أنه إذا أراد الناس التخلص من مبارك فسوف يعزله الجيش، كما أصر قيادات الجيش على كون الجيش محايدًا بالأساس وأنه جيش الشعب المصري ولن يقاتل الجيش شعبه.

بينما كان الجيش بالتأكيد يقاتل الشعب المصري، فقوات المخابرات كانت بالفعل تقتل وتعذب الناس وحتى تختطفهم من ميدان التحرير؛ هذا من البداية. وبالفعل تحركت دبابات الجيش بعيدًا عن مداخل ميدان التحرير لتسمح للبلطجية بدخول الميدان في أول فبراير. أي أن الجيش بدأ في التنازل فقط بسبب الضغط من أسفل.

دخل الإخوان المسلمون في تحالف مع المجلس العسكري على افتراض قدرة الإخوان على تهدئة الشارع وتوجيه الشعب نحو عملية “ديمقراطية” إجرائية. وهذا فعليًا لم ينجح؛ فقد استمرت التظاهرات والاعتصامات والإضرابات ولكن بسبب كون الإخوان المسلمين أكبر منظمة جماهيرية؛ فقد استطاعوا البدء في عملية موازية من الديمقراطية الإجرائية.

كان الاستفتاء على الدستور أولًا؛ هذا الدستور بالمناسبة حمى سلطات العسكر بالكامل واختلف قليلًا من حيث الجوهر عن الدستور السابق. وقد استطاع الإخوان دفع ذلك الدستور للنهاية وكسب الأغلبية.
إن ما يحدث في مثل هذه المواقف هو أن يصبح الناس مسيسين لكنهم لا ينتقلون على الفور من اللا سياسة إلى الثورة، فيبحث الناس عن قوى تمثل المعارضة، وفي مثل تلك الحالة كانت هذه القوة هي الإخوان المسلمون. بالتالي قرر الشعب تجربة الإخوان المسلمين، فالإخوان يعلنون أنهم ضد الفساد وأنهم أكثر ديمقراطية وأنهم سيتخلصون من النظام القديم والحزب الحاكم القديم. والأكثر من ذلك أن الإخوان المسلمين نشطوا لسنوات طويلة، والعديد منهم تم اعتقاله وقدموا تضحيات كثيرة. ولذلك بدت جماعة الإخوان لقطاع كبير من الناس كبديل للنظام القديم.

في كل الثورات، وفي المراحل المبكرة منها، يجرب الشعب الإصلاحيين أولًا. ففي فرنسا كان هناك الملكيون الدستوريون الذين حازوا الأغلبية في أول الأمر. وفي روسيا كان هناك المناشفة والثوريون الاشتراكيون الذين حصلوا على الأغلبية في البداية. وفي مصر كانت المنظمة الجماهيرية المشابهة الوحيدة هي الإخوان المسلمون.

الآن حينما أقول منظمة جماهيرية مشابهة لا أعنى أن الإخوان المسلمين هي منظمة إصلاحية بالمعنى الاشتراكي الديمقراطي للكلمة. فالإخوان المسلمون ليس لديهم جذورهم في الحركة العمالية أو في بيروقراطية اتحاد العمال. لكن في غياب حركة اشتراكية ديمقراطية تقليدية ملأ الأخوان ذلك الفراغ. فالبنسبة لقطاع واسع من الشعب يبدو الإخوان كأول حركة إصلاحية ترد على الذهن عند التفكير في بديل معقول للوضع القائم.

كانت هناك إذن انتخابات البرلمان في نهاية 2011 وفي 2012، وحصل فيها الإخوان على الأغلبية إلى جانب السلفيين. السلفيون الذين كانت لديهم جذورهم العميقة في عدد من المناطق الهامة خصوصًا في الإسكندرية وبعض محافظات الدلتا وجنوب مصر. لكن الإخوان المسلمين وحدهم، وكما كان متوقعًا لهم كقوة معارضة جماهيرية منظمة وحيدة في مصر، كانوا أول من نجح بالمعنى الانتخابي.

من المهم عند مناقشة الثورة المضادة أن نفهم بالضبط ما نتحدث عنه، فالدور الذي لعبه الإخوان المسلمون تجاه الثورة المصرية كان خيانة الثورة، خيانة كلاسيكية من حركة إصلاحية غير ثورية. فقد حاول الإخوان ترتيب صفقة مع النظام القديم للحصول على مكان على طاولة الحكم والمشاركة في السلطة مع النظام القديم. وقد فشلت الجماعة في ذلك.

