بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

رؤيتنا (تقرير سياسي دوري تصدره حركة الاشتراكيين الثوريين) – 6 سبتمبر 2018

مصر السيسي والانفجار القادم
مظاهراتٌ وهجماتٌ طائفية ضد المسيحيين في المنيا، وتجمهُر مواطنين ضد الشرطة في مركز ميت سلسيل بالدقهلية بعد حادث قتل طفلين، وتصديق السيسي على قانون تنظيم الصحافة والإعلام والذي يعطي صلاحيات غير مسبوقة لأجهزة الأمن والقضاء في مراقبة وحذر المواقع الالكترونية ومعاقبة كل من يعبِّر عن مواقف معارضة بمزيجٍ من الغرامات الضخمة والسجن.

يبدو للوهلة الأولى أن هذه التطورات لا علاقة بينها. ولكنها في الواقع تعبِّر عن واقع الأزمة في مصر السيسي.

الطائفية كانت أحد الأسلحة الأساسية التي استخدمها السيسي لحشد التأييد لانقلابه (خلق حالة من الذعر حول حكم الإخوان وخطر الدولة الدينية)، بل واستمرت دعاية النظام تُخيِّر الأقباط بين الدعم المطلق للنظام من ناحية، ومصير مشابه لما حدث لمسيحيي العراق وسوريا من ناحيةٍ أخرى (إما قبول الديكتاتورية العسكرية أو مواجهة المذابح على يد الدواعش).

ولكن واقع الطائفية واضطهاد الأقباط في مصر السيسي هو الأسوأ في التاريخ الحديث؛ من التهجير من شمال سيناء بعد حملة القتل والترويع الإرهابية إلى سلسلة تفجيرات الكنائس التي راح ضحيتها العشرات إلى حالة الاحتقان الطائفي المتصاعدة، خاصةً في قرى الصعيد. وها نحن نشاهد في المنيا مظاهراتٍ لمواطنين مسلمين ضد إقامة المسيحيين صلواتهم في أحد البيوت، بل والهجوم على منازل المسيحيين وتدميرها ومحاولة تهجيرهم من القرية. أما الشرطة والقانون -أسلحة السيسي الفتَّاكة- فهي تقف متواطئةً مع المهاجمين وتلقي القبض على الجميع، مسيحيين ومسلمين، ليس لمحاسبة المسئولين عن التحريض والاعتداء بل للوصول لمصالحة لن ينتج عنها سوى تهجير العائلات المسيحية من قراهم. هذا هو وضع الأقباط في مصر السيسي.

أما أحداث ميت سلسيل فهي تعبِّر عن الغضب الجماهيري الكامن تجاه الشرطة وجهات التحقيق. فبغض النظر عن حقيقة وأسباب جريمة قتل الطفلين، فأهالي المركز لا يثقون في شرطة لا تعرف سوى التعذيب والعنف كوسائل للتحقيق. وجاء ردُّ فعل شرطة السيسي كما هو مُتوقَّع: قنابل الغاز المسيل للدموع والضرب والاعتقالات العشوائية. الشرطة في عهد السيسي عادت لتنتقم من الشعب المصري. تنتقم من الشعب بسبب قيامه بثورة ٢٠١١ ضد نفس تلك الشرطة والتي أطلق السيسي يدها لتعذب وتقتل وتخطف وتغتصب من تشاء دون محاسبة.

والحدث الثالث، وهو تصديق السيسي على قانون تنظيم الصحافة والإعلام، فهو محاولةٌ بائسة لخنق كافة أشكال المعارضة بل حتى التعبير عن الرأي، أيًا كان. وقد رأينا حتى رجال ونساء السيسي، من أمثال لميس الحديدي ووائل الأبراشي، يتم الاستغناء عن خدماتهم فما بالكم بالمعارضين؟

