بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

إطلالة جديدة على 6 أبريل من 20 و27 سبتمبر

يصعب عقد مقارنة بين جمعتيّ 20 و27 سبتمبر والسادس من أبريل 2008، وهو اليوم الذي شهد انتفاضة المحلة بعد الدعوة إلى إضراب عام. ورغم احتمال تسرُّب الإحباط للبعض نتيجة مرور الجمعتين الماضيتين دون توقعاتهم، فإن ما يمكن فهمه مما حدث أهم كثيرًا من المشاعر العابرة.

الفارق بين اليومين ليس فقط بسبب الفارق الكبير في الاستجابة والنتائج، ولكن أيضًا بسبب طبيعة الدعوتين والظروف المحيطة بكل منهما. وربما يكون ما حدث، أو لم يحدث أمس الجمعة فرصة مناسبة لإعادة النظر في دور وسائل التواصل الاجتماعي في الحركة، لتحقيق أفضل استفادة منها.

في السادس من أبريل 2008 كانت المرة الأولى في مصر التي انتقلت فيها الانتفاضة من الفضاء الإلكتروني إلى العالم الحي، فتحوَّلت الوسوم إلى هتافات مدوية، وتحرَّكت حشود المتابعين والمتفاعلين من صفحات التواصل الاجتماعي إلى الشوارع.

بعدها لم يعد من الممكن استبعاد وسائل التواصل الاجتماعي والفضاء الإلكتروني من أيِّ محاولةٍ للتفاعل مع الواقع الحي. ولكن عدم فهم دور الفضاء الإلكتروني في الواقع، وآليات تأثيره، يمكن أن تحوِّله لما يشبه قنابل الدخان التي تخفي الواقع، أو الأسلحة الفاسدة التي تصيب صاحبها قبل خصمه.

لنعد إلى السادس من أبريل. ما حدث أن دعوةً للإضراب العام على صفحات التواصل الاجتماعي أحدثت أثرًا كبيرًا في الشارع المصري وقتها، وبغض النظر عن تباين التقديرات حول نجاح الإضراب العام من عدمه، إلا أن المتفق عليه هو أنه في اليوم المحدد، 6 أبريل، انتفضت مدينة المحلة، واستمرت في انتفاضتها لثلاثة أيام، واضطرت الدولة لإرسال وفد حكومي على رأسه رئيس الوزراء وقتها أحمد نظيف وعدد من الوزراء لتهدئة الأجواء عبر تقديم تنازلات سخية لعمال غزل المحلة وأهالي المدينة.

هذا الوصف المختزل سيُفهَم منه على الفور أن وسائل التواصل الاجتماعي تحوَّلت إلى طريقةٍ سحرية للحشد والتعبئة، تختصر الكثير من الجهد والوقت في البناء والتنظيم، خاصة إذا ما تكرَّرَت التجربة عدة مرات ونجحت، كان أهمها بالطبع الدعوة لـ 25 يناير 2011.

ولكن بعض التفاصيل المصاحبة للحدث قد تُغيِّر هذا الفهم. فمثلًا يوم السادس من أبريل 2008 لم يبدأ كدعوةٍ للإضراب العام على وسائل التواصل الاجتماعي، بل بدأ كدعوةٍ من عمال المحلة للإضراب في الشركة لاستكمال الحصول على مطالبهم. هذه الدعوة لاقت ترحيبًا وسط بعض القوى النشطة وقتها، وأولهم حركة “كفاية”، والتي تلقَّفَت الدعوة لتدعو إلى تطويرها إلى إضرابٍ عام، وكانت الخطوة التالية هي انتقال الدعوة إلى وسائل التواصل الاجتماعي. يبدو المسار الآن أوضح، انطلقت الدعوة من على الأرض، من موقع عمالي نشط بالفعل، ووصلت إلى حركة سياسية نشطة أيضًا، لتنتقل بعدها إلى العالم الافتراضي، قبل أن تعود مجددًا إلى الواقع الحي.

ليست هذه كل التفاصيل التي صاحبت السادس من أبريل. فإحدى التفاصيل المهمة، هو ما سبق وصاحب السادس من أبريل من حراك سياسي واجتماعي. قبل السادس من أبريل بحوالي أربع سنوات، كانت حركة الإصلاح الديمقراطي قد أصبحت واقعًا لتبرز من خلالها حركات منظمة تناهض التوريث والتمديد، أبرزها بالطبع “كفاية”، والتي اعتُبِرَت قفزةً مهمة للمعارضة التي اعتبرت مبارك خط أحمر طوال فترة حكمه، بينما بدأت حركة الإصلاح الديمقراطي تهتف ضد مبارك في الشوارع. من ناحية أخرى، انطلقت في مصر احتجاجات عمالية غير مسبوقة، إذ انتقلت الإضرابات العمالية منذ نهاية 2006 إلى مختلف المواقع العمالية ومختلف محافظات مصر، بحيث أصبحت إضرابات العمال حدثًا يوميًا لا ينقطع. شركة المحلة التي دعا عمالها لإضراب في السادس من أبريل، شهدت سلسلة احتجاجات قبل ذلك الموعد، أول تلك الإضرابات كان في 7 ديسمبر 2006 وهو الإضراب الذي اعتُبِرَ ميلادًا لموجة الإضرابات العمالية في مصر. وتلاه إضرابٌ آخر في سبتمبر 2007 استمر أسبوعًا كاملًا، ثم مظاهرة شارك فيها آلاف من عمال المحلة وتحرَّكت خارج الشركة في 17 فبراير 2008، أي قبل السادس من أبريل بأقل من شهرين. كانت المظاهرة للمطالبة برفع الحد الأدنى للأجور لكل عمال مصر، وكان هذا تطورًا نوعيًا في الحركة العمالية المصرية، إذ كانت تلك هي المرة الأولى التي يرفع فيها عمال شركة واحدة مطلبًا قوميًا لكلِّ عمال مصر وليس مطلبًا يخص موقعهم فقط.

