بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ساحة سياسية

للمرة الأولى موظف برئاسة الجمهورية نقيبًا

دروس معركة انتخابات الصحفيين

بعد أيام قليلة من انتهاء انتخابات نقابة الصحفيين وإعلان فوز رئيس هيئة الاستعلامات، ضياء رشوان، بمنصب نقيب الصحفيين، أصدر المجلس الأعلى للإعلام لائحةً للجزاءات تفرض الصمت المطبق على الصحفيين ومستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك) بقوة الغرامات المغلظة التي تصل إلى نصف مليون جنيه وحجب المواقع.

وفي تطبيق سريع للائحة، قرَّر المجلس، برئاسة مكرم محمد أحمد، حجب موقع “المشهد” الإلكتروني المستقل لمدة ستة شهور وتغريمه خمسين ألف جنيه، وهو من المواقع “النادرة” الباقية التي تقدم الرأي والرأي الآخر وترفع صوتها بمعارضة السياسات الكارثية للحكم.

هذا التزامن يعكس بالضرورة رغبة النظام المحمومة في المزيد من تكميم الأفواه خلال فترة تمرير التعديلات الدستورية الكارثية، التي دخلت في مراحل “السلق” الأخيرة، وثقته في الوقت ذاته في قدرته على احتواء غضب الصحفيين بعد أن نجح لأول مرة في تاريخ النقابة التي تعود إلى عام 1941 في تمرير مرشح يجمع بين منصب حكومي ومنصب نقيب الصحفيين في مخالفة صريحة لقانون النقابة ذاته.

انتهت المعركة بفوز ضياء رشوان، رئيس هيئة الاستعلامات التابعة لرئاسة الجمهورية، بمنصب نقيب الصحفيين، وثلاثة من القائمة الحكومية بينهما اثنان من رؤساء التحرير (خالد ميري رئيس تحرير الأخبار، ومحمد شبانة رئيس تحرير الأهرام الرياضي)، فيما فاز بالمقعد الرابع حماد الرمحي، الذي بنى دعايته على تقديم الخدمات، ورفض أي علاقة بين النقابة والسياسة باعتبار أن الاثنين “دونت ميكس”.

في حين خسر رمز معركة الحريات خالد البلشي مقعده في مجلس النقابة بأقل من 30 صوتًا، ولم يفز من القائمة الرئيسية لتيار “الاستقلال” النقابي (تيار عريض يدافع عن حرية الصحافة وعلاقات عمل عادلة واستقلالية النقابة) سوى محمود كامل، فضلًا عن صحفي آخر مدعوم من تيار الاستقلال هو هشام يونس.

ولكن كيف انتهت معركة الصحفيين إلى هذه النتيجة بعد عامين تراجعت فيها المهنة وتحوَّلَت فيها الصحف إلى نشرات، وقلت فرص العمل وعانى الصحفيون من التشريد فصلًا أو حبسًا.

جمعية عمومية غاضبة.. ولكن
الانتخابات التي شهدت الحضور هو الأعلى في تاريخ النقابة (حوالي 52% من الـ9 آلاف صحفي الذين يحق لهم التصويت)، شهد اجتماع جمعيتها العمومية التي سبقت عملية التصويت وحضرها نحو ألف صحفي معارك ساخنة، ولكنها حملت مواقف متناقضة.

فبينما انحازت الجمعية بوضوح إلى حرية الصحافة والمعتقلين، وطالبت بمواجهة حاسمة لظاهرة الفصل التعسفي المتنامية، وجدَّدت رفضها للتطبيع، وطالبت بتفعيل إنشاء صندوق لإعانة المفصولين والعاطلين والمحبوسين تطبيقًا للقانون، فإنها وقفت بحسم ضد التعددية النقابية من حيث المبدأ، بل وطالبت باتخاذ إجراءات ضد من يتجرأ ويؤسس نقابة حتى ولو كانت عمالية، وتجاهلت أيضًا معاناة صحفيي المواقع الإلكترونية المحرومين من دخول النقابة.

