بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ضحايا التعذيب في مصر: “لا صلح ولا تعويض.. يا هم يموتوا يا إحنا نموت”

حين بدأنا عملنا في تأهيل ضحايا التعذيب، لم نكن جاهزين لما وجدنا أنفسنا بصدده على مدى عشر سنوات، تجاوز فيها عملنا كتابة التقارير وتنظيم الحملات إلى الدخول لا إلى منازل ضحايا التعذيب فحسب بل وأيضًا إلى داخل وجدانهم ووجدان عائلاتهم ومن سمع عن تعذيبهم. فذلك هو تأثير التعذيب.. رسالة لا تقتصر على من يتسلمها بجسده.. هؤلاء من تنزل السياط على ظهورهم أو تطفأ السجائر في جلودهم أو تنزع عنهم ملابسهم ويعبث بأجسادهم.. بل هو رسالة للضحية وعائلته وأهل الحي الذي يسكن فيه وأهل القرية أو المدينة التي يسكنها وشعب البلد الذي يحمل جنسيته.. رسالة مجرمة وفاجرة تستخدم أحط أنواع البربرية التي عرفتها الإنسانية لكي تبث الرعب في القلوب ولكي تثبت في عقول البشر ووجدانهم وإدراكهم أن الملك للجلاد وحده وأن السلطة للجلاد وحده وأنه ما من مفر من تلك السطوة سوى الإذعان لها.

ولسنا هنا نتحدث عن ضحايا التعذيب من السياسيين. فالإنسان الذي يثور على استبداد بلاده، يساريًا كان أو إسلاميًا أو غير ذلك يعلم ضمنيًا أن انتقام المستبد حقير وأن نظرية المستبد العادل هي نظرية وهمية، وأن الاعتقال والتعذيب هما أحد الاحتمالات التي قد تعترض طريقه. إن ذلك لا يخفف من جريمة التعذيب أو وطأتها، لكنها في هذه الحالات جريمة ذات منطق. إنها سلاح المستبد الجبان ضد المقاوم، وهو سلاح جبان لأنه عاجز عن المواجهة في حرب متكافئة، ولا يصبح فعالاً سوى مع ضحية مقيدة، معصوبة العينين، لا ترى ولا تملك أن تتحرك ولا تملك –وهو الأهم– أن تتعرف على ملامح عدوها وجلادها. ذاك هو التعذيب ضد المناضلين السياسيين بصرف النظر عن اتجاهاتهم، جريمة جبانة.

فالضحايا هم أمثال السيدة “م” الأرملة المسنة التي تعول أسرة ممتدة من أبنائها وبناتها وأحفادها بعد حادث حرمها زوجها وزوج ابنتها وترك لها قطعة صغيرة من الأرض هي مصدر الرزق الأول والأخير، والتي رفضت التنازل عن الأرض أو بيعها لأحد كبارات البلد فكان جزائها الاعتقال والجلد والتحرش الجنسي بجسدها وتركها لتعود عارية إلى منزلها مع ساعات الفجر الأولى وهي التي لم ينكشف جسدها على زوجها نفسه!! إنها رسالة لمن لا يدرك أنه هو وما يملكه ملكًا للأكابر، وأنه لا حق لمن لا يحوز السلطة!!

وهم أمثال السيد “ع” طباخ وزير الصحة السابق، الذي استكثر على نفسه أن يقوم بأعمال لا تقع في إطار مسئوليته، فمارس حقه المشروع في الاستقالة ليدفع ثمن ذلك يومين معلقًا من ذراعيه في أحد حجرات قسم الشرطة. ليخرج بعدها مشلولاً في نصف جسده وحاملاً رسالة واضحة بأن كلمة الأسياد لا ترد، وأن ساعات عمل الفقير تمتد منذ أن يفتح عيناه صباحًا إلى أن يغلبها النوم، وأن التعليق والجلد والإهانة هما عقوبة من تسول له نفسه أن يرفض، حتى ولو كان ما يرفضه هو الطبيخ لدى أستاذين من أكبر أساتذة الطب في مصر!!

