بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

سمير أمين 1931-2018

رحل عن عالمنا هذا الأسبوع المفكر اليساري الكبير سمير أمين. كان بحق أحد عمالقة مدرسة التبعية خلال ستينات وسبعينات القرن الماضي. اشتبك سمير أمين مع الماركسية لينتج سلسلة من الأعمال النظرية والتاريخية الهامة حول قانون القيمة على المستوى العالمي وحول العلاقة بين المراكز الرأسمالية (الدول الصناعية الكبرى) والأطراف (الدول النامية أو العالم الثالث). كانت إحدى أطروحاته هي أن الفارق في الأجور بين عمال دول المراكز وعمال دول الأطراف أكبر من الفارق في الإنتاجية بينهما. ويؤدي ذلك إلى “تبادل غير متكافى” بين المراكز والأطراف وما يمكن اعتباره “ريوع إمبريالية” تذهب إلى الشركات الكبرى في دول المراكز. أي أن عملية إستخراج فائض القيمة ليست فقط علاقة بين رأس المال والعمل المأجور كما كان يطرح ماركس ولكن أيضًا علاقة بين دول العالم الأول ودول العالم الثالث.

ما يعنيه ذلك هو أن معدل الاستغلال الواقع على عمال دول الشمال أقل من ذلك الواقع على عمال دول الجنوب، ويشكل ذلك بالنسبة لسمير أمين أحد العقبات الرئيسيّة في طريق وحدة الطبقة العاملة العالمية.

كان الاستنتاج السياسي لهذا “التطوير” لنظرية القيمة الماركسي هو أنه لا يمكن تحدي نمط الإنتاج الرأسمالي دون سلسلة من الثورات الوطنية في العالم الثالث التي “تفك الارتباط” مع المراكز الإمبريالية والشروع في برنامج من التنمية المستقلة. كان ذلك بالنسبة لسمير أمين ليس فقط السبيل الوحيد للتحرر الوطني والتنمية الحقيقية ولكن أيضًا الوسيلة الوحيدة لإعادة توحيد الطبقة العاملة العالمية وبالتالي تحقيق الثورة الاشتراكية على المستوى العالمي.

وهكذا فهم سمير أمين ثورات القرن العشرين في المكسيك والصين وكوبا والجزائر وفيتنام ومحاولات تشي جيفارا تصدير ثورات التحرر الوطني.

ولكن ومنذ الثمانينيات ومع تحول غالبية تلك البلدان بما فيها فيتنام للاندماج في الاقتصاد الرأسمالي العالمي بدلًا من الاستقلال عنه ونجاح العديد من دول الجنوب في تحقيق طفرات في النمو والتصنيع من خلال توطيد الارتباط بدلًا من “فك الارتباط” كما كان يقترح سمير أمين ورفاقه في مدرسة التبعية، أخذت أفكار تلك المدرسة في التراجع بعد أن كانت حتى سبعينيات القرن الماضي من الأركان الفكرية الأساسية لغالبية الحركات والأحزاب اليسارية، سواء في الشمال أو الجنوب.

الإسهامات الضخمة لسمير أمين (أكثر من 40 كتاب) شملت أيضًا استخدام منهج المادية التاريخية لبحث وفهم أنماط الانتاج السابقة للرأسمالية. وربما كان هذا أكثر المجالات التي ظهر فيها إبداعه كمفكر ماركسي. تحدى سمير أمين النظرية الستالينية الجامدة حول “الحتمية التاريخية” والتطور الضروري من نمط الإنتاج العبودي إلى الإقطاعي إلى الرأسمالي وحتميًا إلى الإشتراكي. طرح أمين أن التطور التاريخي بين أنماط الإنتاج أكثر تعقيدًا وديناميكية من هذا النموذج التبسيطي المخل، وأن هناك العديد من التنويعات لأنماط الإنتاج قبل الرأسمالية وما يجمعها بشكل عام هو طبيعتها كأنماط إنتاج خراجية، وأن نمط الانتاج الإقطاعي هو مجرد تنويعة من تنويعات نمط الإنتاج الخراجي. بل طرح أمين أن نمط الإنتاج الإقطاعي الذي تطور في أوروبا الغربية كان شديد التخلف بالمقارنة بأنماط خراجية أخرى (كتلك التي هيمنت في العالم الإسلامي على سبيل المثال)، وأن ظهور نمط الإنتاج الرأسمالي على أنقاض الإقطاع الأوروبي كان نتيجة لذلك التخلف النسبي.

سمير أمين لم يكن مفكرًا ومنظرًا وكاتبًا غزير الإنتاج فقط، ولكنه لعقود طويلة كان مناضلًا ضد الرأسمالية العالمية وآثارها الاجتماعية والسياسية ولعب (وهو في عقده السابع) دورًا كبيرًا في حركة مناهضة العولمة الرأسمالية التي اندلعت في العقد الأول من هذا القرن وكان أحد رموزها الهامة.

ربما كان الجانب المؤسف الوحيد في حياة ذلك المفكر الكبير هو موقفه المؤيد لانقلاب عبد الفتاح السيسي. ربما كان سبب ذلك البعد الطويل عن الساحة السياسية في مصر (فقد عاش منذ الستينيات بين باريس وداكار)، وربما كان السبب هو عداؤه الشديد للحركات الإسلامية واعتبارهم مجرد أدوات في أيدي القوى الإمبريالية لمنع شعوب العالم العربي والإسلامي من التحرر والتقدم.

وعلى أية حال فرغم المواقف الخاطئة ورغم الاختلافات النظرية والسياسية مع سمير أمين فقد خسرنا بحق عملاقًا فكريًا وربما كان السبيل الأفضل لتكريمه هو البناء النقدي على ما تركه من إنتاج غزير لإحياء الماركسية في منطقتنا.