إن الإخوان المسلمين لم يكونوا جزءًا مركزيًا من الثورة المضادة، يمكنك القول أنهم بوضوح المستفيد الأول من الثورة بمعنى أنهم القوة السياسية المنتخبة بحرية لأول مرة وتصل للسلطة بشكل رسمي أثناء صعود الثورة، لكن الإخوان أيضًا كانوا أول ضحايا الثورة المضادة، وهذا مهم أن نفهمه لأن بعض الناس دون مبالاة يتحدثون عن جناحين للثورة المضادة؛ الإخوان كجناح ديني، والجيش كجناح عسكري، وكأن المعركة بين جانبي الثورة المضادة.

إن هذه الرؤية شديدة الاختزال لسير عملية الثورة والثورة المضادة. فالجماهير لم تخرج بالملايين للتصويت في صالح الإخوان المسلمين لأنهم أرادوا انتخاب الثورة المضادة. ليس كذلك؛ فالجماهير انتخبت الإخوان المسلمين لتحقيق مطالب الثورة، إلا أنه عندما خان الإخوان الثورة بدأنا نرى حراكًا ضد الإخوان المسلمين.

خسر الإخوان تأييد الجماهير لعدة أسباب: أولًا؛ لأن الإخوان استمروا بصفة عامة في تطبيق سياسات نظام مبارك خصوصا النيوليبرالية. ثانيًا؛ رفضت الجماعة إجراء أي تحقيقات جادة حول دور العسكر في أعمال العنف أثناء الصعود الثوري في مصر. ثالثًا؛ رفض الإخوان محاكمة كبار ضباط الشرطة لتسببهم في مقتل الثوار المصريين. ورابعًا؛ رفض الإخوان تغيير سياسة مصر الخارجية بالنسبة لإسرائيل والولايات المتحدة.

كل ذلك أنتج تجذيرًا أدى لحراك في 2012 و2013 ضد الإخوان المسلمين والرئيس الإخواني محمد مرسي المنتخب في يونيو2012.

من المهم مجددًا أن نفهم وجود نوعين من المعارضة لنظام مرسي؛ النوع الأول كانت المعارضة التي أرادت استمرار ثورة 2011 سواء من خلال إجبار الإخوان على تنفيذ مطالب الثورة أو من خلال عزل الإخوان المسلمين عن السلطة، كما حدث سابقًا مع نظام مبارك، واستبدال نظام الإخوان بقوى سياسية أخرى تمثل مطالب الثورة فعليًا، وهذا كان الجناح اليساري المعارض لنظام مرسي.

لكن على جانب آخر، كان هناك جناح يميني معارض لنظام مرسي نظمه فلول النظام القديم، وانضم إليه ليبراليون ويساريون وقوميون شاركوا في الثورة في أوائل 2011، لكن كما سبق وذكرنا كان هذا الجناح يعتبر وجود الإخوان في السلطة خطرًا أكبر من خطر النظام القديم، لذلك لم يمانع هؤلاء من الاصطفاف مع النظام القديم في مواجهة الإخوان المسلمين، حتى أنهم لم يعترضوا عندما بدأ العسكر في الحديث صراحة عن التدخل ضد نظام مرسي.

لذلك، فالأحداث في منتصف عام 2013 كانت مربكة جدًا. ففي 30 يونيو 2013 تظاهر الملايين في مصر كلها ضد مرسي والإخوان، وبعدها بأيام قام العسكر بعزل مرسي عن السلطة ليصبح جنرالات الجيش على رأس الدولة للمرة الثانية.

كانت هذه الأحداث مربكة بسبب أن قطاع من المتظاهرين مثل هؤلاء الذين يدفعون في اتجاه تجذير الثورة؛ جماهير كانت تدرك حدود الإخوان وتدرك أن الإخوان المسلمين ليسوا سوى عامل مساعد لحماية النظام. هذه الجماهير أرادت التخلص من ذلك العامل المساعد لتستمر في النضال ضد النظام القديم. لكن هنا علينا أن نحترس عند استخدام مصطلح “جماهير”، لأنه لسوء الحظ لم يكن ذلك ما أراده كل من احتشد في 30 يونيو.