إنهم من أمثال السيد “ف” التاجر العائد من عمله عن طريق مترو الأنفاق، فصبر على إيقافه من باب الاشتباه وصبر على تفتيشه وسبه وإهانته لأنه يعلم أنه لا يحمل محرمات. وحين اتضح من التفتيش أنه نظيف شعر ببعض القوة، فحاول استرجاع أشيائه ومن بينها علبة سجائره، التي أرادها الضابط لنفسه، فكان ثمن تلك العلبة ثلاثة أيام من التعليق من الذراعين من خلف وعاهة دائمة في الذراعين!!

إنهم من أمثال السيدة “ف” التي اعتقلت مع عشرة من أفراد أسرتها لأن اعتقالهم وتعذيبهم أسهل من استخدام السبل القانونية في إجراء التحريات حول جريمة قتل في الحي. تقول: “تلات أيام مفيش نوم.. مرتين ثلاثة في اليوم يقلعوني عريانة ومحمد الشرقاوي (هو رئيس مباحث قسم حلوان، أحد سلخانات التعذيب في القاهرة) قاللي إنتي ما تنفعيش غير في…. وأنا متخصص في الـ…. ربط رجلي في فلكة فيها حبل تخين ورفع رجليه. واحد قال له لبسها البنلطون. كنت من غير ملابس داخلية.. رفض يلبسني البنطلون وأصر أنه يرفع رجليه وأنا عريانة. وضربوني عليها. في مرة تانية قلعوني ملط وواحد فيهم نام فوقي، فأغمى علي، قلت لهم موتوني، اخلعوا ضوافري، عذبوني زي ما أنتم عايزين بس ما تقلعونيش الجلابية.. أنا جوزي عمره ما شافني عريانة. أخدت قميصي “الداخلي” وعليه دم للمحامي ولوكيل النيابة. أنا اتفضحت خلاص، مفيش فضيحة بعد كده. قلعوني كذا مرة وناموا فوقي، والضابط محمد الشرقاوي كان بيمسكني من حتت في جسمي، أنا كنت بأموت، وكنت أنا كمان بأشد في جسمي وشعري وعاوزه أموت.. ولاد أخويا مش بس شافوا أبوهم متعلق، لأ دول كمان شافوني وشافوا أمهم ملط ونايم عليها واحد وأخوي شاف المنظر ده بنفسه.. والشرقاوي قاللي حأعملك قضية دعارة.. وهددني أنه ينزلني للمساجين علشان يغتصبوني. ومسكني من صدري ومن… كنت قالعة ملط وكان أخويا متعلق ومراته ملط ونايم عليها واحد. بنت أختي قلت لي إنه في قسم مايو واحد من اللي كانوا بيعذبوها قلع لها ملط وجاب الأمناء قلعوها ملط وضربوها. وواحدة تانية كانت والدة من أربع أيام والطفل كان معاها. جت له صفرا ونزف من بقه، فخرجوها. والرجالة واحد اتحرق وواحد إيديه الاثنين مكسرين وبنلف بيه على الدكاترة. حداشر نفر من العيلة اتبهدلوا واتفضحوا، مش ممكن نسيب حقنا أو نتنازل، وما ينفعش صلح ولا تعويض. ما عدش ينفع غير يا همه يموتوا يا أحنا نموت”. تلك حكمة المرأة التي استخلصتها من درس “التهذيب” الذي كانت ترجو به الداخلية أن تلجم لسانها إلى الأبد.. “إما نحن أو هم”!!

خمسين يوم في تاريخ وزارة الداخلية المصرية شهدت تعذيب 38 مواطنًا وقتل سبعة تحت التعذيب، زادوا اثنين في أثناء ما كانت تتم عملية الرصد!!! تعذيب بلا حدود، يحميه القانون الذي يحول دون أن تلجأ الضحية إلى القضاء للقصاص من جلادها.. تتنكر له الداخلية، إذ تعلن بوقاحة من يشعر أنه قادر على الاستهزاء بعقول 70 مليون مواطن إنها حوادث فردية لا تتعدى كونها سوء تصرف من الضابط المسئول، فتحميه بقوانينها في نفس الوقت الذي تحاول أن تشتري له صمت الضحايا بالأموال أحيانًا وبمزيد من الترهيب في كثير من الأحيان. فهل بين الداخلية وبين هؤلاء ثأر مبيت؟ لا، ونعم!

