بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

رؤيتنا (تقرير سياسي دوري تصدره حركة الاشتراكيين الثوريين) – 8 أغسطس 2018

رؤيتنا

وباء الأزمات الاقتصادية من تركيا أردوغان إلى مصر السيسي
من المؤكد أن كثيرًا من مؤيدي نظام السيسي ينظرون اليوم لانهيار الاقتصاد في تركيا أردوغان بكثيرٍ من التشفي والارتياح. ولكن ربما كان من الأفضل لهم التمعُّن قليلًا في تفاصيل الأزمة التركية. فتلك الأزمة هي جزءٌ مما يحدث في مجموعة من دول ما يسمى بالأسواق الناشئة. تلك المجموعة تتميز بديون خارجية ضخمة وعجز متزايد في ميزان الحساب الجاري وفي ميزان المدفوعات. ومصر السيسي نموذج لدول المجموعة وما حدث في الأرجنتين خلال العام الماضي وما يحدث في تركيا اليوم مرشح أن ينتشر كالوباء لباقي دول المجموعة (وعلى رأسها جنوب أفريقيا وأوكرانيا ومصر).

كانت سياسة أردوغان الاقتصادية تعتمد على ضخ الأموال في مشاريع بنية تحتية وتنمية عقارية ضخمة مما كان يؤدي بدوره إلى تنشيط الاقتصاد ككل. وكانت هذه السياسة ناجحة طالما تمكن أردغان من تمويلها من خلال جذب إستثمارات أجنبية ببيع السندات الحكومية وأيضًا من خلال الاقتراض العام والخاص من البنوك الأجنبية.

ولكن ما يحدث في الاقتصاد الغربي والأمريكي بشكل خاص خلال الفترة الحالية قد وضع نهاية لنجاح مثل تلك السياسات. لماذا؟ أولًا لأن الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي (البنك المركزي) بدأ في رفع الفائدة على الدولار خلال العام الماضي وسيستمر في ذلك طوال العام المقبل. هذا بعد سنوات من الحفاظ على سعر الفائدة قريبًا من الصفر بهدف تنشيط الاقتصاد بعد الركود الكبير في 2008. وقد تدفقت الأموال من منطقة الدولار ذات الفائدة الضئيلة إلى السندات في الأسواق الناشئة ذات سعر الفائدة المرتفع للاستفادة من الفارق الكبير. أما الآن ومع ارتفاع الفائدة على الدولار يتسابق المستثمرون للعودة للسوق الأمريكي والهروب من الأسواق الناشئة الأكثر اضطرابًا. وثانيًا هناك ارتفاع متزامن لقيمة الدولار الأمريكي بالنسبة للعملات الرئيسية الأخرى (ارتفع الدولار بأكثر من 15% خلال العام الحالي) مما يعني زيادة أسعار الواردات وارتفاع قيمة الديون والفوائد على الديون بالنسبة للأسواق الناشئة. وثالثًا مما يزيد من العبء على الحكومة التركية ومثيلاتها هو ارتفاع أسعار البترول عالميًا مما يزيد من تكلفة الطاقة.

أدت هذه العوامل ومعها انفراد أردوغان بإدارة السياسة المالية (عين زوج ابنته رئيسًا للبنك المركزي) إلى هروب رأس المال الأجنبي من السندات التركية (وصلت الفائدة على السندات الحكومية إلى 20%) وانهيار لقيمة الليرة (فقدت نصف قيمتها هذا العام). وقد أوشكت الحكومة التركية على الإفلاس وربما اللجوء لصندوق النقد الدولي للاتفاق على قرض عاجل لإنقاذ الاقتصاد من الانهيار التام.

ولكن إذا نظرنا للأرقام سنجد الوضع في مصر أكثر خطورة على المدى المتوسط من الوضع التركي. فالعجز في ميزان الحساب الجاري في تركيا وصل 5.5% من إجمالي الناتج المحلي في حين أنه تجاوز 6.5% في مصر. والدين الخارجي التركي وصل 53% من إجمالي الناتج المحلي والنسبة أقل في مصر ولكنها تزيد بمعدل سريع (36% من إجمالي الناتج المحلي).

