بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

رؤيتنا (تقرير سياسي دوري تصدره حركة الاشتراكيين الثوريين) – 18 أبريل 2019

السودان: الموجة الثورية الثانية في المنطقة تبدأ من حيث انتهت الأولى

الانتصارات المُبهِرة التي حقَّقها الشعب السوداني حتى الآن في ثورته، والتي لا تزال بحاجةٍ إلى الاستكمال بالمزيد من الضغط والهجوم الثوريَّين، تُلهِم المنطقة بأسرها، وتعيد الاعتبار للثورة الجماهيرية، ليس كخيارٍ سياسي من ضمن خيارات عديدة أمام الجماهير، بل كخيارٍ وحيد لابد منها للتحرُّر من نير الاستبداد والديكتاتورية.

تأتي ثورة جماهير السودان، ومعها جماهير الجزائر، للتأكيد أيضًا على أن هذا الخيار السياسي الوحيد -الثورة- لا يمكن بلوغه إلا بعملٍ دؤوب وطويل المدى لبناء الحركة الجماهيرية من أسفل؛ أي التمهيد والبناء التدريجي استعدادًا لانفجار جماهيري كبير يدق الشقوق في جدار الطبقات الحاكمة الاستبدادية حتى يهدمه. ينطبق ذلك على مصر اليوم، وعلى الكثير من بلدان المنطقة. النضال ضد السلطة القمعية لا يمكن تأجيله، حتى وإن كانت المساحة المُتاحة لهذا النضال لا تتعدَّى شبرًا من الأرض. فإذا أردنا انتصارًا لنضالٍ جماهيري مقبل، لابد من الإعداد له من اليوم وفورًا.

مثلما في الموجة الأولى من الثورة المصرية التي أدَّت لإسقاط مبارك، اضطر المجلس العسكري في السودان لعزل الديكتاتور البشير تحت الضغط الجماهيري الجبَّار للمظاهرات والاعتصامات والإضرابات التي سارت كالنار في الهشيم، والتي أربكت حسابات الطبقة الحاكمة. تحطَّمَت كافة المحاولات الأمنية لفضِّ التحرُّكات الجماهيرية على صخرة الإصرار الجماهيري والوعي المتنامي، والأمر الذي لا يقل أهمية عن كل ذلك هو قدرة هذه الجماهير على تنظيم نفسها عبر أرجاءٍ واسعة من البلاد.

حاول المجلس العسكري احتواء الانتفاضة المتصاعدة، فعَزَلَ البشير وتولَّى السلطة بقيادة الجنرال عوض بن عوف، الذي عيَّنه البشير نفسه نائبًا أول له في فبراير الماضي. لكن الثوار السودانيين، المُتسلِّحين بخبرة الثورة المصرية وغيرها من ثورات المنطقة، رفضوا أن يتوقَّفوا عند هذا الحد، إلى أن تنحَّى عوف من منصبه بعد يومٍ واحد تحت الضغط الجماهيري، واستقال صلاح قوش، رئيس جهاز الأمن والمخابرات قريب الصلة من المخابرات المصرية، هو الآخر من منصبه.

أثارت الخطوات الواثقة المتتابعة لثوار السودان ردود فعل واسعة الانتشار في الكثير من البلدان، لاسيما في مصر. تعكس أغلب ردود الفعل -بغض النظر عن شكلها المباشر- شغفًا هائلًا لدى المعارضين المصريين بمشروع الثورة الجماهيرية، وتوقًا جارفًا لأن يأتي الدور على مصر في نهاية المطاف ضد الديكتاتور العسكري الذي يسعى لتمديد سلطته أبد الدهر. لكن بعض ردود الفعل امتزج فيها الإحباط بالسخرية، وفي مضمونها إشاراتٌ مباشرة إلى الهيمنة العسكرية الدموية وكأنها نهاية محتومة لأيِّ ثورةٍ في المنطقة، أو وكأن تاريخ الثورات لا يملك إلا أن يعيد نفسه، بصرف النظر عن خصوصية كل تجربة ثورية وعن الخبرات المتراكمة على مدار الأعوام الماضية.