استخدم النظام القديم، خصوصًا الأجهزة الأمنية والعسكرية، الأزمة وعجز الإخوان المسلمين في السلطة ليبدأوا الثورة المضادة التي اتضحت لاحقًا. حيث سعى النظام القديم لحشد قطاعات كبيرة من الطبقة الوسطى المصرية حول فكرة أن كلًا من الثورة وحكم الإخوان المسلمين لن تؤدي إلا للفوضى وعدم الاستقرار، وبالتالي من المهم عودة الأمن والاستقرار فلا نريد أن ينتهي بنا الأمر لنصبح مثل سوريا أو العراق أو ليبيا.

كانت هذه هي الحجة الرئيسة في الحشد ضد مرسي من اليمين، وقد مهَّد ذلك الطريق لوصول السيسي للسلطة، وكانت هذه الطريقة الممكنة للانقلاب ضد مرسي وبدء عملية الثورة المضادة التي تجاوزت بكثير كل ما رأيناه سابقًا من قمع وعنف.

يجب علينا أن نفهم الثورة كعملية؛ لكن كلمة عملية قد تكون محيرة لأن الثورة عملية ومجموعة من الأحداث معًا، أو في الحقيقة مجموعة مترابطة من الأحداث. لذلك فالثمانية عشر يومًا من التظاهر من 25 يناير وحتى سقوط مبارك في 11 فبراير هي أحداث مركزية في الثورة المصرية لكنها تمثل أيضًا بداية لعملية الثورة.

ينطق الأمر نفسه على الثورة المضادة؛ إذ تتضمن أحداث مثل المسيرات الحاشدة في 30 يونيو وانقلاب 3 يوليو، لكنها أيضًا تبدأ عملية أخرى أو مجموعة مترابطة من الأحداث في الاتجاه المعاكس للثورة. وكان الإخوان المسلمون أول ضحايا الثورة المضادة.

لذلك ليس من المعقول أن نتحدث عن جانبين للثورة المضادة يقاتل كل منهما الآخر، ولتوضيح هذه النقطة؛ ماذا ستسمي اليساريين والناصريين والقوى الأخرى ممن اصطفوا مع السيسي وأيَّدوا انقلاب 3 يوليو وأيَّدوا المذابح وقوانين منع التظاهر والقوانين الأخرى القمعية التي أصدرها السيسي والذين يستمرون في دعمهم للنظام اليوم؟ أليس هؤلاء ثورة مضادة أيضًا؟ وإذا كانوا كذلك؛ فإلى أي شيء سنصل؟ إن ذلك يقودنا لوجود ثلاثة أجنحة لهذه الثورة المضادة!

إن هذا يؤدي للنقاش الذي تحدث عنه إنجلز؛ فكرة وجود كتلة رجعية من جانب، وقوة ثورية افتراضية – ذات نقاء ثوري – من جانب آخر. إن العالم لا يعمل بهذه الطريقة وتحديدًا مصر لا تجري فيها الأمور بهذه الطريقة، فالأمور أكثر تعقيدًا من ذلك، والإخوان المسلمون كحركة فهي أكثر تناقضًا وتعقيدًا.

إن قوى الثورة والثورة المضادة وفهم كلتا العمليتين والنضال الذي كان ولا يزال يجري في مصر لهو أكثر تعقيدًا من هذه التبسيطات المخلة.

هناك أيضا نقطتان من المهم الحديث عنهما؛ أولهما الانقلاب في 2013، والذي كان هجومًا على الثورة وخطوة واضحة في اتجاه الثورة المضادة شاهدناها رؤى العين في العامين الماضيين. أما عن الاستيلاء على السلطة والانقلاب الحاصل في 2011 فقد كان حركة دفاعية؛ خطوة للخلف وتنازل أمام الحراك المتصاعد. هذا الاختلاف مهم جدًا لأن الكثيرين يخلطون بين الحشود الجماهيرية التي أدت لإسقاط مرسي والحشود الجماهيرية التي أدت لسقوط مبارك.

كما أنه من المهم ملاحظة ما تضمنته المظاهرات الكبرى في 30 يونيو 2013 وما احتوته من ضباط شرطة بكامل الزي الرسمي وضباط جيش بكامل زيهم الرسمي، إلى جانب مروحيات الجيش المزينة بأعلام مصر لحماية المتظاهرين والأناشيد والأغاني الوطنية، دون الهجوم على ضابط شرطة أو جيش واحد أو الهجوم على منشأة حكومية واحدة. لم يكن هذا حشدًا ثوريًا.

إن الحشد الجماهيري في 30 يونيو، كما ذكرت، تضمن كلًا من المعارضة اليمينية واليسارية، لكن القوى الرئيسية في هذا الحشد كانت القوى الرافضة لتظاهرات الـ18 يومًا التي أسقطت مبارك وهذا ما يتضح الآن ولكن تم إدراكه متأخرًا.