وقد رأينا السيسي يتفاخر ومعه رئيس البنك المركزي باحتياطي النقد الأجنبي الذي وصل إلى 44 مليار دولار. ولكن إحتياطي النقد الأجنبي في تركيا تجاوز ١٣١مليار دولار. المهم ليس الرقم ولكن نسبته من الدين الخارجي (أقل من 55% في الحالة المصرية. وإذا أضفنا إلى ذلك معلومة أن الدين الحكومي في مصر يصل إلى 102% من إجمالي الناتج المحلي في حين لا يتجاوز 28% في تركيا، يصبح واضحًا أن الوضع الاقتصادي في مصر غير قابل للاستمرار طويلًا وأننا يمكن أن نشهد خلال العام القادم، ورغم أن مصر سبقت تركيا في اللجوء لصندوق النقد، أزمة مالية عنيفة وانهيار جديد لقيمة الجنيه ودورة جديدة من التسول السيساوي في الخليج والغرب بحثًا عن القروض والهبات والمساعدات. والأهم والأخطر من ذلك هو أن نظام السيسي سيجعل الشعب يدفع ثمن أزمته مجددًا بموجة جديدة من زيادة الأسعار ورفع الدعم وتجميد الأجور.

الأزمة الحالية في تركيا والأزمة القادمة في مصر هي نتيجة لنفس السياسات الاقتصادية الرأسمالية التي تجعل الاقتصادات والشعوب عرضة لكل تحول أو تقلب في الاقتصاد العالمي ولكنها أيضًا نتيجة لجنون العظمة المشترك بين الرئيسين أردوغان والسيسي وحبهم للمشاريع العملاقة الممولة بالديون الخارجية والتي سيتحمل ثمنها فقراء مصر وتركيا.

ملالي إيران بين غضب الجماهير والعقوبات الأمريكية
احتلت إيران مركز الصدارة في اهتمام وسائل الإعلام العالمية خلال الأسبوع الماضي وذلك لسببين: الأول بالطبع هو بدء العقوبات الأمريكية القاسية على خلفية انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاقية النووية مع إيران، والثاني هو اندلاع موجة من المظاهرات الكبرى داخل إيران. المظاهرات بدأت قبل بدء تنفيذ العقوبات الأسبوع الماضي.

كان المحرك الأول لهذه الظاهرات هو الزيادة الكبيرة في أسعار السلع الأساسية وإنخفاض قيمة الريال الإيراني. ولكن سرعان ما رفع الجماهير شعارات ضد الاستبداد وضد الفساد. هذه الموجة من الغضب هي الأولى منذ المظاهرات الضخمة في ديسمبر ويناير الماضيين والتي نجحت في إرغام النظام على التراجع عن بعض القرارات برفع الأسعار والاعتراف من خلال آية الله علي خامنائي بأن هناك ضرورة لإعادة النظر في السياسات الاقتصادية.

في الماضي كانت الدولة نفسها تنظم المظاهرات ضد السياسات الأمريكية وكان الشعار الرئيسي هو “الموت لأمريكا” ولكن الشعارات في مظاهرات الأسبوع الماضي كانت “الموت للبطالة” و “الموت لزيادة الأسعار” و”تسقط الديكتاتورية والفساد” و”الموت لخامنئي”.

هناك رفض شعبي واسع النطاق لعودة العقوبات الاقتصادية الأمريكية ولكن هذا الرفض لم يترجم إلى تأييد للنظام. عقود من الفساد والليبرالية الجديدة من قبل النخبة الحاكمة جعل الغضب الجماهيري يظل موجهًا للنظام الحاكم رغم العقوبات.
ولكن ما من شك أن النظام الإيراني سيحاول استخدام العقوبات وتهديدات دونالد ترامب لحرف الغضب نحو أمريكا.