هذه المقدمات تجعل أيَّ إعلانٍ من قبل عمال غزل المحلة وقتها محل اهتمام وثقة كبيرة من كافة المعنيين بالشأن العام، ولم يكن غريبًا أن تشهد الشوارع والميادين التي تظاهر فيها العمال انتفاضة بعد ذلك بأسابيع مزَّق فيها الأهالي صور مبارك. لم تكن حركة عمال المحلة استثناءً وقتها، فموظفو الضرائب العقارية اعتصموا لعشرة أيام في ديسمبر 2007، أي قبل السادس من أبريل بحوالي أربع أشهر، في قلب العاصمة وأمام مقر مجلس الوزراء، فضلًا عن عشرات الوقفات الاحتجاجية والمظاهرات التي كانت تشهدها مصر يوميًا وقتها.

أيًّا كان الخلاف الذي دار حول دعوة السادس من أبريل وأثرها على الحركة العمالية في المحلة، فإنها تظل قفزةً للحركة وقتها، ولكنها قفزة لحركة موجودة بالفعل وتسير بالفعل، وليس نفخًا للبوق في الصحراء.

نجحت دعوة السادس من أبريل بشكلٍ مذهل في استبدال أدوات الحشد والتعبئة التقليدية، مثل البيانات المطبوعة والكتابة على الجدران، بأداةٍ جديدة وهي وسائل التواصل الاجتماعي. ما وصلت إليه الدعوة في أيام، كان بحاجة إلى جيش من المناضلين للعمل عليه لأسابيع وربما لشهور للقيام به، حيث طباعة مئات الآلاف من البيانات والتحرُّك في عشرات المدن في مختلف المحافظات؛ تكاليف ضخمة ومخاطر أمنية أكيدة.

هذه هي القفزة التي حقَّقَتها دعوة السادس من أبريل. ولكن لم تكن هذه القفزة من حيث الكم فقط، أي إمكانية الوصول بمجهود أقل لقطاعات أوسع وبشكل أكثر أمانًا، بل كان هناك التغير النوعي الأهم. فآليات التعبئة والحشد الجديدة التي أطلقتها الدعوة تضمَّنَت ما افتقرت إليه الأدوات التقليدية، لأنها كانت أدوات تفاعلية، يمكن عبرها قياس الاستجابة والتأثير، بل وتسمح بالتفاعل وتعديل الخطط وفقًا للمزاج العام، كأن هناك عقلًا جماعيًا كبيرًا تتفاعل فيه رؤى وأفكار متنوعة ليصل لأفضلها. ولكن هل يعني قدرة عدد قليل، مهما كانت درجة إخلاصهم القيام بمهام جيش ضخم، إمكانية الاستغناء عن هذا الجيش؟ كلا على الإطلاق، هذا الجيش هو نفسه الحركة، وتطوير أدوات الحشد والتعبئة لأيِّ درجة لا يعني أبدًا عدم جدوى وفاعلية العدد الكبير الذي يتبنَّى قضية وعلى استعدادٍ للتحرُّك من أجلها، ووسائل التواصل الاجتماعي، بطابعها الديمقراطي من شأنها زيادة هذا العدد وزيادة فاعليته، لا استبعاده.

هكذا يبدو الفارق بين أبريل 2008 وسبتمبر 2019. عبَّر أمس الجمعة، ومن قبله جمعة 20 سبتمبر، عن نتيجة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي كمنصةٍ منفصلة عن الواقع تحاول إطلاق الشرارات علَّها تصادف برميل بارود فتنفجر. أما 6 أبريل، فقد كان تطوُّرًا نابعًا من حركة تجري بالفعل في الواقع، ومحاولةً لتسريع ما يحدث بالفعل عبر توفير أفضل الوسائل المتاحة للتنظيم والتعبئة والحشد.

ولكن هل ذهب 20 و27 سبتمبر سدى؟ هذا أيضًا تصوُّرٌ سطحي. فالأسابيع الماضية، وما حملته من تشهير بالنظام ورموزه، كشفت حجم الكراهية والرفض التي يحظى بها هذا النظام في الشارع، وكشفت ضعف أدواته وارتباكه أمام أي أزمة. كشفت الأسابيع الماضية هشاشة النظام، ولكنها أكَّدَت مُجدَّدًا أن هشاشة النظام غير كافية لانهياره، وأنه قادرٌ على البقاء. بفضل هشاشة أعمق لدى معارضيه لابد من تجاوزها.