بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

رؤيتنا (تقرير سياسي دوري تصدره حركة الاشتراكيين الثوريين) – 19 يونيو 2018

العيد وكأس العالم وإجازات الصيف. ربما كان التوقيت غير مناسبٍ لتقرير سياسي، ولكن كما رأينا خلال الأسبوع الماضي، لا تتركنا السياسة وشأننا. السيسي رَفَعَ أسعار الوقود مُدشِّنًا موجةً جديدة من زيادة الأسعار في المواصلات العامة والسلع الغذائية وأنابيب البوتاجاز. هذا كله بعد رفع أسعار الكهرباء وتذاكر المترو في بداية رمضان. وفي خطوةٍ غير مُتوقَّعة، أُطيحَ بوزيريّ الدفاع والداخلية. والعالم من حولنا أيضًا لم تتوقَّف فيه الصراعات ولم تهدأ فيه السياسة، بل مازلنا في مرحلةٍ من السيولة والتغيُّرات المُفاجِئة والخطيرة على المستوى العالمي.

مرة أخرى حول رفع الأسعار والتغييرات الوزارية
يبدو أن السيسي يمضي قُدُمًا في هجومه القاسي على معيشة الغالبية العظمى من المصريين، برفع أسعار كافة أنواع الوقود بنسبٍ كبيرة، وهو ما انعكس بشكلٍ مباشر في أسعار المواصلات وكثير من السلع الأساسية.

تصوَّرَ البعض أن الحكومة ستؤجِّل هذا الإجراء في ضوء أحداث الأردن. ولكن ذلك التصوُّر يُخطِئ فهم عقلية الديكتاتور، فهو يريد أن يتحدَّى الجماهير الفقيرة. يريد أن يهزم ما تبقى من إرادةٍ أو قدرة على المقاومة. فمازال السيسي يحارب أشباح ثورة يناير. يريد ذلك المزيج من الهزيمة والخوف واليأس. ولكن مرةً أخرى يجب التأكيد على أن حساباته خاطئة، وأن ثورة يناير والحركات الاجتماعية والعمالية التي فجَّرَتها مازالت حيةً في عقول وقلوب الملايين. نعم، بالتأكيد هناك خوفٌ وقلقٌ، وهو مُبرَّرٌ تمامًا وعقلاني في ظل دموية النظام، ولكن الوضع غير قابل للاستمرار إلى ما لا نهاية، فما يُسمَّى بـ”الإصلاح الاقتصادي” مازال في منتصف الطريق وهناك المزيد والمزيد من رفع الأسعار في الشهور والأعوام المقبلة. بل سنواجه موجةً جديدةً وغير مسبوقة من الخصخصة ومن تقليص العمالة في القطاع الحكومي، أي التشريد وليس فقط الإفقار.

ولكن السؤال هو كيف نقاوم كل ذلك في ظلِّ هذه القبضة الأمنية المجنونة وفي ظلِّ إغلاق كل ما تبقى من مساحات العمل السياسي والنقابي؟

هناك مسئوليةٌ كبيرة ملقاة على قوى اليسار المصري، ليس فقط لوضع خطة للمقاومة، ولكن أيضًا لطرح بدائل ملموسة للسياسات الليبرالية الجديدة وطرح برامج بديلة حتى وإن كان على مستوى دعائي عام تُثبِت للجميع أن هناك طريقًا بديلًا قائمًا على إعادة توزيع الثروة لصالح الفقراء، وأن هذا الطريق البديل ليس مجرد أحلام طوباوية، بل أنه الطريق الوحيد للخروج من كابوس رأسمالية السيسي وعصابته.

لعل الإقالة غير المُتوقَّعة لوزيريّ الدفاع والداخلية تشير إلى مدى قلق السيسي على كرسي الحكم. فالوضع مازال انتقاليًا حتى يُحسَم تغيير الدستور لصالح بقائه في الحكم بعد ٢٠٢٢. وستكون هناك بالتأكيد أصواتٌ مُعارِضة لمثل هذا التغيير في صفوف النظام. وسياسات الإفقار التقشفية والاستبداد الأمني ستذيب سريعًا ما تبقَّى من تأييد تلك القطاعات من الطبقة المتوسطة التي هلَّلَت في السابق لحكمه. ومرةً أخرى، يظلُّ السؤال حول استعداد المعارضة بكافة أطيافها للمواجهات القادمة؟ ماذا سيكون موقف الليبراليون، بما في ذلك من أيَّدَ الانقلاب ثم بدأ مؤخرًا في المعارضة ولو على استحياء؟ ماذا سيفعل الناصريون؟ هل سيهلِّلوم مُجدَّدًا للزعيم الأوحد؟ وماذا عن الإخوان المسلمين الذين يبدو أن انقساماتهم وشلَّلهم السياسي كان أكثر ضررًا حتى من الاعتقالات والقتل؟ وأخيرًا وليس آخرًا: ماذا سنفعل نحن اليسار؟ ما هي القوى اليسارية المعارضة للنظام؟ هل هناك إمكانية للعمل المشترك بين هذه القوى في ظل هذه الظروف الاستثنائية؟ أم سنترك خلافات الماضي وإحباطات الحاضر تعيقنا مُجدَّدًا عن الفعل؟

كرة القدم ليست مجرد لعبة
الكثير ينظرون لمثل هذه المسابقة كفرصةٍ للاحتفال الجماعي بالفريق القومي والمشاركة في التشجيع. ومن جانبٍ آخر فمشاهدة المباريات نفسها، ومستوى المهارات العالمية عند هذا المستوى من المنافسة هي بالتأكيد مصدرٌ للإثارة والاستمتاع لملايين من الجماهير بمختلف اتجاهاتهم وانتماءاتهم وطبقاتهم الاجتماعية.