حتى الأنظمة الديكتاتورية تعتمد في الحكم على توازن بين القمع واحتكار أدواته من جانب، والإقناع أو شرعية الحكم لدى قطاعات من الشعب من الجانب الآخر. انفجار العنف الطائفي واستمرار وحشية الشرطة والقوانين غير المسبوقة في تقييد حرية الرأي والتعبير كلها مؤشراتٌ أن نظام السيسي لم يعد لديه سوى تصعيد القمع والاستبداد للبقاء في السلطة. الشرعية القائمة على الخوف وحده لا يمكن أن تستمر طويلًا، والسؤال هو كيف يمكن لفصائل المعارضة المصرية تنظيم صفوفها وطرح بديل حقيقي لمنظومة الطائفية والإفقار والاستبداد التي يمثلها السيسي ونظامه؟

ماذا حدث للتجربة اليسارية في أمريكا اللاتينية؟
ماذا حدث للموجة اليسارية التي اجتاحت أمريكا اللاتينية منذ نهاية القرن الماضي؟ أهل اليمين بالطبع ينظرون بسعادةٍ بالغة للأزمات التي تواجه حكومات وأحزاب اليسار في تلك القارة. فنزويلا في حالة انهيار اقتصادي كامل، وفي البرازيل لولا دي سيلفا زعيم حزب العمال في السجن بتهمة الفساد، وموراليس في بوليفيا يُغيِّر الدستور للبقاء في الحكم لمدة ثالثة، ودانيال أورتيجا زعيم حركة ساندانيستا اليسارية وقائد ثورة نيكاراجوا في ١٩٧٩ يواجه مظاهرات اليمين المعارض بالغاز المسيل للدموع والاعتقالات.

هذا ما نراه في إعلام اليمين. هذه هي الصورة التي تنقل لنا وهي بالطبع صورة يريد اليمين تثبيتها وجوهرها هو أن السياسات الاشتراكية فاشلة ولا تؤدي سوى للفوضى والانهيار وأنه “لا بديل” عن السوق والرأسمالية. ولكن واقع تجربة اليسار في أمريكا اللاتينية خلال العقدين الماضيين أعقد من ذلك ويمكن تقسيمها إلى ثلاث مراحل منذ تسعينيات القرن الماضي (أنظر حوار المفكر الماركسي جيف فيبر مع موقع International Viewpoint لمزيد من التفاصيل).

بدأت المرحلة الأولى في نهاية التسعينيات وبداية الألفية مع صعود الحركات الاجتماعية الجديدة بعد عشرين عامًا من التحلُّل والهجوم الليبرالي الجديد. جاء ذلك إثر كسادٍ حاد في أمريكا اللاتينية بين ١٩٩٨ و٢٠٠٢، وهي سنوات من التراجع في معدلات النمو وتفاقم للفقر والبطالة وعدم المساواة.

كان صعود تلك الحركات خارج الإطار الحزبي معاديًا لأحزاب اليمين ويمين الوسط الحاكمة، لكنه لم يتخذ في البداية شكلًا يساريًا حزبيًا باستثناء تجربة حزب العمال في البرازيل. كانت غالبية أحزاب يسار الوسط قد تبنَّت الليبرالية الجديدة وسياسات السوق في تسعينيات القرن الماضي.

كانت أكبر وأهم تلك الحركات الاجتماعية: حركة العاطلين في الأرجنتين، والحركات اليسارية للسكان الأصليين في الإكوادور وبوليفيا، وحركة الفلاحين المعدمين في البرازيل. وكان ذلك هو السياق الإقليمي والطبقي لوصول تشافيز للسلطة في فنزويلا في نهاية التسعينيات.

جاءت المرحلة الثانية مع الصعود الانتخابي لأحزاب اليسار بين ٢٠٠٣ و٢٠٠٨. ولكن المنطق الانتخابي دفع تلك الأحزاب للتراجع عن كثير من المطالب الراديكالية، خاصةً في ظلِّ عودة الاقتصاد إلى معدلات نمو مرتفعة خلال تلك السنوات. وقد تمكَّنَت أحزاب اليسار في الحكم من المبادرة بمشاريع عملاقة لتقليص الفقر والبطالة والإنفاق على الصحة والتعليم والإسكان، ولكن دون المساس بأرباح الشركات الرأسمالية الكبرى، خاصةً في مجالات المعادن والبترول والزراعة.