في استعادة للأحداث؛ هل تعتقد أنه كان تنظيم معارضة ضد مرسي كان خطأ في تلك الفترة؟

لا. كان لابد من وجود حراك ضد مرسي، كان يجب فضح ما كان عليه مرسي، فقد حمى مرسي النظام القديم كما حمى قيادات المجلس العسكري، وقام مرسي بتنفيذ نفس سياسات مبارك النيوليبرالية، ولم ينفذ مرسي مطلبًا واحدًا أو يحقق هدفًا واحدًا من أهداف الثورة. كما لم يفِ بأي من وعوده، ناهيك عن مطالب الثورة.

لذلك كان لابد من حركة ضد مرسي وفلول النظام القديم وضد مرسي وقيادات العسكر، والاشتراكيون الثوريون في مصر عارضوا الإخوان المسلمين من اليوم الأول من 12 فبراير 2011 عندما تحدث الإخوان عن عقدهم صفقة مع المجلس العسكري.

ومن الغريب أن بعض الناصريين واليساريين الذين يمثلون الآن أبواقًا لدعم السيسي ويعارضون الإخوان بشدة هم نفس الأشخاص الذين دخلوا في حلف انتخابي مع الإخوان المسلمين أثناء الانتخابات البرلمانية في 2011. نحن رفضنا التحالف مع الإخوان المسلمين وما زلت أرى صحة مشاركتنا في الحراك ضد مرسي.

لكن المهم أن نشير إلى أن ما حاولنا عمله هو خلق حركة مستقلة عن حشد الثورة المضادة الواضح، والذي كان يتم تنظيمه من قِبل رموز من النظام القديم ورؤساء الأجهزة الاستخباراتية، وكانت المشكلة أن الأمرين كانا يحدثان في نفس الوقت.

كانت المشكلة أن اليسار الراديكالي استخف بقدرة الثورة المضادة والجنرالات على الحشد من خلال الإعلام المملوك والخاضع لسيطرة كبار رجال أعمال عهد مبارك. ومن خلال حملة من التخويف، مثل مقارنة بين مصر وسوريا أو تخريب بعض الخدمات المعينة (مثل الكهرباء) لخلق مناخ من عدم الأمان خصوصًا بين قطاعات من الطبقة الوسطى، استطاعت الثورة المضادة إثارة هذه القطاعات.

دعني أعطيك مثالًا عن مدى تعقد الأمور؛ في أثناء الثورة ضد مبارك لعب الشباب المسيحي دورًا مركزيًا وكان ذلك من العوامل التي أعطت الثورة، وتحديدًا اعتصام التحرير، روحًا علمانية ديمقراطية جعلت من المستحيل على الحركة الإسلامية مجرد محاولة خطف الحركة والتحدث باسمها، فقد شارك العديد من الأقباط بشكل لا يسمح بتحويل المظاهرات لتحرك إسلامي.

لكن الجانب الآخر (الثورة المضادة)، فقد سعت لاستخدام مسألة الأقباط أيضًا؛ وذلك من خلال إثارة مخاوف مبررة من أن يتم اضطهاد الأقباط بيد الإخوان، فقد سعت الثورة المضادة والعسكر لحشد الأقباط ضد الإخوان المسلمين ثم بعد ذلك ضد الثورة نفسها.

وهذه هي نفس الديناميكية التي تم بها الالتفاف حول قضية المرأة. حيث لعبت المرأة دورًا مركزيًا في ثورة 2011 ورأينا أكبر مظاهرات حاشدة للنساء في تاريخ مصر ضد التحرش الجنسي وضد التمييز، ولكن تم استخدام قضية المرأة ثانيةً من قِبل هؤلاء ممن حشدوا ضد مرسي في 2013، ولاحقًا من قِبل نظام السيسي نفسه واستُخدمت قضية المرأة ليس فقط ضد الإخوان لكن ضد الثورة نفسها.

إن هذا يشبه الأسلوب الذي يتبعه بعض الكتّاب المعادين للنسوية، إذ يستخدمون لغة النسوية في كتاباتهم ضد مطالب المرأة؛ مثل طرح الحياة العائلية وأفكار محافظة أخرى بأسلوب ملتف خفي عند الحديث عن تحرير المرأة. هذا مثال لما تعلمته الثورة المضادة من نشر خطاب الثورة ضد الثورة نفسها.

