بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

في مصر.. لماذا يخشون السترات الصفراء؟

هستيريا جديدة أثارها النظام خلال الأسبوع الماضي. هذه المرة حول السترات الصفراء، إذ أصدرت الشرطة “تعليماتٍ مُشدَّدة” بعدم بيع السترات الصفراء للأفراد، وقال بعض تجار السترات الذين تلقوا التعليمات، لوسائل إعلامية، إن الإجراء “مستمر حتى يوم 25 يناير المقبل”. بينما اعتُقِل المحامي الحقوقي محمد رمضان بالإسكندرية، بعد نشر صورة له على فيسبوك مرتديًا سترةً صفراء تضامنًا مع المتظاهرين في انتفاضة فرنسا ضد ارتفاع أسعار الوقود. ووجَّهَت النيابة لرمضان تهمًا تتضمَّن “التحريض على التظاهر” و”حيازة سترات صفراء”، وعليه قرَّرَت حبسه 15 يومًا على ذمة التحقيق.

أصبحت السترة الصفراء إذن تهمةً في نظر النظام المصري، بعد أن ظهرت كرمزٍ احتجاجي للانتفاضة المستمرة لأسابيع في فرنسا، والتي انتقلت عدواها إلى بلدانٍ أوروبية عدة احتجاجًا على ارتفاع تكاليف المعيشة.

يتناقض هذا التأهُّب البالغ من جانب النظام، وبصورة استباقية، لضرب أي رمزٍ أو احتمالية للاحتجاج مهما كانت ضئيلة، مع ما تدعيه الدولة رسميًا من إنجازات تصنع لها شعبيةً وتأييدًا وغير ذلك.

على مدار السنوات الماضية، راكَمَت إجراءات النظام على الصعيدين الاقتصادي والسياسي -غير المنفصلين بالطبع- قدرًا هائلًا من الغضب لدى ملايين من المصريين. ولعله كان من المُستَغرَب أن يتخيَّل كثيرون منذ ما يزيد عن خمس سنوات أن يتحوَّل التأييد واسع النطاق لهذا النظام آنذاك إلى كلِّ هذا الغضب المكبوت الآن.

لم يتحوَّل هذا الغضب بعد إلى فعلٍ مباشر على نطاق جماهيري ويرجع ذلك إلى عدة أسباب، أهمها بالتأكيد وطأة القمع واتساع نطاقه ووحشيته. لكن النظام يعلم قدر هذا الغضب لدى الملايين، وهذا ما ينعكس دائمًا في خطابات الديكتاتور العسكري الحاكم في صورة غير مباشرة، حيث التهديد والوعيد بأن “ما حدث منذ سبعة أو ثمانية أعوام لن نسمح بأن يتكرَّر”. ويستنتج النظام من ذلك أن أيَّ تساهلٍ مع مظاهر الاحتجاج مهما بَلَغت رمزيتها قد يجلب عليه الوبال.

هذا بالطبع ما يُفسِّر الإجراء الجنوني التي اتخذته الداخلية مؤخرًا إزاء السترات الصفراء، لكنه أيضًا يضعه في إطارٍ عام من خوف السلطة مِمَّا يمكن أن نُطلِق عليه “الهوامش”؛ وبشكل عام الوسائل المحدودة والمساحات الضيقة التي يمكن من خلالها أن يطل هذا الغضب برأسه. جاء في هذا الإطار، على سبيل المثال، حجب المئات من المواقع الإلكترونية مع أبسط اشتباهٍ في معارضتها للنظام، مع أن النظام قد أغلق بالفعل، بإحكامٍ شديد، كافة مساحات الاحتجاج على الأرض. وتأتي مراقبة الشبكات الاجتماعية واعتقال المعارضين على خلفية كتابة “بوستات” على فيسبوك في السياق نفسه. الهدف الرئيسي هو تمرير كافة المشاريع الاقتصادية والسياسية، وتوطيد أجهزة الدولة بأكبر قدر، مع الإبقاء على الغضب مكبوتًا دون حتى أن يجد صورةً يُعبِّر فيها عن نفسه، ولو رمزيًا.

غير أن الخوف من هذه “الهوامش”، والمسارعة إلى ضرب رمزيتها الاحتجاجية، لا يعني على الإطلاق أن النظام ضعيف، فالنظام الذي يقتطع المليارات من قوت الفقراء من أجل تمويل أجهزة القمع، والذي بنى 17 سجنًا جديدًا في خمسة أعوام فقط، لا تنقصه القوة قطعًا. لكن الأهم هو أن هذا الخوف يشير إلى أن النظام يرى في الجماهير قوةً كامنة أكبر مِمَّا تراه الجماهير في نفسها في ظلِّ الوضع الراهن، وهي قوةٌ سوف تُشكِّل تهديدًا حقيقيًا عليه بمجرد أن تجد لنفسها مُتنفَّسًا تنفذ منه على الأرض. الأهم أيضًا أن هذا الخوف يعيد التأكيد على الأهمية الاستثنائية للنضال الديمقراطي الدؤوب والمتواصل الآن في سبيل انتزاع مساحاتٍ للاحتجاج مهما بدت محدودة وضيقة.