أما المرحلة الثالثة فقد بدأت بعد الأزمة الاقتصادية العالمية في ٢٠٠٨. وقد دخلت بلدان أمريكا الوسطى، وخاصة المكسيك المرتبطة عضويًا بالاقتصاد الأمريكي، في ركود اقتصادي عنيف، دفع غالبية القوى اليسارية هناك للتراجع عن برامجهم الاجتماعية المنحازة للفقراء. أما بلدان أمريكا الجنوبية، فقد ظلَّت في حالة انتعاش اقتصادي بسبب صادراتها (الزراعية والمعدنية والبترولية) للصين، التي تمكَّنت من تجنُّب أسوأ آثار أزمة ٢٠٠٨ حتى عام ٢٠١١-٢٠١٢. ولكن منذ ذلك الحين تراجع الاقتصاد الصيني وانهارت أسعار البترول والمعادن وواجهت حكومات اليسار في دول مثل البرازيل وفنزويلا وبوليفيا أزماتٍ اقتصادية حادة. وكان السؤال المحوري هو من يدفع ثمن الأزمة؟ هل تتجه تلك الحكومات لمزيج من التأميم لكبرى الشركات الرأسمالية وزيادة الضرائب على أرباحها والتوجه لسياسات اشتراكية في مصلحة الأغلبية من الفلاحين والعمال؟ أم تتراجع عن برامجها الاجتماعية وتتبنى سياسات تقشفية تجعل الفقراء هم الذين يدفعون ثمن الأزمة؟

للأسف تبنَّت حكومات اليسار في تلك البلدان الخيار الثاني، وتحوَّلَت سريعًا في اتجاه الحلول الليبرالية الجديدة لحلِّ الأزمة بكل ما يعنيه ذلك من إفقار وبطالة وتضخم وتقليص في الخدمات العامة من صحة وتعليم وإسكان.

وبالطبع فاليمين في تلك البلدان استغل فرصة الأزمة لتعبئة قطاع من الجماهير ضد الحكومات اليسارية. يجب أن نتذكر أن تلك الحكومات لم تمس مؤسسات الدولة من جيش وشرطة وقضاء طوال حكمها. وتلك المؤسسات بطبيعتها تنحاز لليمين وتعادي اليسار بل وتعادي الديمقراطية وتريد العودة إلى حكم اليمين المتحالف مع جنرالات الجيش وكبار رجال الدولة. ففي البرازيل، على سبيل المثال، تدخَّل الجيش لقمع مظاهرات المناطق الفقيرة من ريو دي جانيرو وسارع القضاء البرازيلي “الشامخ” في محاكمة رموز اليسار.

وفي فنزويلا، يستثمر اليمين الأزمة الاقتصادية للتحضير لانقلاب يطيح بحكم مادورو ويعيد السلطة والثروة إلى أيدي كبرى شركات البترول في تحالف مع جنرالات وقضاة يريدون محو تجربة تشافيز من ذاكرة الشعب الفنزويلي.

إن الدفاع عن المكتسبات التي جناها فقراء أمريكا اللاتينية خلال حقبة حكم الأحزاب والحركات اليسارية والتعبئة لمواجهة مخططات اليمين والعمل لإعادة بناء الحركات الاجتماعية المستقلة والتي كانت القاعدة الأساسية لصعود اليسار في بدايات القرن تُشكِّل “خارطة طريق” لمناضلي اليسار في أمريكا اللاتينية اليوم. ولعل أهم ما يمكن تعلُّمه من تجربة اليسار في تلك المنطقة المشتعلة هو أن محاولات إعادة توزيع الثروة والسلطة من خلال نفس الدولة الرأسمالية ودون المساس بمصالح كبرى الشركات الرأسمالية لن يؤدي إلا للهزيمة وعودة النظام القديم.