أما قرار ترامب بالانسحاب من الاتفاقية النووية مع إيران فلابد أن يفهم في سياق الصراع الإقليمي بين السعودية وحليفتها إسرائيل من جانب وإيران من الجانب الآخر على الهيمنة العسكرية والسياسية في الشرق الأوسط. الولايات المتحدة بالطبع تؤيد السعوديين والصهاينة. ولكن هذا لا يجعل الجانب الإيراني “تقدميًا” أو “معاديًا للإمبريالية”، فالطبقة الحاكمة الإيرانية لا تختلف في استبدادها وفسادها وعدائها للجماهير عن الطبقة الحاكمة السعودية. أما دعاية النظام الإيراني حول عدائه للصهيونية فهي مجرد شعارات تعبوية فلم تطلق إيران رصاصة واحدة في إتجاه إسرائيل منذ نشأة الجمهورية الإسلامية.

العقوبات الأمريكية الحالية ستعمق من الأزمة الإقتصادية في إيران، خاصة بعد انهيار قيمة الريال في الشهور الثلاثة الماضية. تتضمن العقوبات صناعة السيارات وتداول الدولار الأمريكي والذهب وأيضًا صناعات الحديد والصلب والمعادن. وما يجب الانتباه إليه هو أن هناك مرحلة ثانية من العقوبات في نوفمبر تتضمن تصدير وصناعة البترول والغاز والبنوك. وكالعادة فالذي يدفع ثمن العقوبات هو غالبية الشعب الإيراني وليس النظام والطبقة الحاكمة.

ولكن يبدو هذه المرة أن الجماهير الإيرانية ستقاوم ذلك بشدة. موجة الغضب الحالية يمكن اعتبارها إمتدادًا للحراك الجماهيري الذي بدأ في ديسمبر ويناير الماضي. هذا الحراك تجاوز المظاهرات حول الأسعار ليشمل أيضًا موجة من الإضرابات العمالية وسلسلة من المظاهرات والفعاليات النسائية ضد القوانين الرجعية المكبلة لحرية المرأة الإيرانية.

خلال 2018 شهدنا مظاهرات واحتجاجات في تونس والمغرب والأردن والآن في إيران، وكلها تتمحور حول رفض سياسات التقشف ورفع الأسعار والفساد والرأسمالية. الظروف والسياسات التي مهدت للثورات العربية في 2011 مازالت كما هي ومازال الجماهير يتحركون لمقاومتها بكل ما يعنيه ذلك من فرص وتحديات للثوريين في المنطقة.

المرأة والثورة اليوم
شهد العالم خلال العامين الماضيين سلسلة من الحملات والحركات الاجتماعية والتظاهرات ضد مختلف أشكال إضطهاد المرأة من التحرش الجنسي والعنف إلى القوانين المقيدة لحرية المرأة وحقها على جسدها. وقد انتشرت المظاهرات والإضرابات النسائية حول العالم من تشيلي في الجنوب إلى أسبانيا وأيرلندا والولايات المتحدة في الشمال. وقد أظهرت هذه الموجة الجديدة مدى عالمية إضطهاد المرأة وبالتالي عالمية قضية المرأة، فالتحرش والعنف ضد المرأة وإن كانت درجته وانتشاره تختلف من بلد إلى آخر فهي ظاهرة تتخطى كل الحدود من البلاد الغنية المتقدمة إلى البلاد النامية الفقيرة ومن الشرق إلى الغرب مهما تنوعت الثقافات والديانات والتقاليد.

وفي مصر فقد انفجرت قضية المرأة قبل الموجة العالمية الأخيرة مع اندلاع الثورة في 2011. فقد فرضت القضية نفسها بمشاركة مئات الآلاف من النساء في إعتصامات ومظاهرات الثورة. هذه المشاركة الواسعة (ومعها المشاركة الواسعة للأقباط)، قد لعبت دورًا حاسمًا في عدم صبغ الموجات الأولى من الثورة بأي صبغة دينية.

