بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

“ايه آخرتها مع الظباط؟”

596528_1

كان سيد حجاب أحد أهم شعراء العامية في مصر وقد اشتهر كمؤلف كلمات أغاني المسلسلات التلفزيونية الأشهر (أرابيسك، وليالي الحلمية، وبوابة الحلواني، إلخ). واشتهر أيضًا في أعوامه الأخيرة قبل وفاته في يناير ٢٠١٧ باعتباره أحد أهم المثقفين المؤيدين لانقلاب عبد الفتاح السيسي في ٢٠١٣ وعضو هام في لجنة دستور الانقلاب، بل وكاتب ديباجة الدستور الجديد. ولكنه لم يكن دائمًا من مؤيدي العسكر، ففي نهاية الستينيات ألَّفَ كلمات أغنية للشيخ إمام بعنوان “حطة يا بطة” فيها انتقادٌ لاذع لحكم العسكر في ذلك الزمان بها جمل مثل: “حاكم بابا شغلته ظابط، ظابط هابط، شابط لابط، راقع خابط، نازل شافط، طالع لاهط، عمره ما فكَّر فكرة وصابت”. وينهيها بتساؤل: “ايه آخرتها مع الضباط؟ بيروقراط على تكنوقراط؟”.

خمسون عامًا بعد تلك القصيدة ونحن نسأل من جديد: ايه آخرتها مع الضباط؟ ففي أيامنا هذه لا يمر أسبوعٌ دون أخبار عن قانونٍ جديد لصالح الضباط أو مجال اقتصادي أو اجتماعي جديد يُؤمَّم لصالح الجيش والأجهزة الأمنية. بل أذهلنا البرلمان المصري الأسبوع الماضي بقانونٍ جديد يجعل من كبار الضباط (الذين يرضى عنهم رئيس الجمهورية) أرستوقراطيةً جديدة لا يمسَّها القضاء وتتمتَّع بكافة مزايا السفراء والوزراء مدى الحياة! هذا قانونٌ يوافق عليه أعضاء برلمان يُفتَرَض نظريًا أنه منتخب ديمقراطيًا. ولكننا نعرف بالطبع أن البرلمان المصري لا ينتخبه الشعب بل تُعيِّنه نفس تلك الأرستوقراطية العسكرية الأمنية.

في أيام مبارك كان هناك “حزبٌ” حاكم فاسد ومتداخل مع الأجهزة الحكومية والأمنية و “حزب” معارض/مهادن متمثل في الإخوان المسلمين وبعض الأحزاب والحركات الهامشية. أما في أيامنا هذه، فقد عدنا لنموذج الاتحاد الاشتراكي في عصر عبد الناصر (بدون شعار الاشتراكية بالطبع). هذا النموذج لا أحزاب فيه، لا حاكمة ولا معارضة، ولا تجري ترقية أو تعيين أو ترشيح لبرلمان أو نقابة أو مجلس إدارة دون قرار وموافقة من الأجهزة الأمنية التابعة للأرستوقراطية العسكرية والمُختارة بدورها من قِبَلِ “الزعيم المُلهِم” رئيس الجمهورية.

هذا الواقع المأساوي أخذ منحى كوميدي أيضًا خلال الأسبوع الماضي حين تصوَّرَ مكرم محمد أحمد، رئيس المجلس الأعلى للإعلام، أنه أحد “رجال الرئيس” وليس مجرد خادم عابر وتجاوز حدوده بحظر النشر في فضيحة تبرعات مستشفى. فعلى الفور حُوِّلَ لنيابة أمن الدولة وأُلغِيَ حظر النشر المُزوَّر، وصدر حظر نشر جديد في قضية التحقيق مع مكرم محمد أحمد!

نعيش اليوم في ظلِّ منظومةٍ تتضمَّن أسوأ ما في التجربة الناصرية وأسوأ ما في التجربة المباركية. فالاستبداد وتأميم السياسة وسيطرة الأجهزة الأمنية والإعلام المُوجَّه ودولة الخوف والمخبرين، منقولة من النموذج الناصري. أما التقشُّف وإلغاء الدعم والخصخصة والإفقار والتشريد فهي كلها استمرار وتكثيف لنموذج مبارك وعصابته.

ما يؤكِّده التاريخ هو أن مثل هذه التوليفة من الرأسمالية التقشُّفية والديكتاتورية العسكرية شبه المُطلَقة غير قابلة للاستمرار على المدى الطويل. ولكن ما يؤكِّده التاريخ أيضًا هو أن مثل هذه الأنظمة لا تسقط من تلقاء نفسها. فالتخلص منها يستدعي نضالًا طويلًا وشاقًا من أجل إعادة كسب المساحات الديمقراطية من جديد ومن أجل مناهضة الليبرالية الجديدة والدفاع عن معيشة وحياة الغالبية من المصريين وحقهم في السكن والعلاج والتعليم والعمل والأجور التي تُمكِّنهم من عيش حياة كريمة.

لنبدأ معًا في شقِّ هذا الطريق الطويل لتجاوز محنة حكم الرأسمالية والجنرالات.