لا، لأن هؤلاء لا يتعدوا كونهم بعض من الجمهور المستهدف من إرهاب الدولة!! هم مواطنون من أماكن وأعمار ومدن وقرى مختلفة يجمعهم عامل مشترك واحد، هو فقرهم، وعدم امتلاكهم العلاقات اللازمة أو المراكز اللازمة أو أرقام التليفونات اللازمة أو الأموال اللازمة لإخراجهم من قبضة البوليس. وحيث أنهم فقراء فإنهم في نظر الحكومة لا ثمن لهم، هم مجرد أجسام متحركة لا اسم لهم ولا ملامح ولا عائلات ولا مشاعر، وبالقطع ولا حقوق!! إنهم مثل ضحايا قطار الصعيد الذين لم نر يومًا صورة فوتوغرافية بالألوان لأحدهم، ولم نسمع يومًا عن قصة حياة أحدهم، أو أحلامه التي احترقت مع حريق القطار. إنهم فقراء هذا الشعب وأغلبيته. هم أعداد ضرورية لكي يكون هناك شعب، لكن بقاءهم فقراء ومطحونين هو أيضًا أمر ضروري لكي ينفرد حكام البلاد بثرواتها، لا يشاركهم فيها أحد حتى ولو كان هذا الأحد هم أصحابها الحقيقيون.

ثم نعم.. هناك ثأر مبيت.. لأنه ما بين كل ظالم ومظلوم ثأر مبيت. والطريق الوحيد للحول دون أخذ المظلوم بثأره هو أن يستمر الظالم في ظلمه.. إن قضية التعذيب ليست قضية مقصورة على ما يحدث في أقسام البوليس، وغرف الأمن في محطات المترو، أو في زنزانات السجون ما هو تحت الأرض منها وما هو فوقه. إن التعذيب هو ذبح القطة لشعب بأكمله، ضرب للمربوط كي يخاف “السايب”.

يقول الدكتور عبد الله منصور في مقدمته لكتاب “التعذيب في مصر، حقائق وشهادات” الصادر عن مركز “النديم”: تتضمن عملية التعذيب وتهدف إلى الحد المطلق من حرية الضحية وإرادته وبالتالي من قدرته على السيطرة على جسده وعقله، بل أنها تشيئه بإلغاء ذاته كإنسان وتحويله إلى مجرد موضوع للتعذيب. فالذات الوحيدة القادرة على الفعل هي ذات الجلاد والسلطة لتي يمثلها ويمارس التعذيب باسمها. وهنا يكمن مغزى التعذيب وسر قوته كأداة للقمع وللتحكم، فمن خلال السيطرة الكاملة على جسد الضحية كجزء من إدراكه لذاته، يتم السيطرة على روحه وعقله وتشويههما بما يتلاءم وأغراض السلطة ومصالحها”. فالمفترض من ضحية التعذيب أن ينقل رسالة التعذيب وخبرته إلى خارج الزنازين، أن ينقل إلى الآخرين خبرة أنه لا مفر من سيطرة “السلطة”. ولا تصبح السلطة في هذه الحالة قاصرة على الضابط الذي عذب أو أمين الشرطة الذي علق أو الداخلية التي وزعت أجهزة الكهرباء على الأقسام، وإنما يعمم مفهوم السلطة ليصبح كل ما هو “حكومة”، ثم كل ما هو “قادر” وكل من يملك السلطة، مهما كانت ضآلة تلك السلطة. فهي الضابط في قسم الشرطة الذي يملك أن يعتقل وأن يعذب، وعسكري المرور في الشارع الذي يملك أن يسحب الرخص أو أن يوقف تاكسيًا ليصله إلى منزله دون أجرة، والطبيب في المستشفى الذي يملك أن يعطي العلاج أو أن يحجبه دون أن يبدي تفسيرًا، والمدرس في المدرسة الذي يملك مستقبل الأولاد بين يديه، والموظف الذي يسب ويلعن ويتعامل مع المواطن كما لو كان يمن عليه وليس باعتباره موجودًا في محله ليخدم ذلك المواطن. ومثلما يعمم المواطنون السلطة والخوف منها على كل ما له صفة الحكومة، فإنهم، كلما كان ذلك ممكنًا، قد يتمثلون تلك السلطة في مساحة صغيرة يخلقوها لأنفسهم حيث يفرغون غل الشعور بالظلم فيمن هم أضعف منهم، في من يملكون التحكم فيهم. وإذا بالمجتمع بأكمله ينقسم إلى ظالم ومظلوم، قاهر ومقهور، جلاد وضحية. وبدلاً من أن يتحد المقهورون مع من هم أكثر منهم قهرًا في مواجهة من يقهر الجميع، يبحثون فيما بينهم عن أضعف الحلقات التي يمكن أن تكون موضوعًا لتفريغ قهرهم وشعورهم بالإذلال.