لكن المعركة الأهم التي شهدتها هذه الجمعية كانت معركة التصدي للزواج “الباطل” بين السلطة والصحفيين عبر السماح لرشوان بالترشُّح لمنصب نقيب الصحفيين.

ورمزية ترشيح الدولة لرشوان لا تخفى على أحد، فالدولة دفعت به ليس فقط لأنها كانت تخشي من هزيمة النقيب الحكومي السابق عبد المحسن سلامة في حال ترشُّحه مرة أخرى، بل لثقتها أنه سيستطيع، عبر علاقاته مع التيارات السياسية المختلفة، السيطرة على أي ردود فعل متوقعة ضد التعديلات الدستورية التي تؤبد الحاكم وتخنق الحريات وتفتح الباب أمام المزيد من محاكمات الكُتَّاب أمام المحاكم العسكرية وترسيخ الدور السياسي للجيش.

ولرشوان تراثٌ طويل من “الخدمات الجليلة” للدولة، فهو من تورَّط في الدفاع عن “سعودية” تيران وصنافير، وهاجم التقارير الحقوقية حول أوضاع الحريات في مصر ومن بينها حرية الصحافة!

كيف نجح ضياء؟
رغم غياب المنافس القوي لرشوان، لجأت الدولة إلى عدة وسائل لتعويمه وسط الصحفيين، أهمها موافقة رئيس الوزراء بعد مقابلة رشوان على رفع بدل التدريب الذي يحصل عليه الصحفيون نحو أربعمائة جنيه، وصُدِّقَ على المبلغ الإضافي حتى قبل إجراء الانتخابات، في مشهدٍ يدل على حجم الدعم الذي يحظى به رشوان، وهو مبلغ مهم بالنسبة للصحفيين في ظل الأوضاع المعيشية المتدهورة التي ضربت بقوة الطبقة الوسطى وتجرها بثبات نحو الأسفل.

ويكفي أن نعرف هنا، للتدليل على حجم التدهور السريع، أن الدعاية الرئيسية لعضو المجلس المنتخب حماد الرمحي كانت قدرته على تسهيل إصدار بطاقات تموين لنحو ألف صحفي.

لكن استغلال أوضاع الصحفيين المعيشية لم يكن كافيًا لفوز رشوان بسهولة، وثلاثة من القائمة الحكومية، بل كانت هناك أخطاء وقع فيها تيار الاستقلال، إلى جانب عيوب هيكلية في نقابة الصحفيين، ساهمت في الوصول إلى هذه النتيجة.

بدايةً، بنى تيار الاستقلال إستراتيجيته قبيل فتح باب الترشيح والإعلان عن ترشيح ضياء، على عدم الدخول في مواجهة مع الدولة على منصب النقيب بعد المعركة التي اشتعلت على خلفية اقتحام نقابة الصحفيين عام 2016، والاكتفاء هذه الدورة بالمنافسة على عضوية مجلس النقابة.

هذا التكتيك أدى إلى خفض سقف المعركة وقلَّل من فرص تحفيز قطاعات من الصحفيين، بالأخص الشباب المحبط، للحضور والمشاركة بفاعلية في الدعاية قبيل الانتخابات، فالنقيب المستقل دومًا كان يرفع شعارات مناهضة للرقابة وقمع الحريات وتكميم الأفواه وضد هيمنة رؤساء مجالس الإدارات.

باختصار كانت معركة النقيب تخلق استقطابًا هو بالضرورة حاضر في المجتمع بعد قنبلة التعديلات الدستورية التي تشرعن للاستبداد وتخنق حرية الحريات وفي مقدمتها حرية الصحافة.

وعلى المستوى الانتخابي المباشر، سمح الانسحاب من معركة النقيب للأجهزة الأمنية بالتركيز على معركة مجلس النقابة، وهو ما نجح عبر الرشاوي والتهديد في إعادة تعويم اثنين من أشد المعادين لحرية الصحافة والصحفيين، هما خالد ميري رئيس تحرير الأخبار، ومحمد شبانة رئيس تحرير الأهرام الرياضي، بعد أن كانا قد فقدا شعبيةً واسعة.

