بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

السيسي وجولة جديدة من الأكاذيب

في العامين التاليين لانقلاب 2013 كانت جامعة القاهرة ساحةً لقتل وضرب واعتقال الطلاب المعارضين بأمر عبد الفتاح السيسي وحكومته “الانتقالية”. أما الأسبوع الماضي فقد تحوَّلَت نفس هذه الجامعة إلى ساحةٍ للحوار بين الرئيس و”شبابه” حول إنجازاته في فترته الأولى وحول خططه المستقبلية.

ولعل أول ملاحظة حول هذه الحوار من طرف واحد هو أن الرجل ليس لديه أي نية للاكتفاء بفترته الثانية، فكل مشاريعه الكبرى وعلى رأسها عاصمته الجديدة، لن تُنجَز المراحل الأولى منها إلا مع انتهاء فترته الثانية. لن يترك السيسي الرئاسة إلا مخلوعاً، فهو يتحدث وكأنه باني مصر الحديثة الذي سيحقق في عصره ما فشل فيه كل الرؤساء من قبله منذ الخمسينيات. وجنون العظمة هذا لا يتماشى مع فترتي رئاسة والتحول إلى رئيس سابق. السيسي يخطط لرئاسة لعقود إن لم يكن مدى الحياة. وهذا ما يفسر غضبه من هاشتاج “ارحل يا سيسي”. فهو لن يفهم أبداً كراهية غالبية الشعب له ولنظامه وسينظر دائماً لمظاهر تلك الكراهية كنتيجة لمؤامرات خارجية من “قوى الشر”. فالسيسي أقرب من حيث العقلية للعقيد القذافي منه لمبارك ولا شك أن آخر كلماته في لحظة خلعه ستكون “من أنتم؟”.

ولأن السيسي قائد انقلاب عسكري فهو دائم القلق على شرعية حكمه. فنجده يؤكد مرة أخرى أن الشعب هو الذي استدعاه للإطاحة بالإخوان وأن البديل كان سيكون الفوضى والحرب الأهلية و”النفق المظلم”. ولكنه أكَّدَ أيضاً أن الأزمة بدأت بثورة يناير 2011 وأنه (بحكم بصيرته وعبقريته) بدأ على الفور في العمل على إنقاذ الدولة (وقد أشار إلى أحد رجاله في القاعة – ضياء رشوان الذي يبدو أنه شارك معه مخاوفه وخططه في فبراير 2011).

وقد أكَّدَ أيضاً على امتنانه وولائه لدول الخليج التي موَّلَت انقلابه وأمدَّته بكمياتٍ هائلة من البترول والغاز والأموال بعد الانقلاب. فشيوخ الخليج بالفعل عنصر رئيسي من عناصر قوى الثورة المضادة في منطقتنا وليس فقط في مصر. وسيمولون ويدعمون كل هذه الديكتاتوريات العسكرية وسيقفون دائماً عقبة ليس فقط في طريق الثورة بل في طريق أي تطور ديمقراطي في المنطقة.

والملاحظة الثالثة حول حوار السيسي هو تأكيده على استمرار سياساته الاقتصادية الليبرالية الجديدة وأن المستقبل القريب سيشهد المزيد من زيادة الأسعار ورفع الدعم ومزيد من التقشف. وأن الشعب عليه التحمُّل والتضحية وحتى الجوع من أجل الوطن. من أجل مصر. وكأن مصر هذه كائنٌ منفصلٌ عن الشعب، وكأن تجويع وإفقار المواطن يصب في مصلحة الوطن الذي يعيش فيه!

ربما كان الأكثر استفزازاً في ما قاله السيسي وكرَّرَه كثيراً هو أن البلاد فقيرة وأنه لا يمكن زيادة الأجور حتى نخرج من عنق الزجاجة. ولكن عنق الزجاجة لم تمنع أن يكون هشام طلعت مصطفى حاضراً للمؤتمر وفي الصفوف الأولى بين رجال الدولة والجيش. وطلعت مصطفى هو ملياردير فاسد وقاتل، حتى بحكم القضاء الذي يتغنَّى السيسي بـ”شموخه” دائمًا، علاوة على كونه عضوًا قديمًا في الحزب الوطني ولجنة سياسات جمال مبارك قبل ثورة يناير. وقد جاء به السيسي من السجن ليعود كأحد أكبر رجال الأعمال في مصر وأحد شركاء السيسي في مشاريع العاصمة الجديدة. وهذا مجرد مثال واحد من الكثير، فنفس الذين كانوا ينهبون ثروات الشعب المصري في زمن مبارك قد أعيدوا إلى مواقعهم لاستكمال النهب وإن كان هذه المرة في شراكة مع المؤسسة العسكرية. نفس مصر الفقيرة هذه يمكنها إهدار المليارات لمضاعفة أرباح الطبقة الحاكمة ولكنها غير قادرة على زيادة أجور ودخول الفقراء!

وبينما كان مؤتمر السيسي منعقد في جامعة القاهرة، كان قضاؤه يصدر حكمًا بالموت بحق 75 من جماعة الإخوان المسلمين في قضية “فض رابعة”، المذبحة التي قُتِلَ فيها المئات على أقل تقدير، لازالت مستمرة لتعصف بحياة عشرات، واللافت أن قرار إحالة أوراق 75 للمفتي جاء قبل أسابيع قليلة من ذكرى المذبحة، التي ستبقى وصمة عار على جبين السيسي وانقلابه. لقد كانت مذبحة رابعة إرهابًا مُنظَّمًا لكل من يحاول معارضة نظام السيسي، واليوم يصدر الحكم بالإعدام استمرارًا لإرهاب كل من يحاول تعطيل مسيرة الديكتاتور وتعديله للدستور للبقاء في الحكم للأبد. ومثلما افتتحت مذبحة رابعة عصر مواجهة الاحتجاجات بالقمع والرصاص، سواء كان المحتجون معارضين أو عمالًا أو طلابًا، وحتى لو حملوا الورود، فإن أحكام الإعدام التي تصدر ليست سوى كشفٍ لما سيواجه من سيعارض السيسي في المستقبل القريب.

محاولة السيسي التحلي بروح دعابة سمجة عندما علَّق على رقصة “تحدي الكيكي” كشفت مدى لامبالاته بما يعانيه الفقراء، بتندُّره على رفع أسعار الوقود، ولكنه أيضًا كشف صراحةً أن أي استخدام للمجال العام خارج السيطرة المطلقة لسلطته لن يتسامح معها، حتى وإن لم تحمل أي ملمح معارض؛ الرقص مسموح به فقط أمام صناديق انتخابه من قبل المواطنين والمواطنات الشرفاء وعلى أناشيد تسلم الأيادي وبشرة خير، وفي حراسة الأمن.

هذه هي مصر السيسي إذن: الاستبداد والقمع للجميع بحجة الحرب على الإرهاب والإفقار للأغلبية بحجة الإصلاح والتنمية. هذا هو السيسي الذي يستعد لتغيير الدستور للبقاء في الحكم مدى الحياة! هذا هو التحدي الذي يواجه كل القوى الديمقراطية المعارضة. هل سنظل في حالة الشلل الحالية؟ أم نبدأ في تحويل هاشتاج “ارحل يا سيسي” من مجرد معارضة رمزية وفردية إلى حملة منظمة تجمع كل قوى المعارضة لتخليص “مصر” من هذا الكابوس؟