بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ساحة سياسية

رؤيتنا

حول اللحظة السياسية الحالية

20 سبتمبر

مرة أخرى تسبق الجماهير النخب السياسية وتفاجئهم، فيلبي الآلاف دعوة محمد علي للنزول والتظاهر ضد السيسي وتنطلق من جديد هتافات وشعارات ثورة يناير في الميادين والشوارع، رغم احتمالات القمع المميت أو الاعتقال. أحدثت مظاهرات الجمعة 20 سبتمبر في مدن مصر نقلةً نوعية في مسار معارضة نظام السيسي. فحاجز الخوف الذي خلقته سنوات من القتل والاعتقال والتعذيب قد بدأ في الانهيار بكل ما يعنيه ذلك من إمكانيات للحراك والمقاومة في الفترة القادمة.

يتحدث الكثيرون عن نظريات مؤامرة وعن انقسامات في أجهزة النظام كتفسير لهذه الموجة من المظاهرات واستدلوا على ذلك بالتراخي النسبي للشرطة في قمع المتظاهرين. تعبر تلك الأفكار عن درجةٍ كبيرة من عدم الثقة في الجماهير وفي قدرتها على تجاوز هزائم الماضي وتحدي النظام مجددًا، وهي تعبر كذلك عن عدم إدراك لأن دائرة الجماهير المعارضة اليوم تختلف عن تلك التي شاركت في ثورة يناير.

هذا لا يعني بالطبع أن الانقسامات والشروخ في التحالف الحاكم منذ انقلاب 2013 لا دور لها في اللحظة السياسية الحالية، بل أنها تشكل مكونًا أساسيًا للمشهد الحالي. فمثل تلك الانقسامات والشروخ تكون عادة إحدى المقدمات الرئيسية للحراك من أسفل سواء في اتجاه أصلاحي أو ثوري، فهي ترسل إشاراتٍ واضحة للجماهير بأن جدار النظام أصبح ضعيفًا وقابلًا للانهيار.

لا يمكننا فهم إمكانيات الحراك الحالي دون فهم طبيعة الأزمة التي يمر بها النظام العسكري الحاكم، فقد جاء السيسي إلى الحكم على رأس ثورة مضادة كان هدفها الواضح هو القضاء على الحراك الجماهيري والسياسي الذي فجرته ثورة يناير 2011. وقد نجح السيسي في خلق قاعدة اجتماعية مكونة من قطاع واسع من الطبقة الرأسمالية والطبقة الوسطى لتأييد برنامجه الديكتاتوري العسكري. وكان منطق هذا التأييد هو الذعر الذي خلقته ثورة يناير في صفوف تلك الطبقات. الذعر من موجة الإضرابات والاحتجاجات العمالية والاجتماعية ومن الحركات السياسية الشبابية المطالبة بالعدالة والديمقراطية والحرية. والذعر أيضًا من صعود الحركات الإسلامية وتصدرها للمشهد السياسي.

كانت الصفقة واضحة المعالم. تتنازل البرجوازية المصرية عن أي طموح للمشاركة في السلطة، وتتنازل أيضًا عن نسبة لا يستهان بها من أرباحها للمؤسسة العسكرية، في مقابل القضاء على الثورة وعلى تهديدها لمصالحهم.

مثل تلك الصفقات ليست ظاهرة جديدة. فكثيرًا ما تكون البورجوازيات على استعداد لتقديم تنازلات ضخمة لرجل الجيش القوي في مقابل حمايتها من الثورة ومن التهديدات القادمة من أسفل. ولكن الوضع الذي ينشأ على أساس مثل هذه الصفقات يكون له طابعٌ استثنائي ومؤقت. فعندما تُهزَم الثورات بشكل نهائي ويُقضى على الحركات الاجتماعية والسياسية التي هددت النظام القديم، وعندما يستتب الأمن بقوة السلاح، وعندما يستقر الثوار إما في المعتقل أو القبر أو المنفى، تتحول صفقة الأمس إلى عبء لا يطاق بالنسبة للبرجوازية، ويتحول رجل الجيش القوي من البطل المنقذ إلى مستبدٍ فاسد يجب التخلص منه. في واقع الأمر يصبح استمراره في الحكم هو الذي يهدد الاستقرار، وتبدأ على الفور ظهور الشروخ في تحالف “الضرورة” الذي فرضه ظرف الثورة.

