بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

أزمة صلاح واتحاد الكرة: ابحث عن الفساد

لم يمر الكثير من الوقت حتى صعدت مرةً أخرى أزمةٌ “رياضية” جديدة في أعقاب الهزيمة المُخزية في بطولة كأس العالم. هذه المرة أيضًا بين اللاعب محمد صلاح واتحاد الكرة المصري، إثر ما أدلى به اللاعب من شكاوى عديدة تتعلَّق بما يتوجَّب على الاتحاد من أدوارٍ كان من المُفتَرَض أن يقوم بها أثناء كأس العالم، وكذلك غيرها من المظالم التي تقع على عاتق الاتحاد، والتي كانت خلال الأيام الماضية مثار حديثٍ على شبكات التواصل الاجتماعي.

كلمة السر: الفساد
جاءت الأزمة الأولى بين الطرفين في أبريل الماضي، حين توسَّطَت صورة محمد صلاح الإعلان الذي غطى الطائرة الخاصة للمنتخب المصري. خَرَجَ حينها صلاح في تغريدةٍ على تويتر عبَّرَ فيها عن غضبه من استغلال صورته من شركة “بريزنتيشن سبورت”، المسئولة عن الحقوق الإعلانية للمنتخب والمملوكة بشكلٍ كامل لجهاز المخابرات العامة، رغم المعرفة المُسبَّقة بتعاقد صلاح مع شركة محمول بعقدٍ ممتد يشترط عدم الظهور في الدعاية الإعلانية لأيِّ شركةٍ مُنافِسة.

لم يهتم اتحاد الكرة بأيٍّ من ذلك، وهو الذي بالطبع جرى الأمر تحت رعايته، بل وكانت الشركة التابعة للمخابرات قد حصلت من الأصل على حقوق تسويق المنتخب منه. تلخَّص الأمر حينها في أن الاتحاد وشركة المخابرات قد استغلَّا الشهرة العالمية التي جناها اللاعب المحترف في جلب أكبر مكاسب وعوائد مادية.

شركة إعلانات مملوكة للمخابرات العامة، لكنها تُعامَل معاملة شركات القطاع الخاص وتتعاقد مع اتحاد كرة يكترث بالمكاسب المالية لا الرياضة. هذه ليست إلا مجرد نبذة عن توسُّع الأجهزة الأمنية في الأنشطة التجارية وتواطؤ اتحاد الكرة في ذلك.

تاريخ الفساد واستغلال الرياضة في مصر، لاسيما كرة القدم، طويلٌ ولا يمكن حصره في سطور. لم يكتف الاتحاد بتعاقده المشبوه مع شركة المخابرات، بل واصل فضائح الفساد أثناء المونديال نفسه. قرَّر اتحاد الكرة توفير أموال رعاية المنتخب ليضعها في حسابات أعضائه حين اختار أن يقيم اللاعبين والجهاز الفني في منطقة جروزني الواقعة في الشيشان، تحت رعاية الرئيس رمضان قديروف، السفَّاح الذي اعتاد قتل واعتقال معارضيه بمساعدة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. كان معسكر المنتخب هو الأبعد بين منتخبات كأس العالم أجمع، فيما تحجَّج الاتحاد بأنه يريد من المنتخب التركيز في التدريبات فجعله بعيدًا عن باقي الفرق.

لم يتوقَّف الفساد عند هذا الحد، بل تاجَرَ الاتحاد كذلك في تذاكر حضور المباريات في السوق السوداء، في فضيحةٍ تداولتها أكبر الصحف العالمية، فضلًا عن الواقعة الشهيرة لسرقة أحد أعضاء الاتحاد مخزن المُستلزمات الرياضية الخاصة بالمنتخب وبتحضيرات كأس العالم. سلسلةٌ من المهازل لم تكن لتُسفِر إلا عن أداءٍ مخزٍ كالذي ظهر به المنتخب. لم يكن المونديال بالنسبة لهم إلا مصدرًا للاختلاس استغلوا فيه محسوبياتهم وعلاقاتهم لنهب الملايين.

