بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

رؤيتنا (تقرير سياسي دوري تصدره حركة الاشتراكيين الثوريين) – 28 مايو 2018

شهد الأسبوعان الماضيان عددًا من التطورات السياسية الهامة على الصعيد المحلي والعالمي. ففي مصر وقبل أن يبدأ السيسي رسميًا فترة رئاسته الثانية، رأينا المرحلة الثانية من رفع الدعم عن المواصلات العامة بزيادات غير مسبوقة في سعر تذاكر المترو (من ٢ج إلى ٣ج و٥ج و٧ج)، وموجة من الاعتقالات الجديدة للمعارضين شملت هيثم محمدين ووائل عباس وشادي الغزالي حرب. ومعركة تكسير عظام في انتخابات النقابات العمالية بشطب آلاف من المرشحين من النقابيين الشرفاء في محاولة لمنع كل من هو غير موالي بشكل مباشر للنظام ولإدارات المؤسسات والشركات من الترشح.

وعلى المستوى الإقليمي رأينا الجماهير الفلسطينية في غزة تنتفض مجددًا في مسيرات العودة لتواجه بقمع إجرامي من قبل الجنود الصهاينة الذين قتلوا المئات وأصابوا الآلاف من المتظاهرين الفلسطينيين بالرصاص الحي. أما على المستوى العالمي فرأينا الإدارة الأمريكية تنسحب من الاتفاق النووي الإيراني ليكون ذلك بمثابة إعلان حرب على النظام الإيراني في تحاف علني مع السعودية وإسرائيل. هذا إلى جانب الانتصار التاريخي للمرأة الأيرلندية في استفتاء ٢٦ مايو.

أكاذيب السيسي

لعل أهمية تصريحات السيسي الأخيرة في مؤتمر الشباب وفي رده على أسئلة “المواطنين”، تكمن في كونها مؤشرًا واضحًا ليس فقط لإستراتيجيته الاقتصادية والسياسية في فترة رئاسته الثانية، بل أيضًا على محاور الدعاية الايديولوجية التي يريد ترويجها دفاعًا عن تلك الإستراتيجية.

يمكننا تقسيم تصريحات السيسي إلى محاور ثلاث. أولها مسألة رفع الأسعار. ففي حديثه أمام مؤتمر الشباب الأخير أكد ليس فقط على ضرورة الرفع الأخير لأسعار المترو (من ٢ج إلى ٣ج و٥ج و٧ج). ولكن أيضًا أن هذا ليس آخر المطاف. وأكد أيضًا أن صيانة وتشغيل وتطوير المترو لابد أن يمول من خلال التذاكر. وهذا هو منطقه ومنطق نظامه تجاه كافة الخدمات العامة، من سكة حديد وطرق وكهرباء وماء وبنزين وغاز وعلى المدى الأطول العلاج والتعليم. وكما يقول المثل “الي ماعوش مايلزموش”.

أما فكرة أن الخدمات العامة حق وليست سلعة، وأن تمويلها يجب أن يكون من خلال منظومة ضرائبية عادلة وتصاعدية، فقد أصبحت فكرة خطيرة وثورية. ففي زمن الليبرالية الجديدة العسكرية الذي نعيشه لا يوجد سوى التقشف للفقراء والمزيد من الفرص والمشاريع والأرباح للأغنياء. الجيش والشرطة ورجال الأعمال إيد واحدة.

أما المحور الثاني في حديث السيسي فهو حول فكرة أنه “لا يوجد بديل” لسياسات التقشف والليبرالية الجديدة. هذه الفكرة ليست بالطبع من إبداع الرئيس الملهم ولكنها أحد المحاور الأساسية لليمين العالمي منذ ثمانينات القرن الماضي. فإن لم تتبع الحكومات سياسات التقشف والخصخصة وإلغاء الدعم وتخفيض الضرائب على كبار المستثمرين، ستكون النتيجة هي انهيار الاقتصاد، والدخول في الفوضى. أما السيسي فبالطبع يذكرنا على الفور بنموذج ليبيا والصومال واليمن وأنه لولا إتباعه السياسة الاقتصادية الحالية (ليس فقط القبضة الأمنية الحديدية وقمع المعارضة) ستقع مصر في نفس دوامة الفوضى وانهيار الدولة بل والحرب الأهلية.

