بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

في اليوم العالمي للمرأة: اضطهاد المرأة اضطهاد للجميع

في الوقت الذي تُقدم مقاطة صينية على إعطاء النساء العاملات إجازة مدفوعة الأجر في فترة الحيض، تخفيفًا للأعباء الجسدية والمعنوية الواقعة عليهن، لا يزال الحديث في مصر عن المرأة وحقوقها يُقابل بشيء من الاستسخاف، والاستخفاف بضررورته ووجوبه.

إن الثقافة السائدة في المجتمع المصري، في كثير من الأحيان، لا ترى جدوى من الاستماع للحديث عن قضايا المرأة وحقوقها، وتصدمنا بادعاءات أن المرأة قد نالت كل حقوقها الممكنة، وأنها تنعم بمساواة في الحقوق والواجبات مع الرجل، مع استنكار: ما الذي تتطلعن إليه تلك الثرثارات أكثر مما حصلن عليه بالفعل؟

لرُبما كان السبب في استنكار الحديث عن حقوق النساء هو الحديث عن قضايا النساء ومشكلاتهن بشكل منفصل عن سائر مشكلات المجتمع وقضاياه، هذا الفصل الذي دائمًا يعزز مزيدًا من العنصرية داخل المجتمع، ويجعل كل فئة مُضطهَدة تعجز عن أخذ مشكلات الفئات الأخرى بعين الاعتبار، وبالتالي تعجز عن الاتحاد مع غيرها في مواجهة النظام الذي يَضطهِدنا جميعًا، والذي هو أول المستفيدين من تفرقنا واستخفافنا بقضايا بعضنا البعض.

إننا نعيش في ظل مجتمع طبقي، تحرص دولته على أن تنظر كل طبقة للأخرى الأدنى منها في المستوى الاقتصادي والاجتماعي بعين الدونية، وأن ترى في اضطهادها وشقائها ضرورة لا مفر منها لسيران الوضع العام والحفاظ عليه.

ناهيك عن وضع الفئات الأكثر ضعفًا واضطهادًا، لكونها أقلية عرقية أو دينية أو لكونهن نساءًا، تلك الفئات التي نرى في شقائها واضطهادها ضرورة لا مفر منها، وأمر ليس من الممكن، بل ليس من الأفضل، علاجه.

إن تذمرنا من الحديث عن قضايا المرأة لا يختلف عن تذمرنا من الحديث عن وجود اضطهاد للمسيحيين، أو عن تهميشنا لقضية البهائيين، أو اضطهاد السود، إلخ. كل تلك الممارسات والظواهر تصب في إطار واحد، وهو شعور كل منا بتأجج معاناته دون الشعور بتأجج معاناة الآخرين، هذا الإطار الذي تحرص دولتنا كل الحرص على إقامته، والذي نساهم نحن في تعزيزه دون وعي، بفصلنا كل قضية عن سائر القضايا.

إن السياسة التي تتبعها الدولة من أجل إشغال كل منا بمشكلاته، بل وتوجيه كل انتفاضة تنتفضها أي فئة مُضطهَدة كي لا تكون انتفاضة ضد الدولة – المضطهد الرئيسي للجميع – بشكل مباشر، وتوجيهها لتكون حركة ضد مضطهدين آخرين، تلك السياسة تطلب منا أن نكون على درجة أكبر من الوعي بضرورة اتحادنا لمواجهة المُضطهِد الحقيقي لنا جميعًا، وهو النظام القمعي الذي ينظم ويحرص على اضطهاد الجميع.

علينا أن نتحلى بشجاعة أكبر في مواجهة أنفسنا بأننا لازلنا نمارس التمييز ضد بعضنا البعض كل يوم بطرق شتى، فإن كنا حقًا نريد إنجاح الثورة، التي قامت من أجل تحقيق عدالة اجتماعية حقيقية، ومساواة بين جميع الأفراد في الحقوق والحريات، علينا أن نواجه أنفسنا برجعية وخطأ الأفكار التي ترسخها سياسات الدولة داخلنا، علينا أن نكف عن إنتاج مزيدٍ من التمييز ضد بعضنا البعض من خلال ممارساتنا.

إن لغتنا نفسها هي أبسط مثال يمكن ضربه لتخبرنا بوضوح بعكس ما نظنه عن حصول المرأة على كافة حقوقها وعن أننا نساوى حقًا بينها وبين الرجل، ففي لغتنا لازلنا نستخدم الذكورة كمرادف للإيجابية والشهامة، ونستخدم الأنوثة كمرادف للضعف والسلبية والتخاذل، تعبيرات مثل “بنت دكر” عندما نمدح الموقف الشجاع لإحداهن، و”انت مَرَه” عند ذم نذالة أحدهم، تعكس لنا أننا لازلنا نرى أن المرأة شخص نذل وسلبي ولا ترقى لأن تتساوى بالرجل في شيء.

ممارسات كهذه هي انعكاس لوعي مدفون بعمق رسَّخته الطبقة الحاكمة على مدار عقود وقرون في الثقافة الشعبية، وفي المقابل نفس هذه الممارسات تمنع أفكارنا عن أن تكون أكثر وعيًا وأكثر جذرية في تناول الأسباب الحقيقية التي تمنع وحدتنا ضد كافة أشكال الاضطهاد.