ليست هذه على الإطلاق وقائع يمكن أن تكون عابرة، بل أنها مرتبطةٌ ارتباطًا وثيقًا بفساد النظام. لا ننسى في هذا السياق فضائح الاتحاد وقت مبارك، حيث صفر المونديال في 2006، والمتاجرة بتذاكر المباريات، وكسب الملايين عن طريق السوق السوداء، واستلام صناديق تحتوي على هدايا بالملايين من دولة الإمارات عام 2010. فساد الاتحاد كان ولا يزال مرآةً للطريقة التي يدير النظام بها البلاد واستكمالًا لنهجه.

اتحاد سلطوي في دولة استبدادية
كما تُعامِل الدولة معارضيها بالمحاولات المتواصلة من التشويه والتخوين، تعامَلَ الاتحاد مع شكاوى صلاح، منذ أن أرسل محاميه خطابًا لهم يسرد فيه هذه الشكاوى، بالطريقة ذاتها، وربما بنفس الأساليب. لم يكن ينقصه إلا التنكيل المباشر بصلاح، مثلما تعتقل الدولة معارضيها أو تخفيهم قسريًا أو تُعذِّبهم.

تعدَّدَت أوجه الهجوم الذي شنَّه الاتحاد على صلاح. استهلوا هجومهم أولًا بالتشويه الإعلامي الذي لم يسبق للاعب مصري أن تعرَّض له سوى لاعب الأهلي والمنتخب المصري سابقًا محمد أبو تريكة. واتساقًا مع الاتهامات الجاهزة التي يستخدمها إعلام وقضاء نظام السيسي، اتَّهمَ الاتحاد محمد صلاح بالانتماء إلى جماعة الإخوان المسلمين، وبرَّروا “التهمة” بعلاقة صلاح الجيدة بأبي تريكة، علاوة على فيديو قديم له وقت تولي محمد مرسي السلطة.

أعقب ذلك حملة تخوين وتكهُّنات بعدم رغبته في الانضمام إلى المنتخب، وتجاهل “فضل البلد عليه”، وصولًا إلى تهديده بالمنع من السفر وتجنيده إجباريًا. كلُّ ذلك حدث في ليلةٍ وضحاها بعد أن كان الاتحاد يجني الملايين عبر اسم محمد صلاح. اتحادٌ فاسد وسلطوي في ظلِّ منظومةٍ استبدادية يُعبِّر عنها في نموذجٍ مُصغَّر منها.

إن النظام الذي يعتقل معارضيه ويسعى لتوطيد أركانه بتصفيتهم والتنكيل والتشهير بهم، ذلك النظام الذي يضرب الفساد في القلب منه، لا يمكن أن يُمثِّله في مجال الرياضة غير اتحادٍ كهذا؛ اتحادٌ فاسد لا يطيق كلمة مُعارِضة تُنطَق ضده. لا يتورَّع النظام عن استخدام الرياضة لصالحه، سواء سياسيًا (توجيه الغضب نحو شعب الجزائر بعد المباراة الشهيرة في 2009، أو إهداء الصعود لكأس العالم للديكتاتور الحاكم مثلًا)، أو بشبكات المحسوبية والفساد (على سبيل المثال لا الحصر، حصول شركة المخابرات المُشار إليها على حقوق التسويق من الاتحاد).

ما تشير إليه الأزمة بين صلاح واتحاد الكرة هو أن الرياضة، مهما بَدَت بعيدة الصلة بالوضع السياسي، فإنها على العكس تمتد جذور أزماتها إلى القلب من الفساد المستشري في هذا النظام والاستبداد الذي صار منهجًا له في كلِّ أجهزته وهيئاته وكلِّ ما يُمثِّله.