على مستوى آخر أدت الأزمة التي أحدثتها الثورة إلى إعادة ترتيب لتوازن القوى داخل الدولة نفسها، فبعد أن كان النظام خلال عهد مبارك يعتمد على توازن شديد الحساسية بين الرئاسة والداخلية والجيش، أطاحت الثورة بذلك التوازن وأصبحت الداخلية “شبشب” الجيش -كما وصفها محمد علي- وأصبح الجيش نفسه شبشب الرئاسة. وقد قبل الجميع هذا الوضع باعتباره استثناءً ضروريًا ومؤقتًا لإنجاح الثورة المضادة وتثبيت الانقلاب. ولكن محاولة السيسي تحويل الوضع الجديد من الاستثناء إلى القاعدة طويلة المدى، وهو ما ظهر بوضوح مع التعديلات الدستورية، خلق بدوره شروخًا داخل وبين أجهزة الدولة.

ومن جانب آخر فحالة الانتعاش النسبي للاقتصاد والتي نتجت عن مزيج من الإفقار والتقشف من جانب، والتوسع في ما يسمى المشاريع الكبرى من جانب آخر بتمويل قائم بالكامل على القروض الغربية والخليجية، هي أيضًا ذات طابع استثنائي ومؤقت. فعلى سبيل المثال المدن الجديدة مثل العاصمة الإدارية ومدينة العلمين الجديدة ببنيتها التحتية الضخمة وبمليارات الدولارات التي تُضَخ فيها لا تستهدف الصناعة أو الزراعة أو حتى السياحة وبالتالي فلن تحقق أرباحًا أو تدخل إيرادات يمكن من خلالها سداد القروض أو حتى فوائد القروض.

لا يمكن لأي نظام سياسي أن يبقى بالقمع وحده على المدى الطويل. لابد من أيديولوجيا تخلق درجةً ما من الشرعية للنظام لدى قطاعات من السكان. الخوف يمكن أن يشكل أساسًا للشرعية في ظرف استثنائي مؤقت، ولكنه يفقد فاعليته إذا ما حاول النظام تحويله إلى أساس لاستقرار الحكم. هذا ما حاوله السيسي خاصةً منذ تعديل الدستور، وهذا ما نراه اليوم ينفجر في وجهه وفي وجه ديكتاتوريته العسكرية. فنحن أمام حالة من الفقدان التام لشرعية النظام وبدايات تبلور رأي عام جديد معادٍ للنظام وكاشفٍ لقبحه وفشله وفساده. رأي عام لم يعد يقبل التبريرات الساذجة حول مخاطر الإرهاب والإخوان والفوضى وسوريا والعراق. رأي عام لم يعد يتحمل المزيد من سياسات التقشف والإفقار في حين تُنفَق المليارات على القصور الرئاسية وأحياء الأغنياء من الجيش والشرطة وكبار رجال الأعمال.

ولكن هل يعني ذلك أننا على أعتاب ثورة جديدة أو حتى حالة ثورية؟ الشروخ في التحالف الطبقي الحاكم وانفجار الغضب ضد السيسي ونظامه تمثل بالفعل نقلةً نوعية، لكن ذلك لا يعني أن النظام على وشك الانهيار أو أن العملية الثورية ستكون سهلة أو قصيرة. بدايات انهيار جدار الخوف وانفجار موجة الغضب الحالية هو أمر هام وخطير ولكنه مجرد بداية طريق طويل “يمحو آثار الهزيمة” التي إنتهت إليها ثورة يناير 2011 ويعيد بناء مرتكزات للمقاومة في الجامعات وأماكن العمل والنقابات العمالية والمهنية. طريق طويل تستعيد من خلاله الجماهير ثقتها في قدرتها على التغيير وفي جدوى مشروع الثورة. كل ذلك يحتاج إلى عملٍ دؤوب ومنظم ولن يتحقق بالتأكيد بين ليلة وضحاها.

علينا على الفور البناء على الخطوة النوعية التي بادر بها الجماهير؛ أولًا ببناء جبهة متحدة من القوى والجماعات المعارضة بمختلف اتجاهاتها للتفاعل مع الحراك الجماهيري ولبلورة برنامج مطلبي لتجاوز نظام السيسي والحكم العسكري؛ وثانيًا استغلال كافة الثغرات التي بدأت في الظهور في جدار النظام لإعادة البناء التنظيمي نقابيًا وطلابيًا وسياسيًا واستعادة المساحات السياسية التي أغلقتها الثورة المضادة بالقوة. أمامنا معركة طويلة وشاقة ولكنها قد بدأت بالفعل. الجماهير بادرت وسبقت وعلى القوى السياسية الثورية اللحاق بها.