بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

رؤيتنا (تقرير سياسي دوري تصدره حركة الاشتراكيين الثوريين) – 18 ديسمبر 2018

ذكرى البوعزيزي: أملٌ باقٍ ولو بعد حين
لم يكن الأمل في التغيير هو ما دفع محمد البوعزيزي قبل ثماني سنوات، في السابع عشر من ديسمبر، لإشعال النار في نفسه. ربما كان التغيير آخر ما خطر بباله في هذه اللحظة. وربما كان مزيجًا من اليأس والإحباط والغضب هو ما دفعه لذلك بعدما تلقَّى البائع المتجول صفعةً على وجهه من شرطيةٍ بعد مصادرة بضاعته الفقيرة.

ولكن يأس البوعزيزي خلق طاقةً من الأمل لم تشهدها تلك المنطقة من قبل على مرِّ تاريخها.

البائع المتجول الذي يشبه عشرات الملايين من الفقراء في المنطقة، تحوَّل يأسه الذي دفعه للموت إلى غضب وأمل أحيا الملايين. رسالة البوعزيزي القصيرة كانت حاسمة، لا شيء لنخسره، تلك الرسالة الموجزة هي ما دفعت الجماهير لمواجهة جحافل القمع والصمود أمامها حتى تساقطت دروع الأنظمة لتكشف عن القوة الحقيقية للجماهير التي ثارت.

طاقة الغضب التي أطلقها البوعزيزي قبل ثماني سنوات كانت أكبر من قدرة الجميع، أكبر من قدرة أعدائها وأصدقائها على السواء.

فالغضب الذي انطلق قبل ثماني سنوات كان أكبر من قدرة النظام على القمع مثلما كان أكبر من قدرة الثوار والمناضلين على الفهم والاستيعاب، ففشلت أجهزة القمع في القضاء على الغضب أو حتى السيطرة عليه، ومع كل رفع في وتيرة القمع كانت وتيرة الغضب تزداد، حتى جاءت كلمات الاستعطاف من الطغاة، من “فهمتكم” إلى “لم أكن أنتوي” فتأكَّدَت الجماهير الغاضبة أنها تنتصر وأن ترسانة القمع قد انهارت بالفعل، ومضت قدما في غضبها.

ولكن كما كان الغضب أقوى من قدرة القمع، كان أيضًا أكبر من قدرة كل القوى المناضلة والثورية على استيعاب اللحظة والسير مع الجماهير في طريقها نحو إسقاط النظام، كل النظام. فنجحت القوى الإصلاحية في توجيه الغضب من المضي قُدُمًا في اجتثاث النظام من جذوره إلى الاستفادة من الهامش الذي فتحته ثورة الجماهير للحصول على نصيب من السلطة التي ظنتها في متناولها، ونجحت في امتصاص الغضب الجماهيري من الشوارع والميادين إلى الصناديق، صندوق يليه صندوق.

ما فشلت فيه ترسانة القمع أنجزته أوهام الإصلاح حتى فتحت الطريق أمام الثورة المضادة، هذا في مصر. وفي تونس اختصرت السياسة طموحات الجماهير في توسيع الهامش الديمقراطي دون تحسُّنٍ حقيقي في أوضاع الجماهير التي انتفضت ضد التهميش والفقر، على العكس استأنف النظام “الجديد” تطبيق سياسات صندوق النقد الدولي ليُتمِّم مهام نظام بن علي تحت لافتة جديدة.

في البحرين وسوريا واليمن وليبيا، لم تتردَّد الأنظمة في استدعاء الطائفية والقبلية ودفع الثورات إلى حروبٍ أهلية مدمرة، ولم تتردَّد في تدمير المجتمعات بكاملها بالاستعانة بحلفاء إقليميين في سبيل القضاء على الثورة.

تبدو ما آلت إليه انتفاضات الجماهير التي انطلقت قبل ثماني سنوات أسوأ مما كانت عليه قبل الثورات نفسها. هذا ما تُروِّج له قوى الثورة المضادة يوميًا، ولكن حقيقة الأمر أن الأوضاع الحالية من نظم استبداد عسكرية وحروب أهلية وانهيار لمجتمعات هو ما آلت إليه أنظمة الحكم المستبدة القمعية التي لم تتمكَّن من السيطرة لعشرات السنين إلا عبر استخدام أكثر أشكال القمع والطائفية والقبيلة رجعية، حتى دفعت المجتمعات إلى حافة الانهيار.