لكن إذا كان يمكن تفهُّم المستوى التكتيكي لتأجيل خوض معركة التنافس على كرسي النقيب في مواجهة الدولة المتوحشة، والتركيز على معركة العضوية لكي تحسِّن من فرصك وحظوظك للمستقبل، فإن جبروت الدولة واختيارها موظف لديها لترشحه نقيبًا كان يحتاج بالتأكيد إلى إعادة نظر سريعة.

ماذا كان إذن موقف تيار الاستقلال عندما أُعلِنَ ترشيح رشوان؟

بدايةً، لم يعتبر الجسم الرئيسي للتيار (ناصريون ويسار وليبراليون) أن هذه معركته! بدوافع “خلونا نركز على حصد أغلبية مجلس النقابة”، بل وذهب البعض أن رشوان يُعَدُّ الأقل سوءًا من بين المرشحين في الانتخابات، إذ كان منافسه الرئيسي عضو مجلس الإدارة المُنتَخَب بجريدة الأخبار والقيادي السابق بالحزب الوطني رفعت رشاد.

بينما أعلن الإسلاميون ببرجماتيتهم المعهودة التصويت لرشوان باعتباره بوابة لتحسين أوضاع الصحفيين المعتقلين، على أن يصوِّتوا لعناصر تيار الاستقلال في المجلس، حسب نظرية نحصد أغلبية المجلس لمواجهة اختطاف الدولة لمنصب النقيب.

هذا بالرغم من أن لضياء تجربةً نقابيةً سلبية أثناء تقلُّده منصب نقيب الصحفيين قبل أعوام، علاوة على أن وراءه تراثًا مخزيًا من “الخدمات الجليلة” للدولة، فهو من تورط في الدفاع عن “سعودية” تيران وصنافير، وهي القضية التي شهدت معارضة واسعة داخل النقابة بل وفي المجتمع كله، وقد عمد بحكم منصبه إلى الدفاع عن الاستبداد وقمع الحريات وتشويه بيانات المنظمات الحقوقية حتى العاملة في مجال الصحافة وحرية التعبير.

وبدلًا من التصدي لبلطجة الدولة، والتضامن مع الصحفي محمد رضوان، الذي أقام دعوى أمام القضاء الإداري ضد ترشيح ضياء لمخالفته لقانون النقابة، اندفع قطاعٌ من هذا التيار للدفاع ثم للترويج وأخيرًا لانتخاب ضياء، ليضرب مسمارًا جديدًا في نعش تيار الاستقلال، ويُفقِده مصداقيةً وثقةً لدى قطاع واسع من الصحفيين، الذين باتوا يتحدَّثون عن الصفقة والثمن الذي سيتقاضاها هذا التيار بالمقابل.

وباستثناء قطاع من الشباب الغاضب، التزمت رموز هذا التيار الصمت الرهيب عند مناقشة اقتراح مُقدَّم من ثلاثة صحفيين يساريين، بعدم جواز الجمع بين الوظيفة الحكومية وبين منصب النقيب وهو ما يُعَدُّ مخالفًا للدستور ولقانونيّ الصحافة والنقابة.

وبالرغم من ذلك، تمكَّن الغاضبون بعد مقاومةٍ مضنية من الجالسين على المنصة، وفي مقدمتهم النقيب الحكومي السابق ورئيس مجلس إدارة الأهرام عبد المحسن سلامة، وصمت اثنين من أعضاء مجلس النقابة المحسوبين على هذا تيار الاستقلال، وصلت للتهديد بإلغاء الانتخابات، من تمرير قرار ينص على عدم الجمع بين الوظيفة الحكومية وبين منصب النقيب على أن يُطبَّق بدءًا من الانتخابات المقبلة!

هذا التكتيك الذي تبنَّته رموز تيار “الاستقلال” (فلنترك الدولة تمرر نقيبها الموظف الحكومي ونركز على المجلس لأن الأوضاع السياسية لا تسمح)، لم يكن حتى بمقابل ملموس، لأن دولة السيسي لا تريد معارضة بل عبيدًا فقط، فغير مسموح وجود مجلس يضم مؤيدين ومعارضين.

