بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

السيسي لمعارضيه: اصمتوا أو موتوا

رغم لغة الخطاب المثيرة للسخرية التي اعتدنا عليها من الجنرال المأفون عبد الفتاح السيسي، إلا أن خطاب الأمس الذي يحمل نزعة شعبوية واضحة يقدم جديدًا هذه المرة. فهذا الخطاب بقدر ما يحاول احتواء الغضب الجماهيري الذي يملأ الأفق عبر تقديمه لحزمة من الإنجازات الوهمية والمشاريع “الفناكيش”، فهو أيضًا يحمل رسالة واضحة لكل إصلاحي يحلم بالتغيير من داخل مؤسسات الدولة وخارجها. يتناول هذا المقال بالأساس رسائله للإصلاحيين ولمن تبقى من القوى الثورية خارج السجون والمعتقلات.

يبدأ الجنرال عبد الفتاح السيسي خطابه الشعبوي بمقاطعة النخب الإصلاحية، معلنًا أن خطابه موجه للجماهير فقط، ثم يعيد إنتاج نظرية المؤامرة ولكن في ثوب جديد، فيقول أن هدفه بشكل واضح هو الحفاظ علي الدولة المصرية التي تعرضت لهزة كبيرة. المسكوت عنه في خطابه هو أن هذه الهزة هي ثورة 25 يناير، ليعلن عن مرحلة جديدة من مراحل المؤامرة علي الدولة المصرية بعد مرحلة “الإرهاب”، التي كان ولا يزال يستخدمها للقضاء على الإخوان والقوي الثورية، مرحلة جديدة هي “محاولة ضرب مؤسسات الدولة ببعضها وتشويهها وضرب الشعب ببعضه”، والتي بالتأكيد ستُستَخدم غدًا لضرب الإصلاحيين وكل مُطالِب بالتغيير يتخطى حدود التغيرات الشكلية التي تقدمها دولته.

أكد السيسي أن كل جهوده لمواجهة التحديات ليس لها قيمة سوى بـ”وحدة كل المصريين خلفه”، وكانه يعلن اليوم بشكل صريح أن لا مكان اليوم لهذه النخب سوى خلف الدولة التي يقودها، قائلًا “اوعى وأنت بتصلح تكسر”، و”لابد من احترام دولة القانون”، وطبعًا المقصود هو قانون التظاهر وقانون الإرهاب وغيره من القوانين القمعية، وأيضًا حزمة القوانين الداعمة للاستثمار والمستثمرين وسياسات الليبرالية الجديدة.

الجنرال الغاضب من كل النقد الذي تعرض له بشكل مباشر وغير مباشر خلال الفترة الماضية يحاول أن يبدو هادئًا قويًا لم يتأثر بالهزة القوية التي تعرضت وتتعرض لها القلوب الصلبة لدولته منتهية الصلاحية، سواء الارتفاع الجنوني لسعر الدولار وعدم توفر السلع التموينية أو الهتاف بسقوط الداخلية الذي انطلق من حناجر الأطباء وأهالي الدرب الأحمر أو حادثة مقتل الشاب الإيطالي وانهيار السياحة، أو دعوات انتخابات رئاسية مبكرة التي انطلقت من داخل برلمانه، إلخ.

يستدعي من جديد فكرة الاصطفاف المجتمعي خلفه، قائلًا “لو بتحبوا مصر صحيح.. اسمعوا كلامي أنا بس.. اسمعوا كلامي أنا بس”، و”لسه بدري أوي على الممارسة الديمقراطية اللي انتوا بتقولوا عليها”، و”فاكرين إني هسيبها ولا إيه، أنا هفضل أبني فيها لغاية ما تنتهي يا حياتي يا مدتي”، و”انتم مين؟ اسكتوا، أقسم بالله اللي هيقرب لمصر هشيله من على وش الأرض”، كما يعلن أنه لن يقدم أي تنازل ولو كان إقالة وزير إلا برغبة الدولة، والدولة فقط، فـ”عصر ليّ ذراع الدولة” وإسقاط الحكومات جماهيريًا قد ولى، قائلًا “انتوا هتعرفوا الحكومة أكتر مني! دي حكومة كويسة وباقعد معاهم كل يوم… هما بياخدوا إيه عشان يستحملوكم”، ثم يتسائل “انتوا عايزين عدالة اجتماعية”، ويتبعها بقوله “والله العظيم أنا لو ينفع أتباع هتباع؟”. فالجنرال عبد الفتاح السيسي يريدها معسكرات للعمل فقط، لا يريد من الجميع سوى الاصطفاف خلفه مطالبًا في النهاية تحالف 30 يونيو بالاصطفاف والتوافق من جديد خلف الثورة المضادة التي أصبحت مكشوفة الوجه هذه المرة، قائلًا “سيبوا اللي مش جيد.. محتاجين نبص على النص المليان فقط.. محتاجين نعزز بقاءنا”، و”عايز أجيب كل اللي بيتكلم وأمسِّكه وزارة وأقوله وريني هتعمل إيه؟”.

إذن فالنخب الإصلاحية المصرية التي شاركت في 30 يونيو، بالتنسيق مع المخابرات، وكانت جزءًا من انقلاب 3 يوليو، مراهنين على الجيش لاستبدال الإخوان في المشهد السياسي المصري، غضوا الطرف عن مجازر العسكر، وصدَّقوا على كافة القوانين القمعية كقانون منع التظاهر وقانون الإرهاب، إلخ، وأزعجتهم الممارسات الإقصائية ضدهم، وخصوصًا بعد إقالة حكومة الببلاوي، وما تلى ذلك من إجراءات بإقرار قانون انتخابات يعزز من النظام الفردي على حساب القوائم، ثم تشكيل برلمان مخابراتي صريح والإطاحة بهم تمامًا من المشهد السياسي. هؤلاء الذين يحاولون من جديد الرهان على إمكانية إيجاد دورٍ لهم في الحياة السياسية بالركوب على أعناق الجماهير الغاضبة، كانت رسالة السيسي بالأمس واضحة “دوركم انتهى الآن، فإما أن تصمتوا وتصطفوا خلف الدولة المباركية العائدة أو سنمحوكم من على وجه الأرض”.

كانت تلك أيضًا رسالة ضمنية للجماهير المحتقنة التي تتآكل شعبيته وسطها بسرعة شديدة، ولقوى الثورة المتبقية خارج السجون والمعتقلات والمنفى، فهو يعلم أن أي تنازل حقيقي يعني عودة ثقة الجماهير بنفسها وبقدرتها على إحداث التغيير، ما يعني تأثير “دومينو” هائل يهدد جذريًا دولة جنرالاته الهشه الآيلة للسقوط.