بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

حركة 20 مارس: الوحدة مع التنوع.. والتغيير مع الجماهير

متى يصبح اليسار قوة جماهيرية ومتى يفك عزلته؟ فترات قليلة في تاريخ كفاحه كان اليسار المصري قوة دفع هائلة وسط الحركة الجماهيرية: في العشرينات عند قيادة الحزب الاشتراكي لحركة احتلال المصانع، وفي الأربعينات مع تشكيل اللجنة الوطنية للطلبة والعمال. عدا ذلك كان نشاط اليسار منحسرًا في تجمعات المثقفين وفي أوقات صعود الحركات الطلابية. ومنذ منتصف الثمانينات كف اليسار المصري عمومًا عن أن يكون يسارًا، وتحللت معظم منظماته أو اندثرت، وذهبت نسبة ضخمة من كوادره إلى ساحات إصلاحية وخدمية، أو إلى ساحات التأمل والانسحابية، هذا علاوة على أن راياته العلنية أصبحت شبه حكومية.

هكذا، أصبح حال اليسار المصري يسر كل عدو له، ويحزن كل صديق!! وبغياب اليسار غابت الشمس التي تمنح الدفء والأمل للبشر.. الجفاء والخصومة والعصبوية الشديدة بين رفاق الدرب الواحد هي التي سادت، وكان البرد قارسًا.. قارسًا..

مع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية ومع تشكيل اللجنة الشعبية لدعم الانتفاضة عادت المياه للتدفق من جديد. ولا شك أن المبادرة بتشكيل اللجنة الشعبية والدعوة لها تستحق كل التحية والتقدير، لأنها لعبت دورًا تجميعيًا حول مهمة محددة، هي دعم الانتفاضة. كما زاد من أهمية المبادرة أنها حاولت قدر الإمكان الانخراط في صفوف الجماهير، وقد حققت في هذا الجانب نجاحًا هامًا سواء في تجميع النشطاء في المحافظات المختلفة، أو في حشدهم في القوافل الشعبية. ولا يستطيع أحد أن ينكر أن تجربة اللجنة الشعبية لدعم الانتفاضة كانت مصدر إلهام لتشكيل العديد من اللجان بهدف التعبئة واستنهاض الحركة بشكل عام.

وجاء يومي 20 و21 مارس 2003 ليعيد فيهما اليسار المصري اكتشاف نفسه من جديد.. هكذا هو الأمر، حينما تنزل الجماهير إلى الشارع تدب الحياة في شرايين اليسار، وتنقشع غيوم الجفاء والخصومة، ويتلاشى البرد القارس، ويحتاج الجميع إلى الجميع. لقد أنارت شمس الجماهير التي سطعت في سماء القاهرة يومي 20 و21 مارس 2003 الطريق أمام جميع اليساريين: الطريق من أجل تحالفهم ووحدتهم.. طريق الاستعداد للوقوف صفًا واحدًا مع الجماهير في انتفاضتها القادمة. ومن هنا جاءت الدعوة لبناء “حركة 20 مارس من أجل التغيير” أي بناء تحالف اليسار على موقف: التغيير بواسطة الجماهير ومن أجل مصالحها..

تشبث الجميع باسم 20 مارس لأن هذا اليوم كان من صنع الجميع ولم يكن من صنع فصيل بمفرده، ولأنه كان يوم الجماهير، كل منا كان ولا زال – يرى في نفسه في 20 مارس: لقد كان يومًا للتضامن مع الانتفاضة الفلسطينية ضد الكيان الصهيوني، وللتضامن مع الشعب العراقي ضد العدوان الأمريكي، ولإعلان الجماهير المصرية موقفها ضد الديكتاتورية والظلم الاجتماعي.

أدرك الجميع بعد 20 و21 مارس أهمية العمل المشترك (وخاصة بين صفوف اليسار) وأدرك الجميع من خلال المظاهرات أن اليسار المستقل خارج صفوف التنظيمات والأحزاب اليسارية أوسع كثيرًا من اليسار داخل صفوفها وأن الطرفان (يسار التنظيمات واليسار المستقل) كل منهما في حاجة إلى الآخر، وأن هناك أهمية لتكامل الخبرات والإمكانيات والرؤى، ولا يستطيع أي طرف منهما أن يدعي أنه يملك الحقيقة المطلقة والصحيحة.
ولأن الجماهير في أوقات المد تكون بطبيعتها ثورية وأكثر يسارية من اليسار ذاته، لأن ثورية اليسار تنبع من ثورية الجماهير، فإن المهمة الكبرى التي تقع على عاتق كل من يسار التنظيمات واليسار المستقل هي كيف يمكن شد وجذب المئات من الجماهير إلى داخل حركة 20 مارس؟ هؤلاء الذين لم يقرءوا عن اليسار من قبل. وقد لا يعرفون القراءة من الأصل – لكنهم يتبنون بشكل عفوي مواقف اليسار ويصبحون أكثر يسارية من الجميع بسبب الظلم والاستغلال الاجتماعي الواقع عليهم، ومعاناة حياتهم اليومية.