بالطبع لا ندافع عن أنه كان يجب تأييد القيادي السابق بالحزب الوطني رفعت رشاد نظرًا لأن برنامجه خلى أيضًا من أي انحياز لحرية الصحافة والصحفيين، ولكن كان يمكن على الأقل أن تنظِّم المعارضة حملةً جادة لإبطال الأصوات في معركة النقيب بالتصويت للصحفيين المعتقلين، أو أن ترفع شعار “متنتخبش ضياء”، علمًا بأنه كان هناك عشرة مرشحين آخرين. وهي معركة كانت ستخلق استقطابًا واسعًا وستربك الخصم الذي لا يريد سوى الانتصار الكاسح.

هذا إلى جانب وقوع التيار في أخطاء أخرى، منها كثرة عدد مرشحيه (التي أدت إلى اشتعال معارك جانبية) وعدم التنظيم الكافي وغياب الشفافية، وذلك في مواجهة أجهزة سخَّرت كل وسائل الترهيب (ضغوط رهيبة من رؤساء التحرير لانتخاب القائمة الحكومية)، والترغيب (رشاوي وهدايا وخدمات غير مسبوقة) لتمرير مرشحيها.

وبالطبع هناك عيوبٌ هيكلية في نقابة الصحفيين ساهمت في الوصول إلى هذه النتيجة، أهمها أنها تضم رؤساء مجالس الإدارات والتحرير إلى جانب الصحفيين وملاك الصحف، علاوة على الإجراء وكأنها طائفة حرفية وليست نقابة تدافع عن العاملين بأجر، كما أنها تعتمد في ميزانيتها بنسبة تصل إلى 70% على دعم الدولة وليس على مواردها الخاصة.

كل ذلك ساهم في إفساد جمعيتها العمومية وحشوها بقطاع عريض من الموظفين، بينما يُحرَم آلاف الصحفيين من أي غطاءٍ نقابي.

نقاط ضوء
لكن المعركة لم تكن بلا نقاط ضوء، أهمها الفرز الذي جرى في إطار معركة مقاومة ترشيح موظف حكومي للمرة الأولى لمنصب نقيب، فالتمسك بالمبادئ النقابية وبقانون النقابة يساعد على بناء تيار استقلال حقيقي، بينما تبني مواقف انتهازية يؤدي إلى فقدان الثقة وضعضعة الجبهة، حتى لو كانت هناك مكاسب انتخابية.

ومما لاشك فيه فإن حصول رفعت رشاد منافس ضياء الرئيسي، على نحو 1600 صوت، وإبطال نحو 250 صحفيًا أصواتهم بالتصويت للصحفيين المعتقلين، يعني وجود معارضة ورفض لضياء وسط قطاع عريض من الصحفيين.

وبالإضافة إلى ذلك فإن حصول خالد البلشي رغم كل الدعاية المضادة التي تعرَّض لها على نحو 1400 صوت، بفارق 30 صوتًا فقط عن الفائز، يُعَدُّ مؤشرًا آخر على اتساع رقعة التيار الساخط، إذ كان البلشي قد حصل على نحو 1000 صوت في الانتخابات السابقة.

شهدت الانتخابات أيضًا ظهور ثلاثة من الكوادر النقابية الناصرية واليسارية لأول مرة في الانتخابات (تامر هنداوي وإيمان عوف وحازم حسني) وتحقيقهم نتائج إيجابية ببرنامج يزاوج بين النقابي والسياسي.

المستقبل
المؤكد أن الصحافة المصرية والصحفيين سيواجهون هجماتٍ مهمة تستهدفهم وتهدِّد مستويات معيشتهم، وهو ما يستدعي تجميع الصفوف لمواجهة المخاطر المقبلة، وهي معارك ستفضح النقيب الحكومي سريعًا وتفرز مواقف أعضاء المجلس، شريطة أن يجري ذلك وسط جمهور الصحفيين وفي مؤسساتهم وليس في الغرف المغلقة وعلى صفحات فيسبوك.

ولعل معركة التضامن مع جريدة المشهد والتصدي للائحة الجزاءات هي المعركة الأولى التي يجب أن يحتشد خلفها الصحفيون مع ربطها بمعركة التعديلات الدستورية.