هذا بدقة ما فعله السيسي أثناء حكم مرسي. مثلًا؛ أثناء الثورة المصرية اتخذت الجماهير الثائرة من العلم المصري رمزًا للثورة لكن بمنتهى السهولة وبسبب ضبابية الرمز ادّعت الثورة المضادة نفس الرمز لنفسها.

استخدمت الثورة المضادة قضية المرأة ضد الثورة، وسأخبرك عن كيفية ذلك؛ لم يقتصر استخدام الثورة المضادة لقضية المرأة من ناحية أن الإخوان المسلمين رجعيون سيجبرون النساء على ارتداء الحجاب ويمنعونهم من العمل بل، تم الحديث عن النساء الفاضلات اللاتي يعارضن الفوضى ويحفظون العائلة والأمة؛ نساء لسن مثل هؤلاء المتحررات اللاتي تظاهرن في الشوارع وسمحن لبناتهن بالخروج للشوارع.

إن نظام السيسي عمليًا أكثر محافظة مما كان عليه نظام مرسي أو حاول إظهاره. إذ لا يوجد أي شيء يدل على علمانية أو تقدمية نظام السيسي. إذ تأسس حشد السيسي للثورة المضادة على التخويف والمحافظة والأبوية والشوفينية الوطنية والسياسات الطائفية.

كيف تتوافق الثورة المصرية مع السياق الإقليمي والعالمي الأوسع اقتصاديًا وسياسيًا؟

يشكك البعض فيما إذا كانت الثورة المصرية مرتبطة بما يجري اقتصاديًا وسياسيًا على مستوى العالم. لكنه ليس من قبيل المصادفة أن الثورة المصرية والتونسية قامتا في عام 2011 إذ ترتبط كلتاهما بالأزمة الاقتصادية لعام 2008.

ليس هذا العنصر الوحيد الذي قاد هذه الثورات لكنه بالتأكيد لعب دورًا هامًا. فالتقلبات في أسعار السلع الاستهلاكية والركود في السياحة وانحدار الاستثمار الأجنبي وتقلبات أسعار الوقود؛ كل هذه التغيرات نشأت عن أزمة عام 2008 ولعبت دورها بالتالي خصوصًا الصعود الحاد والتقلب في أسعار السلع الأساسية. هذا جعل من المستحيل على الطبقة الحاكمة بسياساتها النيوليبرالية أن تستمر كالمعتاد. لذلك كانت الأزمة أحد الشروط المسبقة للثورة.

كما أنه من المهم فهم ما حدث في مصر في السياق الأوسع وليس فقط من ناحية الثورات العربية. فبدون السياق الأوسع يمكن توصيف الأحداث في مصر كظاهرة عربية حصرية، لكن الأزمة الاقتصادية أثرت على مصر مثلما أثرت على جنوب أوروبا بالكامل، ومثلما انطلقت حركة ضخمة في مصر وفي تونس انطلقت حركات ضخمة في أوروبا.

فقد قامت موجة من الإضرابات الجماهيرية غير مسبوقة في اليونان عام 2010، ولا يمكنك القول أن أكبر إضرابات عامة في التاريخ الحديث تتم على جانب البحر المتوسط دون أي ارتباط بالثورات الجماهيرية على الجانب الآخر. بوضوح كل هذه الاحداث مرتبطة ببعضها ومرتبطة بما يحدث على مستوى العالم.
إنه من المهم إقليميًا أن نشير إلى دور النظام السعودي وحلفائه والذين يمثلون مراكز رئيسية للثورة المضادة في المنطقة. فرأس المال السعودي والكويتي والإماراتي يشكل جزءًا هامًا من الرأسمالية المصرية. فهؤلاء يمثلون المستثمرين الأجانب الرئيسيين في الاقتصاد المصري منذ السبعينات، لذلك كان لديهم الكثير ليخافوا عليه في مصر بصورة مباشرة.

كما أنه من المهم ملاحظة أن السعودية والإمارات كانتا ولا تزالا الداعم المالي الرئيسي لنظام السيسي، إذ لم يكن نظام السيسي ليستمر حتى الآن دون الدعم المالي الضخم من السعودية والإمارات.

