بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

رؤيتنا (تقرير سياسي دوري تصدره حركة الاشتراكيين الثوريين) – 7 أكتوبر 2018

رؤيتنا

النصر والهزيمة من السادات إلى السيسي
كلمة السيسي الرسمية والقصيرة بمناسبة 6 أكتوبر تعبر بشكلٍ نموذجي عن حالة الجمود والشيخوخة التي يعاني منها خطاب الدولة المصرية. فالكلام عن ملحمة التحول من “نكسة 1967” عبر حرب الاستنزاف إلى “نصر” أكتوبر المجيد هو نفس الرواية بنفس الكلمات لرؤساء مصر منذ السادات وحتى السيسي. يمثل السيسي نموذجًا لليمين المحافظ، فهو لا يريد فقط الحفاظ على الوضع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي القائم كما هو، بل يريد أيضًا الحفاظ على الخطاب الأيديولوجي السائد منذ عقود دون أدنى تغير. هذا الخطاب الكاذب والساذج يجب تحديه بخطاب ثوري بديل قائم على التاريخ الحقيقي لهذا النظام العسكري.

فأولًا لم تكن حرب 1967 “نكسة” بل هزيمة عسكرية مدوية. ولم تكن هذه الهزيمة نتيجة مؤامرة عالمية ضد عبد الناصر ونظامه بل نتيجة طبيعية لفشل المشروع الناصري في التنمية ودرجة استثنائية من سوء الإدارة والفساد. وثانيًا لم تكن حرب أكتوبر 1973 نصرًا مجيدًا وأسطوريًا كما يدعي السيسي، بل كانت انتصارًا مؤقتًا في المعارك الأولى للحرب تَلَته، رغم البطولات والآلاف من الشهداء، سلسلةٌ من القرارات الكارثية للسادات أدت في النهاية إلى عبور القوات الإسرائيلية للقنال في الثغرة والفشل الذريع ليس فقط في هدف الحرب المعلن وهو تحرير سيناء بالكامل بل وحتى الفشل في الوصول إلى موقع المضائق الإستراتيجي. وما أعقب ذلك الفشل كان الاستسلام الكامل للسادات في مفاوضات كامب ديفيد والتي وضعت اللمسات الأخيرة لتحول مصر من قوةٍ عسكرية إقليمية ذات شأن إلى دولةٍ تابعة يخدم جيشها المصالح الأمريكية والإسرائيلية والسعودية في المنطقة.

وثالثًا، في ما يخص تبعية النظام المصري للمملكة السعودية والتي تتوالى فضائحها يوميًا وكان آخرها مهازل تركي الشيخ، فمن المهم ملاحظة أن هذه التبعية بدأت مبكرًا. فأحد الجوانب المسكوت عنها في الخطاب الأيديولوجي الحاكم هي حرب اليمن (1962-1967). هذه الحرب كانت تعبيرًا عن صراع حول الهيمنة الإقليمية بين النظام المصري والمملكة السعودية. وقد انتهت تلك الحرب بهزيمة كبرى للجيش المصري وبمفاوضات استسلام انتهت بقبول عبد الناصر بمساعدات اقتصادية من السعودية. وقد تعمَّقت علاقة التبعية هذه من خلال مركزية دور رأس المال الخليجي في مصر منذ السبعينيات والدور العسكري المصري في حرب الخليج الأولى، وأخيرًا بالتمويل والدعم السعودي المباشر لانقلاب عبد الفتاح السيسي وتحويل الدور العسكري المصري بالكامل لمزيج من القمع الداخلي وخدمة المصالح الإستراتيجية الخليجية والإسرائيلية والأمريكية والأوروبية وأصبح بحق دور يمكن اختصاره في تعبير السيسي “مسافة السكة”.

وستظل كارثة تخلي السيسي عن جزيرتيّ تيران وصنافير لمملكة محمد بن سلمان، ودوره في خدمة الصهيونية من خلال المشاركة في حصار شعب غزة، هي العناوين الأساسية للنظام الحاكم في مصر.

ورابعًا فقد أضاف السيسي ثلاث أكاذيب جديدة تشبه بين الفترة 1967-1973 وبين الفترة 2011-2013. فثورة يناير 2011 تُشبَّه بالنكسة. أما الثورة المضادة فيتم يتم تشبيهها بحرب الاستنزاف. وأخيرًا يأتي انقلاب 3 يوليو 2013 الذي يقارنه السيسي بحرب أكتوبر 1973 والانتصار المزعوم.

كل ذلك وتستمر الآلة الدعائية للنظام في تحويل الهزائم إلى انتصارات والفشل إلى إنجازات والتبعية المذلة إلى أمجاد وطنية وتتسع الفجوة بين أكاذيب النظام وبين الواقع المعاش بحيث يزداد استخدام النظام للقمع المباشر والوحشي لفرض أكاذيبه على جماهير لم تعد تصدقه.