اليسار المستقل، ويسار التنظيمات والأحزاب، ويسار الشارع، هذه هي المكونات الثلاث التي يجب أن تصنع “حركة 20 مارس من أجل التغيير”. كل من يريد أن يقف بصدق ضد الديكتاتورية والاستبداد والفساد في هذا المجتمع ينبغي أن نسعى لاجتذابه في حركة 20 مارس، كل من يريد أن يناضل ضد الاستغلال ووحشية رأس المال ينبغي أن يكون معنا في حركة 20 مارس، كل من يعادي الإمبريالية والصهيونية ينبغي أن ندعوه لحركة 20 مارس.

الاختلاف بين اللجنة الشعبية لدعم الانتفاضة وحركة 20 مارس من أجل التغيير: أن الأولى تعمل على التجميع والعمل المشترك حول مهمة سياسية محددة وهي دعم الانتفاضة، أما الثانية فإنها تعمل على التجميع والعمل المشترك حول إطار سياسي عام يحدد مهام النضال العلمية الراهنة، ويترجم باستمرار إلى مهام محددة وملموسة. فحركة 20 مارس هي تحالف سياسي، وليست بديلاً عن اللجنة الشعبية أو غيرها، بل أن عليها أن تصب جهودها في دعم الانتفاضة مثلاً من خلال اللجنة الشعبية.

إن ظاهرة تعدد لجان العمل المشترك (دعم الانتفاضة، والمقاطعة، ومناهضة العولمة، وإلغاء حالة الطوارئ، واللجنة التنسيقية العمالية، والدفاع عن حقوق العمال، والدفاع عن الفقراء، وسجناء الرأي، ومقاطعة المحمول، وفواتير الكهرباء،.. إلخ) لها مدلولها وهي أن العمل الشعبي يبحث عن خلق قنوات جديدة تلبي احتياجاته، في ظل الصيغة الديكتاتورية المفروضة عليه، كما أنها دليل على حيوية المبادرات التي تولد كل يوم، وهنا أصبح من الواجب على اليسار أن تكون له رايته الموحدة المنفتحة والمستعدة للنضال مع الجميع، لينخرط بها في صفوف الحركة الجماهيرية، وليتفاعل من خلالها مع كل المعارك المفتوحة والنضالات المحتملة. هذا ما دفعنا إلى العمل على بناء تحالف لليسار يسعى لتوحيد الحركة على مبادئ ثلاثة عامة: ضد الاستبداد، وضد الاستغلال، وضد التبعية.

وحركة 20 مارس تحالفًا سياسيًا لكنها ليست حزبًا سياسيًا، ولا تطرح نفسها في مواجهة أي حزب مع الأحزاب، هي حركة مفتوحة أمام الجميع، ومفتوحة أمام كل شخص، ولا تلغي التمايز وحرية التعبير لجميع مكوناتها. هي حركة تضع وحدة اليسار المصري وتحالفه في مقدمة أهدافها، حركة تسعى لأن يكون في مكوناتها كل من يرغب في الانضمام والمشاركة سواء كان عضوًا في لجنة شعبية أو مواطنًا مصريًا يتطلع إلى التغيير أو يساريًا مستقلاً أو عضوًا في حزب التجمع أو في الحزب الشيوعي المصري أو في حزب الشعب الاشتراكي أو في الاشتراكيين الثوريين أو في أي حلقة يسارية أخرى.

فالوحدة في الحركة الجماهيرية وفي الشارع (وهذا هو بيت القصيد) سوف تعطي حالة من الزخم لكل مجموعة، وسوف تساعد على نمو كل تجمع على حده وأيضًا على نمو الحركة بأكملها في آن واحد، فالتغيير لن يصنعه أحد بمفرده، آن الأوان لكي ينهض اليسار وأن يتوحد وأن يعي أنه كلما تعددت فصائله ومشاربه المختلفة فهذا دليل على الحيوية وأن يكون شعاره الدائم “الوحدة مع التنوع.. والتغيير مع الجماهير ومن أجل مصالح الجماهير”.. فاليسار شمس النهار.. ودفء القلب.