هذه الأكاذيب بالطبع لا علاقة لها بالواقع. فحتى بمنطق النمو الرأسمالي، فكل البلدان التي تمكنت من طفرات هامة في النمو اعتمدت علي نماذج اقتصادية قائمة على دور مركزي للقطاع العام وللتخطيط الاقتصادي المركزي وللاستثمار المكثف في الصحة والتعليم والبحث العلمي من قبل الدولة وليس الخصخصة والتقشف والتحرير الاقتصادي.

أما المحور الثالث فهو الأكاذيب المعتادة حول أزمة الزيادة السكانية. فمنذ الخمسينات، حين كان عدد السكان لا يزيد عن ٢٠ مليون وحتى اليوم، تبرر الأنظمة المتعاقبة فشلها الاقتصادي بمشكلة الزيادة السكانية- أي أن الفقر المتزايد لغالبية السكان سببه هو الفقراء أنفسهم وليس السياسات الرأسمالية الفاشلة لحلف العسكر ورجال الأعمال الحاكم.

هذه الأكاذيب المفضوحة تنم عن درجة إفلاس فكري إستثنائية، فقد ظل مبارك يردد نفس الأكاذيب طوال رئاسته، رغم انخفاض معدل الزيادة السكانية في التسعينات والعقد الأول من الألفية. سبب الفقر هو سياسات النظام وليس الزيادة السكانية. (الصين زاد عدد سكانها من ٥٥٢ مليون في ١٩٥٠ إلى ١٣٩٠مليون عام ٢٠١٧. والهند كانت الزيادة في نفس الفترة من ٣٦٠ مليون إلى ١٢٨٠ مليون).

إذًا فما يوعدنا به السيسي خلال السنوات الأربع القادمة هو المزيد من التقشف والإفقار ونفس السياسات الاقتصادية وبنفس التبريرات الأيديولوجية لعقود مبارك الثلاث. ولأنه يعلم جيدًا أن هذه السياسات ستولد بالضرورة مقاومة (تحركات عمالية على سبيل المثال لرفع الأجور) فكان من المتوقع أن يتدخل الأمن بشكل سافر في انتخابات النقابات العمالية بشطب آلاف المرشحين كضربة استباقية لإضعاف المقاومة العمالية.

إذًا هذا ما يريده السيسي في فترته الثانية: مزيج من القمع والإفقار تحت سلطة العسكر ورأس المال. والسؤال هو كيف نبني معارضة يسارية حقيقية لمثل هذا البرنامج خلال هذه السنوات الأربعة؟ ما هي رؤيتنا البديلة للتنمية الاقتصادية ولتوزيع الثروة؟ ألم يحن الوقت لتجميع مناضلي اليسار من مختلف الخلفيات لمناقشة وبلورة مثل هذه البرامج والمشاريع؟

ترامب والحلف السعودي الإسرائيلي

ها هي الإمبريالية الأمريكية تدق من جديد طبول الحرب. إن قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإنسحاب إدارته من الآتفاقية النووية الإيرانية يدفع المنطقة نحو حروب جديدة ويشجع الصهاينة على مغامرات حربية جديدة في لبنان وسوريا وغزة. فمن جانب فهناك تنافس طويل المدى على الهيمنة بين القوتين الرئيسيتين السعودية وإيران (مصر أصبحت مجرد شريك صغير وتابع في الحلف السعودي). دفع هذا التنافس بالسعودية للدخول بشكل شبه علني في تحالف مع إسرائيل ضد العدو المشترك. قرار ترامب بمثابة مباركة ودعم مباشر لتقليص النفوذ الإيراني المتزايد وربما محاولة الإطاحة بالنظام الإيراني لصالح مد النفوذ والهيمنة السعودية الإسرائيلية المشتركة في المنطقة.