هذا التاريخ من الهزائم والفشل والتبعية والأكاذيب يجعل معركتنا ضد النظام اليوم ليست فقط معركة ضد الاستبداد والديكتاتورية، وليست فقط ضد سياسات الإفقار والرأسمالية والفساد، بل أيضًا معركة من أجل السيادة الوطنية والاستقلال للشعب المصري. فلم نعد فقط نواجه الهيمنة الأمريكية والصهيونية والتبعية لهما، بل نواجه اليوم أيضًا ما يشبه الاحتلال السعودي. فلم يعد من الممكن الفصل بين معركتنا ضد نظام السيسي وبين معركتنا ضد آل سعود ونفوذهم.

هل تتجه البرازيل نحو الفاشية؟
تبدأ هذا الأسبوع الانتخابات الرئاسية في البرازيل أكبر دول أمريكا اللاتينية. وهناك احتمالٌ كبير أن يفوز بالرئاسة المرشح اليميني المتطرف وضابط الجيش السابق جايير بولسونارو. هذا الضابط السابق لا يدافع فقط عن الليبرالية الجديدة والخصخصة ومحو كل الإصلاحات الاجتماعية التي طبقها حزب العمال البرازيلي خلال حقبة لولا دي سيلفا، بل أن حملة بولسونارو أيضًا تعادي بشدة حقوق المرأة والأقليات والحريات الشخصية، بل يدافع بولسونارو عن الاغتصاب والتعذيب وقمع واعتقال المثليين. وفي بلدٍ شديد التنوع الإثني، يعادي بولسونارو السود بشكل علني ويستخدم العنصرية كأحد محاور دعايته. وإضافة لذلك يدافع بولسونارو عن الحكم الانقلابي العسكري للجنرال كارلوس أوسترا والذي كان على رأس الديكتاتورية العسكرية في البرازيل بين 1964 1985، والذي اشتهر بقتل وتعذيب واعتقال عشرات الآلاف من المعارضين. بل أن الحملة أنتجت تيشرتات ولافتات بصورة الجنرال السفاح!

لماذا يزيد التأييد الشعبي لمثل هذا المرشح اليميني المتطرف في حين يتراجع التأييد لمرشح اليسار وحزب العمال فرناندو حداد؟ (استطلاعات الرأي الأخيرة تعطي مرشح اليمين 39٪ مقابل 15٪ لمرشح اليسار). يرتبط هذا التحول بسجل حزب العمال في الحكم. فبالرغم من بعض الإصلاحات التي حسنت من الأوضاع المعيشية والدخول للفقراء من عمال وفلاحين وسكان المناطق العشوائية، لم يشرع لولا دي سيلفا في تحدي مصالح الشركات الكبرى ورجال الدولة البرازيلية من ضباط وبيروقراطيين فاسدين، ومع عودة الأزمات الاقتصادية منذ 2008 بدأ الحزب في التراجع حتى عن إصلاحاته المحدودة وتقديم سلسلة من التنازلات للشركات الرأسمالية الكبرى بل أصبح قادة حزب العمال جزء من النخبة الحاكمة المتورطة في منظومة الفساد البرازيلية. استطاع أقصى اليمين أن يستثمر الغضب المتزايد ضد حزب العمال وفشله في تحقيق وعوده بالعدالة الاجتماعية وإعادة توزيع الثروة لصالح الفقراء.

وقد ساعد أيضًا صعود اليمين المتطرف تضاعفُ معدلات الجريمة في المدن البرازيلية. وقد ركز بولسونارو على هدف عودة الأمن والنظام وتقوية الشرطة، بل وضرورة مشاركة الجيش في تأمين المدن البرازيلية. وبمثل تلك الشعارات استطاع تعبئة قطاعات كبيرة من الطبقة الوسطى وراءه. وهو لا يؤيد فقط دور أكبر للعسكر في الأمن الداخلي بل يؤيد علنًا دور محوري لقادة الجيش في السياسة!

ولكن هذا الصعود المروع لليمين المتطرف في البرازيل تواجهه مقاومة شرسة من اليسار الراديكالي والحركة النسائية في الشوارع. وفي أغسطس الماضي بدأت حملة “النساء المتحدات ضد بولسونارو” بتأييد من اليسار الماركسي والأناركي والنسوي. وقد انضم لصفحة الفيسبوك التابعة للحركة أكثر من أربعة ملايين امرأة ونظمت خلال الأسابيع الماضية مظاهرات جماهيرية شارك فيها مئات الآلاف من النساء والرجال في محاولات للحشد ضد بولسانارو.

تؤكد التطورات في البرازيل من جديد أن الأزمات الاقتصادية تدفع قطاعات واسعة من الجماهير للبحث يمينًا ويسارًا عن أحزاب الوسط التي أدت سياساتها إلى الأزمة. هذه الأزمات تعطي مساحة لليسار الراديكالي للحشد وللتنظيم ولوسيع نفوذه على أسس برامج اجتماعية وديمقراطية جذرية، ولكنها تعطي المساحة أيضًا لليمين الفاشي والمتطرف للعب على الخوف والكراهية والعنصرية والعداء للمرأة وللأقليات. وبدلًا من حالة التأمل المحبطة والتنظير حول أسباب نجاح اليمين وفشل اليسار، ربما يكون من الأجدى العمل على توحيد الصفوف والنضال المنظم بكل الوسائل الممكنة ضد خطر الفاشية وحكم العسكر.