هذا ما آلت إليه عقود الاستبداد والقمع والاستغلال، أما ما آلت إليه ثورات الجماهير فإنه إذ يخبو اليوم تحت وطأة الثورات المضادة فإنه يعود ليضيء مجددًا في مسيرات السترات الصفراء والحمراء في فرنسا وهولندا وبلجيكا والأردن والمغرب وتونس مرة أخرى، لتؤكد نضالات الجماهير في كل مكان وزمان أن الشعلة التي أضاءها جسد البوعزيزي قبل ثماني سنوات لن تخبو حتى تضيء طريق التحرر لكل بوعزيزي في العالم.

أوزان المصريين: أحدث وصفات السيسي لإلقاء العبء على المواطن
خرج علينا عبد الفتاح السيسي بتصريحات حول أوزان المصريين في مرتين في فترة أقل من شهر، الأولى أثناء مؤتمر الشباب العالمي بشرم الشيخ، والثانية قبل أيام، مشيرًا إلى ضرورة ممارسة الرياضة.

مثل العادة ما يقوله السيسي يبدو في صورة الحق الذي يُراد به الباطل. ولع السيسي برياضة ركوب العجل لا تُقارَن حتى بولع مبارك في ممارسة رياضة الإسكواش، ولكنها تقارن برغبة وولع كل ديكتاتور عسكري على مرِّ التاريخ بدايةً من هتلر الذي كان يرى في ضعف السكان جسديًا عبء اقتصادي لا تتحمَّله الدولة، وبناء عليه انتشر شعار “جسدك يخص الأمة”، مرورًا بفيديلا في الأرجنتين، جميعهم يشعر بأن الدولة يجب أن تكون مثل المعسكر.

لا يمكن بطبيعة الحال فصل كلام السيسي عن السياق السياسي المحيط، فلو كان المرغوب هو تحفيز الشعب على ممارسة الرياضة، لكان هذا الكلام ليُوجَّه في جلسةٍ خاصة مع وزير الرياضة، الذي بدوره يضع خطةً لإنشاء ملاعب تناسب المواطن محدود الدخل، لكن الرغبة هنا هي إلقاء العبء الاقتصادي على المواطن.. أنت لا تعمل بكد لأنك سمين، وأولادك سيصبحون مثلك.

حتى الرياضة التي يمارسها السيسي “ركوب الدراجات” أصبحت من المحرمات على أغلبية الشعب، فلا طرق خاصة للدراجات، ولا أموال لشراء دراجة لطفلك، اللهم إذا كنت من البقية الباقية من الشرائح العليا من الطبقة المتوسطة، فدراجة قليلة التكلفة يتعدى ثمنها الأن بضعة آلاف من الجنيهات.. هل نأكل أم نشتري دراجة إرضاءً للزعيم؟

الغالب في أحاديث السيسي الأخيرة هو تحقير الشعب والحط من شأنه، فنحن لا نستحق حقوق الإنسان، ولا الديمقراطية، ولا نستطيع التطور علميًا، ولا نملك تعليمًا، وأيضًا لا نمارس الرياضة.. نحن عبء على القائد العسكري وهو يقول ذلك داخليًا وخارجيًا.

في التوقيت نفسه الذي تحدَّث فيه السيسي عن ضرورة ممارسة الرياضة، كانت وزارة الزراعة تنفذ خطتها بإزالة ٢٤٠٠ ملعب خماسي، أغلبهم في مناطق الصعيد، قد يقول البعض لأنها أقيمت على أراض مخالفة. إذن ما هي خطة الدولة في خلق بديل لكل ملعب يتم إزالته؟ لا شيء سوى لوم المواطن.

وفي التوقيت نفسه أيضًا لا تزال الدولة تحارب عودة الجماهير للملاعب. السيسي لا يريد شبابًا يمارسون الرياضة بشكلٍ عام، بل يريد ممارسة الرياضة كما يراها. بالطبع محافظات مصر ليست مثل شوارع شرم الشيخ، لكن رجلًا لا يؤمن بدراسة الجدوى لا يمكن مساءلته حول تصريحاته بطبيعة الحال.