بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

رؤيتنا (تقرير سياسي دوري تصدره حركة الاشتراكيين الثوريين) – 27 يونيو 2018

الاشتراكيون الثوريون

أردوغان: الديكتاتور المنتخب!
مرة أخرى يفوز أردوغان بالانتخابات الرئاسية من الجولة الأولى بـ52.6% ويفوز حزبه العدالة والتنمية بـ42.6٪. وعلى الرغم من أن الحزب قد خسر ٧٪ من الأصوات التي حصل عليها في 2015، فسيظل مسيطرًا على البرلمان بسبب تحالفه مع حزب العمل القومي (حزب يميني معادي للأكراد).

أردوغان هو بدون منازع ملك الانتهازية السياسية. فقد وصل حزبه إلى السلطة في 2002 بوجه ديمقراطي يريد تقليص نفوذ الجيش في السياسة التركية (شهدت تركيا قبل ذلك انقلابات عسكرية أو تهديدات بانقلابات عسكرية في 1960 و1970 و1980 و1997). أما وجهه الثاني فكان الوجه الليبرالي الجديد الذي يريد إصلاح الاقتصاد التركي وإدماجه في الاقتصاد الأوروبي والعالمي وتحويل تركيا إلى مركز صناعي ومالي قوي. أما الوجه الثالث فكان الوجه الإسلامي المعتدل والمحافظ والذي يريد فتح المجالات العامة للمسلمين المتدينين بعد أن كانت الإصلاحات الكمالية قد أغلقتها منذ عقود. وأما وجهه الرابع فكان كرجل سلام يريد حلَّ المسألة الكردية بشكل سلمي ومتحضر.

هذا السياسي متعدد الأوجه تمكَّن من بناء قاعدة اجتماعية واسعة ومتنوعة ولكن جذورها في القطاعات المحافظة والمتدينة من الطبقة الوسطى المدينية وبرجوازية الأقاليم وبعض القطاعات الريفية. تحسين الظروف الاقتصادية من جانب وإلغاء التقييد على الشعائر الدينية وارتداء الحجاب من الجانب الآخر شكل البرنامج المثالي لتلك القطاعات.

ولكن وعوده الديمقراطية سرعان ما تبخَّرَت وبدأ مشواره الطويل لتحويل البلاد إلى ديكتاتورية شخصية. فبالفعل تمكَّن عبر سلسلة من المحاكمات من تقليص نفوذ الجيش التركي ولكن ليس لمصلحة الديمقراطية وإنما لمصلحة سيطرة حزبه على كافة مؤسسات الدولة.

هذا الهدف أصبح في متناول اليد بعد محاولة الانقلاب في يوليو 2016. فبعد أن نجى أردوغان من محاولة الانقلاب، لم يكتف بمعاقبة الضباط المُتورِّطين بل استغل الحدث (والذي اعتبره هدية من السماء) في بدء حملة قمعية تجاوزت ما قامت به أنظمة عسكرية سابقة في تركيا. اعتُقِلَ أكثر من مئة ألف شخص وصودِرَت أملاك بقيمة مليارات من الدولارات وطُرِدَ أكثر من 150 ألفًا من وظائفهم. بدأت الحملة ضد حلفائه السابقين (حركة جولن الإسلامية) وسرعان ما طالت كافة الحركات والأحزاب والنقابات والجامعات والإعلام. كان التركيز بالطبع على “تطهير” مؤسسات الدولة، خاصة القضاء. وقد أصبح كل قاض تمكَّن من البقاء في منصبه يعرف جيدًا أن أيَّ أحكامٍ تُغضِب الحكومة ستكون نهايتها الحتمية الطرد وربما السجن.

ومن خلال استفتاء شعبي (لم يحصل فيه إلا على 51٪ من الأصوات) تمكَّن من تغيير الدستور بحيث يصبح النظام رئاسيًا وتتركَّز كافة السلطات في يد رئيس الجمهورية.

أما بالنسبة للقضية الكردية، فقد تحوَّلَت سياسة أردوغان من محاولات الإحتواء والمفاوضات إلى حربٍ شاملة، خاصةً في المناطق الكردية في سوريا. بل تحوَّلَت شعارات ودعاية حزبه الحاكم من التركيز على المحافظة الإسلامية إلى شوفينية تركية خالصة.