ماذا سيكون موقف المعارضة المصرية في حالة نشوب حرب جديدة بين إسرائيل وحماس في غزة أو بين إسرائيل وحزب الله في لبنان؟

هذا السؤال لم يعد نظريًا خاصة في ظل قرار ترامب الآخر بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس ومسيرات العودة الفلسطينية في غزة. هذه المسيرات والتي سقط فيها عشرات القتلى وآلاف المصابين قد أثبتت من جديد أن القضية الفلسطينية غير قابلة للموت وأن هناك جيل جديد من الفلسطينيين المستعدين للصمود والتضحية من أجل تحرير الأرض والشعب.

لعلنا نتذكر أن الانتفاضة الفلسطينية في بداية هذا القرن كانت أحد العناصر الأساسية التي حركت المياه الراكدة في الساحة السياسية المصرية. فموجات التضامن مع الشعب الفلسطيني في ذلك الحين في الجامعات والمدارس والنقابات والأحياء الشعبية كانت الدورة الأولى في سلسلة من الحركات السياسية والاجتماعية التي مهدت لثورة ٢٥ يناير ٢٠١١. (التحرك ضد الحرب على العراق، كفاية والحركة الديمقراطية، موجات الإضرابات العمالية).

ماذا سنفعل الآن للتضامن مع الشعب الفلسطيني في مواجهة الإجرام الصهيوني وحلفائه العرب وعلى رأسهم نظام السيسي؟

أيرلندا وحق الإجهاض

يوم السبت ٢٦ مايو ٢٠١٨ يومًا تاريخيًا للشعب الأيرلندي وللمرأة الأيرلندية. كان القانون الأيرلندي يجرم الإجهاض حتى في حالات الاغتصاب. تاريخيًا كانت أيرلندا تحت نفوذ الكنيسة الكاثوليكية شديدة الرجعية والمحافظة. وامتد نفوذ الكنيسة للمؤسسات التعليمية من حضانات ومدارس وحتى جامعات. هذا إلى جانب النفوذ السياسي للكنيسة. كانت النتيجة هي حرمان المرأة من كثير من الحقوق التي كانت قد إكتسبتها في البلدان الأوروبية منها حق الطلاق والإجهاض. ولكن المجتمع الأيرلندي قد تمرد على النفوذ الديني الرجعي والأجيال الجديدة من النساء والرجال لم يعدوا يقبلون تلك القيود الرجعية. في حالة الإجهاض كان النساء الآتي لديهن القدرة المالية يسافرون إلى بريطانيا لإجراء العملية هناك. ولكن الفقيرات، كما الحال عندنا في مصر يلجأن إلى عمليات غير شرعية وغير آمنة. والنتيجة هي وفاة المئات كل عام. ولكن الحراك الشعبي من أجل التغير، والذي لعب فيه اليسار الأيرلندي والحركة النسائية الأيرلندية دورًا كبيرًا نجح في دفع الحكومة لإقامة استفتاء شعبي حول المادة القانونية التي تمنع الإجهاض. وبالفعل صوت أكثر من ٦٠٪ لصالح إلغاء المادة في خطوة تاريخية وديمقراطية ضد اضطهاد المرأة.

ما يدعو للتفاؤل بالنسبة لنا في مصر هو أن المجتمع الأيرلندي تاريخيًا لم تكن أقل تدينًا أو محافظة عن مجتمعنا المصري. ولكن التطورات الاجتماعية والسياسية والنضال الدؤوب لليسار والحركات النسائية قد غير من وعي قطاعات واسعة من الجماهير خاصة جماهير الطبقة العاملة في المدن.