أيضًا من المهم أن نفهم إلى مدى قامت ثورات 2011 وتداعياتها بزلزلة دول مثل السعودية، ففي هذه الأيام الجارية تم إعدام 47 معارضًا سياسيًا للنظام وعلى رأس القائمة نمر النمر زعيم الحركة الشيعية في شرق السعودية. فقد نظم النمر مظاهرات حاشدة مستوحاة من الثورتين التونسية والمصرية ضد الملكية السعودية.
كما أنه من المهم فهم الصلات بين هذه الأحداث، فدعم السعودية للسيسي والثورة المضادة هو جزء من دور أوسع تلعبه المملكة السعودية، وهذا يبين إلى أي مدى يجب أن تمتد الثورة المصرية القادمة ليس فقط ضد النظام الحاكم في مصر لكن وضد داعميه الرئيسيين في الخليج أيضًا.

إن ما سبق يقودنا إلى الحديث عن دور الولايات المتحدة والتي تعتبر حليفًا هاما للحكام المصريين منذ عهد السادات في السبعينات، كما كانت ظهيرًا ماليًا وعسكريًا رئيسيًا لنظام مبارك والآن لنظام السيسي.

أحيانًا يتحدث البعض عما إذا كانت الولايات المتحدة بطريقة ما كانت تفضل بقاء الإخوان المسلمين في السلطة وأنها لا تدعم السيسي بشكل حقيقي، وبالطبع تجد الولايات المتحدة صعوبة في دعم السيسي صراحةً بسبب كون السيسي رمزًا واضحًا للديكتاتورية استولى على السلطة بانقلاب عسكري؛ لكن في الحقيقة يستحيل أن تموّل السعودية الثورة المضادة المصرية دون موافقة الولايات المتحدة.

كما أنه إذا أرادت الولايات المتحدة إيقاف نظام السيسي عند أي مرحلة فذلك يمكن عمله بسهولة من خلال تاثيرها الاقتصادي والعسكري الواسع في مصر، لكن الولايات المتحدة تستمر في تسليح نظام السيسي ومنحه 1.3 بليون دولار سنويًا، وتتفاوض الحكومة المصرية الآن مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي بخصوص حزمة جديدة من القروض، كما يستمر الاتحاد الأوروبي في دعم السيسي ودعوته للتحدث في مختلف المجالات.

ويعقد السيسي صفقات عسكرية مع الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وألمانيا فيما يشبه علاقة الغرب مع الصين؛ إذ تدّعي الدول الغربية اهتمامها بحقوق الإنسان في مصر ولكنها تصرح بأن ترابط العلاقات هي السياسة المثلى لتحسين وضع حقوق الإنسان، لكن حقيقة الأمر أن الدول الغربية تدعم صراحة الديكتاتورية العسكرية في مصر.

نظرًا للوضع الذي وصفته؛ ما هي مهام اليسار في مصر اليوم؟

أولًا علينا أن نوضح أن عملية الثورة المضادة مستمرة منذ انقلاب 3 يوليو 2013، وأن مستوى القمع أسوأ بكثير من أيام نظام مبارك فقد قُتِلَ 3 آلاف شخص، واختفى المئات، فيما يقبع أكثر من 50 ألف معتقل سياسي في السجن. وأصبحت السلطة القضائية أداة متاحة في النظام العسكري وما صدر من أحكام الإعدام والسجن المؤبد يفوق ما كان يحلم به نظام مبارك.

إن هذا يبدو منطقيًا إذا فهمنا احتياج قوى الثورة المضادة لكسر روح الثورة وتحطيم الثقة التي اكتسبها الشعب المصري في 2011. هذه الروح لم تنكسر بعد وهذا ما يفسر ما نراه من ارتفاع مستوى القمع.

يتضح مدى خوف النظام من الذكرى الخامسة للثورة؛ ففي القاهرة والمدن الكبيرة الأخرى في مصر تمركزت دبابات الجيش ومدرعاته وتم اعتقال نشطاء من مختلف التيارات للتأكد من عدم قيام أي مظاهرات جدية في 25 يناير 2016. فالنظام يريد خلق مناخ من التخويف والتهويل، وهذه ليست ممارسات نظام يثق بنفسه فالآن وبعد عامين من الانقلاب لا يزال النظام غير ثابت وغير واثق في حكمه.

يوجد عدد من الأمور تدعونا للتفاؤل؛ أولها اضطرار النظام للعودة للأساليب القديمة، فمثلًا البرلمان المنتخب مؤخرًا هو برلمان مزيف بالأساس من أعضاء سابقين بالحزب الوطني الديمقراطي وجنرالات سابقين في الجيش والداخلية أو رأسماليي عهد مبارك دون أي معارضة؛ لا ليبرالية ولا يسارية ولا إسلامية إطلاقًا، ونظرًا لصغر القاعدة المؤيدة للنظام يبقى النظام غير مستقر تمامًا وهذا كان سبب نجاح ثورة 2011 في المقام الأول.