ما لا يدركه غالبية هؤلاء المقهورون جميعًا، الضعيف منهم والأكثر ضعفًا، هو أن جلادهم الأعظم جلاد مذعور، يعيش على خوفهم، ويمني نفسه بطول العمر ما دام قادرًا على بث الخوف، ما دام قادرًا في ظلمة السجون أن يقذف بظله على جدران الزنازين فيبدو عملاقًا رغم كونه في الحقيقة قزمًا، يرتعد خوفًا لو سقطت الغمامة وظهر وجهه لضحيته المقيدة.

الجلاد خائف مثله مثل الضحية. لكنه خوف الوضيع الذي يكيل اللكمات طالما عدوه مقيد ويختبئ من النور لحظة أن يحل القيد أو يذوب. وتلك هي الرسالة التي يجب أن تحملها مناهضة التعذيب لضحاياه وأهالي ضحاياه وأصدقائهم والمتعاطفين معهم والرافضين للتعذيب ويبحثون عن سبيل لمناهضته. إن مناهضة التعذيب ليست مهمة منظمات حقوق الإنسان، فتلك لا تتعدى كونها مؤسسات متخصصة تسلط الضوء وتوثق وتفضح وتنقل ما تراه لمن لا يرى، لكنها لن تقضي وحدها على التعذيب، فالقضاء على التعذيب هو مهمة شعب بأكمله، كما أن حقوق الإنسان هي هم شعب بأكمله. وسوف تبقى منظمات حقوق الإنسان أداة في خدمة ضحايا التعذيب، وملاحقة جلاديه، هذا أمر لا جديد فيه. لكن الجديد هو أن تتحول قضية التعذيب من قضية حقوق إنسان إلى قضية سياسية، تتبناها كل القوى السياسية والمدنية والاجتماعية التي تسعى إلى التغيير، أي تغيير، نحو الديمقراطية، ونحو العدالة الاجتماعية. إن أفضل تقارير التعذيب وأدقها ليست هي تلك المستندة إلى بنود الاتفاقيات الدولية، لكنها تلك المستندة إلى كلمات الضحايا أنفسهم. ويوم يتحدث ضحية التعذيب عما تعرض له على أيدي ضباط الشرطة، يتوقف عن أن يصبح ضحية، ويصبح مقاومًا. وإذ يصبح مقاومًا فإنه يبحث عن كتيبة يلتحق بها، لينتظم بين صفوفها. وإذا كان على عاتق الضحايا/ المقاومين أن يسردوا القصة وراء الأخرى والبيان وراء البيان وأن يرفعوا القضية وراء الأخرى، فإن على من لا يملكون قصة بعد أن يحرثوا الأرض التي تصبح فيها تلك القصص بذور مقاومة لكل اضطهاد وقمع. وعليهم في كل مرة يتحدثوا فيها عن التعذيب أن يتخيلوا ولو صورة من آلاف الصور، السجائر الحارقة على جسد الأطفال ليعترفوا على أهلهم، النساء المنزوعة عنهن ملابسهن ليعترفوا على أزواجهن، الشباب المعلقين بدون ثياب في أسقف الأقسام ومقار مباحث أمن الدولة، لكي يصبح لكلمة التعذيب معناها الفعلي، ولكي لا يموت فينا الغضب الذي يجب أن يبقى ثائرًا لحين يتوقف السجان عن أن يكون قاضيًا وجلادًا. وقد قالتها السيدة “ف” بوضوح وبساطة “لا صلح ولا تعويض.. يا إحنا.. يا هم”!!