وقد بدأت قوى الثورة المضادة على الفور في التدخل العنيف لمحاولة إبعاد النساء عن الثورة بالدعاية السوداء الكاذبة حول النساء المشاركات وأخلاقياتهن ثم اعتقال الثوريات وإخضاعهن لكشوف العذرية المهينة على يد ضباط الجيش والتي خرج اللواء عبد الفتاح السيسي ليدافع عنها في الإعلام. ثم جاءت سلسلة وراء الأخرى من هجمات العنف والتحرش المنظمة من قبل بلطجية النظام. وكان رد الفعل لهمجية النظام تنظيم أكبر مظاهرات نسائية منذ ثورة 1919 في مواجهة التحرش والعنف والتمييز ضد المرأة.

إن المشاركة الجماهيرية للنساء في الثورة ورد الفعل العنيف لتلك المشاركة من قبل النظام بضباطه وإعلامه وبلطجيته لا شك أنها خلقت ولو بدايات تغير في وعي الكثير من الرجال الثوريين. وكان يبدو أننا على مشارف حركة نسائية جديدة تشكل عنصرًا أساسيًا من عناصر الثورة. ولكن التطورات التالية أوقفت ذلك التطور وأوقفت معها الثورة كلها.

فقد شاهدنا أولًا حشد الحركة الإسلامية لجماهيرها وهيمنتها على الشارع السياسي بكل ما يعنيه ذلك من رؤية محافظة ورجعية لقضايا المرأة. ثم شاهدنا كيف تمكن السيسي ورجاله من تعبئة قطاعات واسعة من نساء الطبقة الوسطى حول الدفاع عن العائلة والأخلاق والأمن والتحريض ضد ذلك النموذج الآخر للمرأة والذي ظهر مع الثورة: المرأة كعاملة وطالبة وثورية بل وشهيدة، لصالح نموذج رجعي للمرأة كأم وبنت وزوجة تحمي الأسرة وبالتالي الوطن من الفوضى والانهيار.

وبالطبع لم يرد التيار الإسلامي تحدي دعاية الدولة فهم يشاركونها في رجعيتها وعدائها للمرأة. ولكن حتى اليسار لم يتمكن أيضًا بمختلف تياراته وتنظيماته من أن يصبح منبر للنساء المناضلات ولمطالب الحركة النسائية الوليدة. بل في كثير من الحالات كان ينفر النساء المناضلات ويدفعهم للعمل بشكل مستقل عن اليسار سواء بمحاولات بناء حركة نسوية مستقلة أو بالعمل الفردي من خلال منظمات المجتمع المدني. هذا الفشل لليسار يمثل نقطة ضعف خطيرة، خاصة لليسار الثوري. ففي أي موجات ثورية قادمة، بل مع أي انفراجة سياسية أو ديمقراطية ستكون قضية المرأة في القلب منها، سواء للقوى الثورية أو القوى المضادة للثورة كما شاهدنا في ثورة يناير 2011.

وقد تعددت أسباب هذا الفشل من اعتبار قضية إضطهاد المرأة قضية ثانوية، ستحل بشكل سحري بعد الثورة الاشتراكية، إلى عدم الاهتمام بشكل كافي بمحاربة بقايا التراث الذكوري عند الكثير من رجال اليسار. لا توجد المساحة الكافية هنا للدخول في تفاصيل نقاط الضعف هذه الآن، ولكن من المؤكد أن مناقشتها ودراستها وتجاوزها هي من المهام الأساسية لليسار المصري اليوم. ونحن ندعو كل شركائنا في النضال ضد اضطهاد المرأة من الحركة الاشتراكية بتنويعاتها ومن الحركة النسوية بتنويعاتها لنقاش مفتوح حول علاقة قضية الثورة بقضية المرأة على المستوى النظري والنضالي والتنظيمي وحول كيفية توحيد الصفوف في المعارك القادمة.