ثاني ما يدعو للتفاؤل هو أنه رغم كل الهجمات إلا أن روح المقاومة بين العمال لم تنسحق، فقد رأينا موجة جديدة من الإضرابات في الشهرين الأخيرين تضمنت عمال النسيج في الدلتا وعمال شركات قناة السويس وعمال الأسمنت والموظفين الحكوميين وشباب الخريجين.

فمن جانب يوجد انتعاش في الحركة العمالية، ومن جانب آخر يوجد درجة من الذعر لدى النظام. كما لم يتغير أي شيء من حيث السياسة الاقتصادية، بل على العكس تعمقت وتسارعت سياسات عهد مبارك النيوليبرالية؛ فعلى الصعيد الاقتصادي يوجد تخفيض نيوليبرالي للإنفاق، وعلى الصعيد السياسي يتم زيادة القمع، كما أن تجذير مئات الآلاف من شباب الطبقة العاملة لم يُستأصل من جذوره حتى الآن.

دعني أعطيك مثالًا على ذلك؛ مشجعو كرة القدم وتحديدًا شباب الطبقة العاملة في مصر، “الألتراس” كما يُعرفون، كانوا قوة رئيسية في الثورة. الألتراس مرتبطون في مصر باليسار على عكس أوروبا حيث يرتبطون غالبا باليمين والعنصرية، الألتراس معروفون في مصر بعدائهم للشرطة وللقمع والآن يُعرفوا بدورهم في الثورة المصرية.

منذ أن تسلم السيسي السلطة؛ لم يُسمح للمشجعين بدخول الاستاد في أي مباراة. وكل مباريات كرة القدم، وهي الرياضة الأكثر شعبية في مصر، تتم في استادات خالية تمامًا من المشجعين إذ يُسمح بدخول الشرطة فقط، وهذا يوضح أن النظام غير مستقر.

الآن يوجد حركة إضرابات مستمرة إلى جانب مجموعات شبابية نشطة وكل هؤلاء يمثلون تهديدًا ضخمًا للنظام. والآن إذا نظرنا لتواريخ أحداث خمس سنوات من الثورة؛ نجد 25 يناير يومًا هامًا يتبعه 11 فبراير ثم 6 أبريل و30 يونيو ثم 3 يوليو ومذبحة ميداني رابعة والنهضة في 14 أغسطس ثم 19 نوفمبر وما يمثله من موجة ثانية للثورة المصرية و9 أكتوبر يوم مذبحة الأقباط أمام المبنى الرئيسي للتليفزيون.

في كل هذه التواريخ التي يوافق كل منها ذكرى ما؛ يتم حشد الشرطة والجيش لمنع أي شخص من مجرد التفكير في القيام بمظاهرة. بمعنى أن النظام تطارده التواريخ والأماكن؛ تورايخ الأحداث وأماكن حدوثها.

لكن هذا الموقف لا يمكنه الاستمرار، وهنا يجدر الإشارة نحو الهبوط الدراماتيكي لسعر البترول ناهيك عن الأزمة الاقتصادية الناشئة في السعودية وهمجية الحرب السعودية على اليمن، مما يعني أن التمويل المنتظم من السعودية والإمارات لنظام السيسي لا يمكن أن يستمر على نفس الوتيرة السابقة.

يعني كل ذلك أن هناك فرص لبدء البناء لموجة ثورية جديدة، فالشباب المسيس بفعل الثورة المصرية في 2011 في عمر 20 حتى 25 سنة الآن. وتجربتهم مع الثورة لم تتبخر، ويلزم للسيسي درجة من القمع لا يقدر عليها للقضاء تمامًا على هذه التجربة. إن قضية اليسار الثوري هي كيفية البناء على هذا الوعي وكيفية التخطيط للجولة القادمة من النضال الثوري.