يُهلِّل الإخوان المسلمين لفوز أروغان وحزبه ولروعة ما يسمونه “التجربة الإسلامية الديمقراطية التركية”، رغم أنه من حيث السياسات والمصالح ومن حيث الأساليب والأفكار، لا يختلف كثيرًا عن عبد الفتاح السيسي والتجربة الديكتاتورية المصرية! وسيحزن السيساوية لفوز عدوهم اللدود، رغم أن ما يفعله أردوغان اليوم لتثبيت ديكتاتوريته (تغيير الدستور لصالحه، السيطرة الكاملة على مؤسسات الدولة، سحق المعارضة) هو نموذج لما يُخطِّط له السيسي في فترة رئاسته الثانية.

لعلَّ الجانب الوحيد المضيء في نتائج الانتخابات التركية هو فوز الحزب اليساري حزب الشعب الديمقراطي والمتبني للقضية الكردية بأكثر من 10٪ من الأصوات وهو الحد الأدني للتمثيل البرلماني، رغم وجود كثير من قياداته في السجن. وهو ما يعني أنه سيكون داخل وخارج البرلمان معارضة يسارية ترفض سياسات أردوغان وحزبه، ليس من خلال تذيُّل العسكر كحماةٍ للعلمانية كما حدث كثيرًا في التاريخ التركي الحديث، ولكن من خلال سياسة مستقلة وديمقراطية ومعادية للرأسمالية تعبر عن مصالح الغالبية العظمى من الأتراك.

أوروبا: عودة الفاشية؟
إحدى النتائج الرئيسية لأزمة الركود الكبير التي شهدها النظام الرأسمالي العالمي في 2008 وعواقبه الاجتماعية هي صعود لحركات وأحزاب يمينية عنصرية مُتطرِّفة في الرأسماليات الغربية. هذه الأحزاب والحركات تعادي المهاجرين من العالم الثالث وعلى رأسهم بالطبع المهاجرين المسلمين. ففي إيطاليا يشارك في الحكم اليوم حزب العصبة الشمالية الذي ينادي بطرد جميع المهاجرين غير الشرعيين وتسجيل ومراقبة السكان الغجر وتطهير إيطاليا من الثقافة الإسلامية الدخيلة. بل زار وزير الداخلية الإيطالي ليبيا لمحاولة ترتيب إنشاء معسكرات اعتقال لللاجئين الأفريقيين لمنعهم من السفر عبر البحر للشواطئ الإيطالية. وفي النمسا يشارك في الحكم اليوم حزب الحرية اليميني المُتطرِّف والذي لا يكتفي بالمطالبة بطرد اللاجئين ومنع دخولهم البلاد، بل يطالب أيضًا بإغلاق المساجد والمراكز الإسلامية، للحفاظ على “أسلوب الحياة” النمساوية. وفي المجر هناك حالة من الهستيريا المعادية للإسلام والمسلمين والمهاجرين يقودها رئيس الجمهورية وحزبه الحاكم. وفي ألمانيا هناك صعودٌ سريع لحزب “البديل من أجل ألمانيا” والذي دخل الانتخابات الماضية بشعاراتٍ عنصرية لا تختلف كثيرًا عن شعارات الحزب النازي في الثلاثينيات. حتى بريطانيا شهدت مظاهراتٍ للفاشيين شارك فيها أكثر من 10 آلاف في لندن مناهضةً للمهاجرين بشكل عام والمسلمين بشكل خاص.

وعلى الجانب الآخر من المحيط الأطلنطي يصعد دونالد ترامب من حملته العنصرية ضد المهاجرين من المكسيك وأمريكا الجنوبية من جانب (معسكرات اعتقال وفصل الأطفال عن أهلهم) وضد المسلمين من الجانب الآخر (حكم تاريخي للمحكمة الدستورية يؤيد قانون ترامب لمنع مواطني 5 دول ذات غالبية مسلمة من دخول الولايات المتحدة).

هذه الموجة اليمينية العنصرية ستزداد خطورة إذا ما دخل الاقتصاد العالمي حالة جديدة من الركود والانكماش وهو أمرٌ مُتوقَّع خلال الفترة القادمة ومع زيادة تدفق اللاجئين من أفريقيا والشرق الأوسط إلى أوروبا ومن أمريكا اللاتينية إلى أمريكا الشمالية. هذه الزيادة ليست فقط نتيجة للحروب الأهلية والإقليمية وعدم الاستقرار السياسي في بلدان العالم الثالث ولكنها أيضًا نتيجة للفجوة الضخمة في الثروة وفي الدخول بين الدول الصناعية الكبرى وبقية دول العالم: إجمالي الناتج المحلي للفرد في أوروبا الغربية يقترب من 40 ألف دولار في حين لا يتجاوز 3500 دولار في أفريقيا جنوب الصحراء (أي أكثر من عشرة أضعاف). هذه الفجوة تزداد اتساعًا منذ السبعينيات حيث كان إجمالي الناتج المحلي للفرد في أوروبا الغربية 18 ألف دولار في مقابل 2600 دولار في أفريقيا جنوب الصحراء (أي حوالي سبعة أضعاف). هذه الفجوة إلى جانب التغيرات الديومغرافية (تراجع النمو السكاني في أوروبا في مقابل الانفجار السكاني في أفريقيا) تعني أن أزمة المهاجرين والهجرة ورد الفعل اليميني العنصري لهذه الأزمة ستظل وستتفاقم طالما ظلَّ النظام الرأسمالي وعدم المساواة التي يخلقها سواء على المستوى المحلي أو الدولي.

