بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

رؤيتنا (تقرير سياسي دوري تصدره حركة الاشتراكيين الثوريين) – 9 أبريل 2019

“انتهى عصر الثورات بالمنطقة، والثورة المضادة بقيادة السعودية والإمارات انتصرت”. هذه المقولة وغيرها أدت إلى إشاعة الإحباط في نفوس السياسيين قبل الجماهير، وانتشرت دعاوى عدم الجدوى، وأن المشكلة في الشعوب التي لا تُقدِّر تضحيات الطليعة. ولكن بعد خمس سنوات فقط عادت الجماهير لتغرد من جديد في الجزائر والسودان والمغرب وتونس بل وفي فرنسا ذاتها.

فها هو الشعب الجزائري العظيم يطيح ببوتفليقة الميت إكلينكيًا، ويجبر قائد الجيش أن يقدم تنازلًا تلو الآخر للجماهير المصممة على الانتصار والتي تضع نصب أعينها خبرة الثورة المصرية.

الشعب الجزائري الذي انتفض في مواجهة رغبة الطغمة الحاكمة في اعتلاء جثة بوتفليقة سدة الحكم مرة أخرى يملأ الميادين، وتشهد تجمُّعاته حضورًا لافتًا للحركة الاجتماعية وللعمال الذين أضربوا ولوَّحوا بالاضرابات، يمنح ثورته بعدًا طبقيًا لا يجد حتى الآن من يعبر عنه سياسيًا، ويرفع شعارات من قبيل “من فخامة الشعب الجزائري العظيم إلى فخامة الشعب المصري سنتحرَّر وستتحرَّرون”. وأيضًا :”لن نكرر السيناريو المصري”، في إشارة إلى تدخُّل الجيش وسرقته للثورة وقيادته للثورة المضادة فيما بعد.

ومن الجزائر إلى السودان، التي شهدت انتفاضته نقلة نوعية هذا الأسبوع حيث تزايدت أعداد المتظاهرين بدرجة لافتة واعتصامهم أمام مقر القيادة العامة للقوات المسلحة بالآلاف للإطاحة بالبشير، وذلك في أقوى احتجاجات تشهدها البلاد منذ بدء المظاهرات في ديسمبر الماضي. وفجر اليوم الثلاثاء، تصدى المعتصمون بشجاعة فائقة لمحاولةٍ مجرمة، على غرار موقعة الجمل المصرية، من قبل قوات الأمن لفض الاعتصام بالقوة المسلحة ليسقط سبعة شهداء حتى الآن ويصاب المئات.

لم تفلح محاولات البشير في امتصاص غضب الجماهير سواء عبر زيادة المرتبات وتخفيض الأسعار، أو إعلانه تأجيل التعديلات الدستورية، التي كان يهدف عبرها لفتح مدد الرئاسة لكي يبقي حاكمًا مدى الحياة.

الشعب السوداني العظيم الذي قدَّم عشرات الشهداء ومئات المعتقلين وتحدَّى قوانين الطوارئ، ما زال مُصِرًّا على مواصلة طريق الكفاح. ومن المؤكد أن انخراط الطبقة العاملة السودانية في الاحتجاجات سيكون له أثرٌ في حسم المعركة لصالح قوى الثورة في السودان.

وبالتأكيد سيكون لهذه التطورات المهمة تأثيرٌ على مصر، التي يريد السيسي أن يؤبِّد حكمه فيها عبر التعديلات الدستورية التي يسعى جاهدًا لتمريريها. وبالرغم من أنه من قصر النظر توهُّم أن دولة مثل مصر شهدت انتصار لثورة مضادة يمكن أن تنتقل لها شرارة الثورة سريعًا، فإن المؤكد أن الديكتاتورية الحاكمة لن تستطيع أن تحكم بذات الطريقة طويلًا.

وها نحن نرى السيسي يعود مُجدَّدًا لتمرير تعديلاته الدستورية الكارثية التي تواجه رفض قطاعات واسعة إلى عصر المساومات السياسية بالرشاوى الاجتماعية للموظفين وأصحاب المعاشات، ونلاحظ كذلك استعانته برجال مبارك في تسويق التعديلات، واتخاذه خطوات مهمة لصنع ظهير سياسي له يتجسَّد حاليًا في حزب “مستقبل وطن”.

ومع إدراكنا أن توازن القوى يميل حاليًا لصالح النظام، فإن من واجبنا مواصلة مقاومة التعديلات الدستورية على الأقل دعائيًا عبر تفكيك خطاب الديكتاتور وفضحه.

علاوة على أنه يجب أن تلتفت قوى المعارضة، التي ما زال يهيمن عليها الإصلاحيون والوسطيون، حول موقفٍ مُوحَّد، موقف يمكن البناء عليه في المستقبل. وبالطبع فإن دعوة الجماهير للتخلي عن الإحباط والإحساس بعدم الجدوى واستعادة الثقة في القدرة على التغيير والتصويت بـ”لا”، رغم كل الظروف غير المواتية، هي عملية يمكن قياس مردودها في حال التوافق عليها. إلى جانب أنها تُظهِر بجلاء كتلة الرفض الإيجابية التي قرَّرت أن تتحدى الديكتاتور في صندوقه وأنها تستطيع أن تواصل المشوار.

جولة التعديلات الدستورية رغم الاعتقالات وحظر الدعاية وغيرها ستكون خطة في معركة طويلة ومقدمة لجولات أهم في المستقبل القريب، خصوصًا مع الارتفاع المرتقب في أسعار الطاقة والخدمات منتصف شهر يونيو المقبل، وينبغي أن يكون اليسار الثوري في قلبها. فرغم حصار النظام للقوى المعارضة للتعديلات الدستورية، لا تزال الجماهير تغلي تحت السطح ولا يعرف أحد متى سيكون الانفجار ولا شكله، ويومها لن ينفع النظام تعديلاته الدستورية كما نرى في الجزائر والسودان.

يبقى أن هذه الانتفاضات الجماهيرية التي نشهدها في الجزائر والسودان وغيرها تشير بجلاء إلى أن الأزمة الاقتصادية العالمية وانعكاساتها على دول المنطقة والآثار الاجتماعية الرهيبة لروشتة المؤسسات الدولية من بطالة وغلاء أسعار، إلخ، إلى جانب رغبة حكام المنطقة في الحكم مدى الحياة عبر تعديل الدستور، وانسداد أفق التغيير السياسي، كل ذلك يجعل خيار الثورة ما زال مطروحًا في المنطقة العربية.