إن أحد أهم جوانب هذه المسألة هي كيف يجب أن يتعامل اليسار مع الحركة الإسلامية، وتحديدًا كيف يجب أن يتعامل اليسار مع الحركة الإسلامية المستمرة في معارضتها لديكتاتورية السيسي العسكرية؟ ما الذي يجب فعله لتجنب أخطاء ثورة 2011؟ كيف يستطيع اليسار أن يبني يسارًا راديكاليًا مستقلًا قادرًا على كسب قاعدة جماهيرية بشكل مستقل عن الإخوان المسلمين بل ومنافسة الإخوان على كسب تأييد الجماهير؟

إن أحد أغرب ظواهر فترة الثورة المضادة المصرية أن أغلب اليساريين يفعلون واحد من أمرين؛ تيار على اليسار تحالف مع نظام السيسي لأنه يرى فيه نوع من العلمانية و”الاستبداد المستنير” الذي يمكنه حماية مصر من حكم نظام ثيوقراطي. هذا التيار يشمل روائيين يساريين مشهورين وشعراء وممثلين ونشطاء سياسيين منهم نشطاء اشتراكيين سابقين محنكين ممن يؤيدون السيسي بشكل مطلق الآن.

يوجد تيار آخر يساري ضد السيسي ولكنه أيضًا يعارض الإخوان المسلمين في نفس الوقت، ماذا يعني هذا عمليًا؟ على المستوى المجرد يبدو ذلك منطقيًا فنحن نحتاج أن نكون ضد كلتا القوتين، لكن ماذا يعني ذلك من ناحية عملية؟ هل نعمل على إسقاط الديكتاتورية أو أننا نحاول عمل المستحيل بأن نكون على الحياد تمامًا في سياق معركة حقيقية تدور في الشوارع؟ لذلك فاليساريون الذين لا يدعمون السيسي عاجزون من الناحية العملية.

سأعطيك مثالًا لذلك؛ عندما برَّأت المحكمة مبارك العام الماضي خرجت مظاهرات في الشوارع وتزايدت أعداد المتظاهرين بشكل سريع وحاول بضع آلاف من المتظاهرين اقتحام ميدان التحرير، وقد شارك الكثير من اليساريين في هذه المظاهرات وبمجرد أن رأوا شباب الإخوان المسلمين ينضمون للتظاهرات غادروا المظاهرات ببساطة، عادوا لمنازلهم حرفيًا.

نرى ذلك التصرف كخطأ كبير وكصيغة من العجز والانعزال التام بالنسبة لليسار. إذ أن هذه الطريقة ستمنح الإخوان المسلمين فرصة لإعادة بناء قاعدتهم الجماهيرية التي خسروها أثناء رئاسة مرسي، إذ ستفكر الجماهير في القوة الوحيدة التي تواجه ديكتاتورية السيسي بشكل فعلي فلن يجدوا سوى الإسلاميين وليس اليسار.

إن الموقف الذي اتخذناه هو أننا نريد أن نكون جزءًا من الحركة ضد السيسي وضد الديكتاتورية لكننا نريد فعل ذلك كقوة مستقلة تفهم جيدا أن الإخوان المسلمين خانوا هذه الثورة، لكننا لن نكون جزءًا من التقسيم الزائف “علماني ضد إسلامي”، هذا التقسيم الذي ساعد نظام مبارك في السابق ويساعد السيسي الآن للبقاء في السلطة.

أريد أن أبدأ مناقشة جادة في أوساط اليسار في مصر ومع الرفاق خارجها حول مسألة الأصولية الإسلامية. فالمشكلة في مصر واضحة ويجب أن تتضح للجميع.

أصدر الحزب الشيوعي المصري بيانات تؤيد مذبحة نشطاء الإخوان المسلمين في 14 أغسطس 2013، والحق أن كثيرًا من اليساريين فعلوا. على الجانب الآخر؛ هناك يساريون، بعضهم يساريون ثوريون مؤثرون من جيل السبعينات، اتخذوا موقفًا حياديًا من الناحية العملية؛ إذ يقولون أنهم بالطبع ضد ديكتاتورية السيسي لكنهم ضد الإخوان المسلمين على حد سواء؛ فكلاهما (السيسي والإخوان) وجهان لعملة واحدة.

بالنسبة لي؛ هذه صيغة كارثية يجب مناقشتها بجدية وأعتقد انها ليست كارثية بالنسبة لمصر فقط بل لليسار الثوري عالميًا.

كيف تفهم الحركة الإسلامية، وكيف تتصل بها؟ وكيف تفهمها من حيث السياق الأوسع؟ وأي موقف يتخذه اليسار الراديكالي تجاهها؟ أعتقد أننا، بعد نشأة داعش من ناحية، وما حدث في الثورات العربية ودور الحركة الإسلامية فيها من ناحية أخرى، نحتاج لنقاش جديد حول الماركسية والحركة الإسلامية لصقل وتوضيح مواقفنا.

* الحوار منشور باللغة الإنجليزية في 26 يناير 2016 على موقع “العامل الاشتراكي” الأمريكي