هُزِمَت الثورة المصرية، لكنها لا تزال تُقدِّم خبراتٍ لا تنتهي لثوار المنطقة والعالم، وبصورةٍ خاصة للجماهير المصرية نفسها التي ذاقت مرار الهزائم الدموية. الجماهير في كلِّ البلدان تتعلَّم دائمًا؛ تتعلَّم من خبراتها المباشرة في تجربتها الثورية، وتتعلَّم من خبرات غيرها من الجماهير المقموعة؛ تتعلَّم من خبرات الانتصار، لكن الأهم أنها تتعلَّم كذلك من خبرات الهزيمة. وإذا كانت الموجة الأولى لثورات الربيع العربي في 2011 قد أشاعت أملًا هائلًا لدى جماهير المنطقة، فإن هذه الموجة الثانية، في السودان والجزائر، تطلق شرارةَ أملٍ لا تقل عن العام 2011، لأن طلائع هذه الجماهير تقف على جبلٍ من خبرات ثورات الموجة الأولى، وبخاصة الثورة المصرية. تاريخ الثورات ليس تاريخًا للهزائم، بل تاريخًا للخبرات.. تبدأ الثورات من حيث انتهت سابقاتها -إذا توافرت شروط نقل الخبرات وتراكم الوعي والتنظيم. وتزيد احتمالات الانتصارات كلما استفادت من خبرات الشعوب الأخرى وطوَّرَت خبراتها هي نفسها.

لم يتراجع ثوار السودان بعد عزل البشير، وحتى بعد تنحي عوف وقوش، بل يواصلون الاعتصام والتظاهر لإسقاط النظام القابع من وراء هؤلاء. وفي مقابل مناورات السلطة العسكرية، تشهد الثورة شعاراتٍ مثل “نحن الشعب وراسنا عنيد، ما بيحكمنا سيسي جديد”. يتجلَّى أيضًا في المظاهرات رفض السودانيين لدور مصر ودول الخليج، وقد أدركوا بالتجارب العملية التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية الدور التخريبي لأنظمة الثورة المضادة في السعودية والإمارات ومصر، وأدركوا أيضًا أن ما مِن أصدقاءٍ للثورة في بلدٍ إلا الجماهير المقموعة في البلدان الأخرى. وفي مقابل الزيارة التي قام بها وفدٌ سعودي/إماراتي لرئيس المجلس العسكري الانتقالي، عبد الفتاح البرهان، الثلاثاء الماضي، والاتصال الذي أجراه السيسي معه في اليوم نفسه، يرفع المتظاهرون شعاراتٍ مثل “لا للتدخل السعودي الإماراتي بوساطة مصرية”. كل هذه دروسٌ استوعبها ثوار السودان من خبرة الثورة المصرية، وتعلَّموا المزيد منها من خبرتهم الخاصة.

الثورة السودانية الجارية تُقدِّم هي الأخرى دروسًا غزيرة لا غنى عنها لمصر وجماهير المنطقة من أجل المستقبل. لعل أبرزها القيادة الواضحة لها التي تتمثَّل في “تجمُّع المهنيين السودانيين”. لا تتجسَّد هذه القيادة في شخصٍ أو مجموعة محدودة من الأشخاص، بل في تنظيمٍ نقابي كامل نَهَضَ من تحت الأرض، يتألَّف من مناضلين موجودين بصورةٍ عضوية بين الجماهير، ولطالما خاضوا المعارك الكبيرة والصغيرة من قبل، ويتجذَّرون في أوساط الجماهير يومًا بعد يوم ويكتسبون ثقتهم. قيادة سياسية للثورة من مهنيي الطبقة العاملة.

لا تزال أمام السودان فصولٌ أخرى من الثورة؛ من مناورات الثورة المضادة، ومن الاستقطابات السياسية. ووحدة الجماهير وتجذير قيادتها هي ضمانة مهمة للانتصار. لا يزال اعتصام عشرات الآلاف من الثوار أمام مقر القيادة العامة صامدًا صمودًا بطوليًا لإزاحة النظام كاملًا، متصديًا لمحاولات الفض، التي كان آخرها يوم الاثنين الماضي على يد قوات الدعم السريع (يتزعَّمها الفريق أول محمد حمدان دقلو الذي عيَّنه عبد الفتاح البرهان نائبًا له). هذه المحاولات بالطبع مُرشَّحة للتكرار، والأداة الرئيسية التي ستقدِّم دعمًا هائلًا للثوار المعتصمين هي الإضراب العام.. الاعتصام تهديدٌ دائم يلوي ذراع سلطة رجال البشير، والإضراب السياسي العام قد يكون ضربةً في وجهه.