لكن ربما كان من المهم أن نتذكَّر عددًا من الأشياء ونحن نستمتع بهذه المسابقة الشيقة. أولًا، لا يجب أن ننسى أبدًا أن تشجيع الفريق الوطني يفتح المجال لصعود نعرات قومية لها طابعٌ يميني وسياسي يتجاوز مجرد الاحتفال الجماعي. لنتذكَّر على سبيل المثال تلك الموجة الخطيرة من العداء للجزائر وشعب الجزائر والتي غذاها بشكلٍ واعي نظام مبارك وخاصة أبناؤه ومعهم كورال من الأجهزة الإعلامية في عام 2009.

وثانيًا يجب أن نتذكَّر أيضًا أن المستفيد الأول من حالة التوحُّد حول الفريق الوطني هو بالتأكيد النظام، فهو الذي يريد فوق كل شيء أن ننسى “خلافاتنا” ونبتعد عن السياسة ونتوحَّد وراء العلم والنشيد والوطن والدولة. الغني والفقير، الظابط والطالب، السجان والسجين، كلنا شعبٌ واحد تحت قيادة واحدة (“نبقى كده” مثل قبضة اليد التي يرفعها السيسي في خطبه).

وثالثًا يجب ألا ننسى أيضًا أن لعبة كرة القدم، خاصةً على هذا المستوى العالمي، هي صناعةٌ رأسمالية كبرى تتدخَّل فيها الدول مع الشركات الإعلامية الكبرى والأندية الكروية وكبار المليارديرات من الخليج إلى الصين. فهي لعبةٌ يستمتع بها الملايين من البشر ولكنها تدرُّ المليارات من الدولارات من هؤلاء البشر إلى كبار رجال الأعمال عالميًا.

في الوقت نفسه لا يجب الاستسلام للخطاب الطفولي الذي يتعالى على الجماهير ويحتقر اهتماماتها، ويعتبر أن شغف الملايين بمتابعة مباريات كأس العالم أو تشجيع أيٍّ من المنتخبات، هي “سلوك القطيع”، فهذا الموقف لا يعبر إلا عن انفصال عن الواقع. فهناك فارقٌ بين رفض التوظيف السياسي لكرة القدم واستثمار شغف الجماهير لجني الثروات، وبين صبِّ الغضب على الجماهير نفسها واتهامها.

ربما كان من المفيد ألا ننسى كل ذلك ونحن نرسم علم البلاد على وجوهنا ونتأثَّر بالنشيد الوطني ونتحدَّث بشيءٍ من التأليه والفخر القومي عن لاعبي “فريقنا”.

نحو حركة نسائية عالمية جديدة
شهدت الأرجنتين خلال الأسبوع الماضي أكبر مظاهراتٍ نسائية في تاريخها. فقد شارك مئات الآلاف من النساء ومن الرجال المؤيدين لحقوق المرأة في مظاهراتٍ صاخبة ربطت بين المطالبة بتغيير القوانين الرجعية المقيدة لحقِّ المرأة في الإجهاض وبين رفض ومواجهة كافة أشكال التحرُّش الجنسي. وفي ما يبدو أنه أصبح تقليدًا عالميًا، فقد امتلأت المظاهرات بلونين أساسيين: اللون الأخضر وهو يرمز للدفاع عن حق الإجهاض، واللون البنفسجي وهو يرمز لرفض التحرُّش ضد المرأة (لون الكدمات على أجساد ووجوه النساء). ومرة أخرى وكما حدث في أيرلندا، أدى الضغط النسائي الجماهيري إلى فرض مناقشة قوانين الإجهاض في البرلمان الأرجنتيني والتصويت لتغيرها لصالح النساء، رغم معارضة الكنيسة الكاثوليكية واليمين التقليدي.

تأتي الحركة الأرجنتينية ليس فقط بعد الانتصار الكبير لنساء أيرلندا في إلغاء قانون تجريم الإجهاض، ولكن أيضًا بالتزامن مع مظاهراتٍ شبيهة في تشيلي شاركت فيها أيضًا مئات الآلاف من النساء من أجل حقوق المرأة وضد التحرُّش الجنسي.

لم يعد هناك شكٌّ أننا نشهد منذ العام الماضي بدايات جديدة لحركة نسائية عالمية ربما كانت إرهاصاتها الأولى مع التطوُّر السريع لحركة “أنا أيضًا” ضد التحرُّش الجنسي والتي انتشرت عالميًا منذ ذلك الحين. وقد أخذت الحركة النسائية الجديدة دفعةً قوية مع الإضراب النسائي العام بكتالونيا في مارس ٢٠١٨ والذي شاركت فيه أكثر من مليوني امرأة!

وللذين سيقولون أن هذه قضايا لا تخصنا في مصر، فنحن لنا خصوصية ثقافية، وما إلى ذلك، فليقل ذلك لعشرات الآلاف من النساء المصريات اللاتي ينزفن حتى الموت بسبب عملياتِ إجهاضٍ غير آمنة، ولملايين النساء المصريات اللاتي يتعرَّضن لأسوأ أنواع التحرش الجنسي كل يوم في شوارع وميادين ومكاتب ومصانع ومنازل مصر!

ربما آن الأوان لإعادة إحياء الحركة النسائية المصرية والتي رأينا بشايرها مع ثورة يناير ٢٠١١ لتكون جزء من هذا الحراك العالمي الجديد.