ربما كان التضامن مع المهاجرين ومحاربة الإسلاموفوبيا والعنصرية والدفاع ليس فقط عن قيم الإنسانية والمساواة ولكن أيضًا عن وحدة مصالح الطبقة العاملة (المسلمين وغير المسلمين، البيض والسود، المهاجرين وغير المهاجرين) أهم تحدي يواجه اليسار في أوروبا وأمريكا في السنوات المقبلة.

مصر: بين الفساد والفشل والصفقات الإقليمية
فجَّرَ الفشل الاسثنائي للفريق المصري في نهائيات كأس العالم حالةً من الغضب ليس فقط تجاه أداء المدرب واللاعبين ولكن والأهم تجاه حالة الفساد وسوء الإدارة التي تهيمن على كل مناحي الحياة في مصر السيسي. فسلسلة الفضائح التي لا يبدو أنها تنتهي (اتحاد الكرة ورئيس الشيشان، وفد “الفنانين والإعلاميين”، المسئولين وبيع تذاكر المباريات في السوق السوداء الروسية، إلخ، إلخ). هذا المزيج بين الفساد والفشل هو سمةٌ أساسية من سمات الطبقة الحاكمة المصرية منذ عقود. بل أن قدرة هذه الطبقة على البقاء في الحكم يعتمد في الأساس، إلى جانب القمع والاستبداد، على الأدوار التي يلعبها النظام إقليميًا. ففي سبعينيات القرن الماضي واجه السادات الأزمة الاقتصادية وانفجار الغضب ضد رفع الأسعار في ١٩٧٧ بتنازلات كامب ديفيد والسلام مع إسرائيل، وفي عام 1990 خرج مبارك من أزمةٍ اقتصاديةٍ طاحنة (عنوانها أيضًا فشل الإدارة والفساد) بالمشاركة العسكرية في حرب الخليج الأولى إلى جانب الجيش الأمريكي. وطوال التسعينيات كان النظام المصري يشارك في الضغط على الفلسطينيين لتقديم التنازلات في المفاوضات وفي ما بعد اضطلع بدورٍ رئيسي ومازال في حصار غزة ومحاولة خنق المقاومة الفلسطينية.

ولكن يبدو أن السيسي سيتجاوز من سبقه في مجال الخدمات الإقليمية لإسرائيل والسعودية والولايات المتحدة. فأزمة الطبقة الحاكمة الآن أعمق وأعنف من السابق ومستوى الفشل والفساد قد تجاوز حتى ما شهدناه في أعوام مبارك الأخيرة، وبالتالي فالتنازلات الإقليمية المطلوبة ستكون أكبر وأخطر. وقد رأينا كيف باع النظام جزر تيران وصنافير للسعودية في مقابل مساعدتها له في الخروج من أزمته المالية. ويبدو أن دور النظام المصري في ما يسمى إعلاميًا بصفقة القرن سيكون في نفس الإطار. لا نعرف بعد تفاصيل الخطة الأمريكية ولكن ما نعرفه تمامًا أنها تتطلَّب مزيدًا من التنازلات من قبل السلطة الفلسطينية وتصفية نهائية للمقاومة في غزة، وما نعرفه أيضًا أن الدور الرئيسي في الضغط من أجل هذه التنازلات تلعبه السعودية ومصر السيسي. مرة أخرى يحاول النظام الخروج من أزمته بلعب دور المرتزقة إقليميًا.

يحاول السيسي تثبيت حكمه الديكتاتوري من خلال سياسات الإفقار الليبرالية الجديدة داخليًا ليدفع الفقراء ثمن فشل وفساد نظامه ومن خلال تقديم خدماته الإقليمية لسادته في الرياض وتل أبيب وواشنطن. وإذا كان على اليسار المصري المعارض دورًا كبيرًا في الشهور والسنوات المقبلة في مناهضة سياسات الإفقار الرأسمالية وفضح فساد وفشل النظام، فعليه دورٌ لا يقل خطورة في دعم المقاومة ومناهضة محاولات تصفية القضية الفلسطينية.