بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

محفوظ عبد الرحمن.. مؤرخ على الشاشة الصغيرة

لون خاص من الدراما التاريخية أضفته أعمال الكاتب محفوظ عبد الرحمن العشرون على الشاشة الصغيرة، وأكده ثالوث مسلسلاته “بوابة الحلواني” و”أم كلثوم” و”قاسم أمين”، وكذلك فيلم “ناصر 56″، حيث يقدم التاريخ في صيغة نلمح خلالها آراءه وانحيازاته ممتزجة بالحدث، وبعيدة عن خطابية انزلق فيها آخرون. ويقدم محفوظ عبد الرحمن شهادته لـ”أوراق اشتراكية” حول أعماله وتقييمه للدراما التليفزيونية، والموضع الإقليمي المتفجر والمحلي المأزوم.

* الدراما التليفزيونية أصبحت الآن أكثر شعبية من المسرح والسينما، على الأقل في مصر، فهل هذا يعكس تراجعًا أم تطورًا في فن الدراما؟

** الإحصاءات التقديرية لجماهير الدراما التليفزيونية في مصر والعالم العربي تصل بالفعل إلى أرقام مذهلة مقارنة بغيرها من أنواع الدراما، وهو ما يرجع إلى غياب وسائل التسلية بخلاف التليفزيون عند الفقراء، والأغنياء أيضًا. فالفقير قد يفقد مرتبه بالكامل إذا غامر وخرج بأسرته إلى المسرح، أما الثري فلا يجد مكانًا لسيارته. وإضافة إلى ارتفاع سعر التذاكر، نجد أن المسرح يفتقد النجوم. كذلك ففي المجتمعات المبنية على المشروع الخاص، كما في مصر، نجد المشروع يستهلك وقت صاحبه تمامًا، كما يستنفد قدراته الخلاقة، فلا يحتاج من المنتج الفني إلا ما يسليه، كالمسرحيات الغنائية والأعمال الكوميدية والموسيقى، وليست الأعمال الجادة، كهاملت في المسرح مثلاً. بالتالي التليفزيون أقرب وأوفر وسيلة لذلك، خاصة في ظل الفضائيات التي تعطي تنويعات مختلفة، فيعود كل فرد في آخر يوم العمل إلى بيته ويلقي بنفسه أمام التليفزيون، ولا يكون في إمكانه إلا التذوق الأبله، وعندما يقابل دراما جادة، فإنه يقوم بتحويل القناة. أما بالنسبة لمستوى الدراما، فقد وصل في السبعينات والثمانينات إلى ذروته. ويعود تراجعه بعد ذلك إلى سوء الإدارة، فليس هناك فلسفة إنتاج، والمنتج الحالي في حقيقته ممول، فهو يرحب بأي عرض من مخرج أو كاتب أو ممثل، بشرط أن يحوز المشروع رضا الرقابة وبعض النجوم (لزوم التوزيع والإعلانات). ولا يوجد في مصر منتج يستخدم خياله أو تفكيره، لكنه يدير بترتيب قد يكون جيدًا، لكن بدون إبداع بسبب غياء الجزء الخلاق فيه. وهناك مئات المسلسلات في السنة، وليس هناك معاهد للسيناريو، بمعنى أن هناك ثورة في الإنتاج رغم تراجع عدد المؤلفين من خمسة عشر إلى خمسة، فهناك من هجروا المهنة، ومن هجروا البلد، ومن هجروا الحياة أيضًا. ولا يكفي قسم السيناريو بمعهد السينما لتفريخ الكم اللازم، كما أنه لا يقبل سوى الطلبة، بينما المهنة تتطلب المؤهل المثقف. والتليفزيون لا يتبنى كتاب جدد، ولا يبحث عن الكفاءات، ولكن بمجرد أن ينجح كاتب في الفوز بلقاء الممول، فمعنى ذلك أنه يأخذ مسلسلاً كاملاً من ثلاثين حلقة، وهم ما يعني أنك تهدمه من أول خطوة، لأنك تعطيه أكبر من طاقته. ويعد السيناريو من أصعب أنواع الكتابة، ولو وجد المنتج الحقيقي لاستطاع جلب مائة كاتب في السنة من بين الصحفيين والموظفين وكتاب الحسابات ومن على المقاهي في طنطا وطلخا والصعيد والقاهرة. ولكنهم ينتظرون من يطرق الباب ويلح، وهذا بالتأكيد يكون غير موهوب.

* أصبح القدر الأكبر من الدراما المعروضة في المسرح والسينما يمثل تكريسًا للإسفاف والتفاهة، فلماذا ابتعدت عنها الدراما الجادة، رغم أنه عندما تشذ بعض العروض عن السياق فإنها تلقى نجاحًا جماهيريًا؟

** لأن الأعمال الجادة هي نتاج جهود أصحابها، فكتاب العمل الجاد قليلون، والكفاءات بينهم أقل.

* تميل الكتابة التليفزيون إلى الإيقاع البطيء والاهتمام بتفاصيل العلاقات على حساب الأحداث والتشويق، فهل هذه سمة تعود إلى الطبيعة التقنية للأداة نفسها أي التليفزيون، أم أنها تمثل ميلاً لدى الكتاب لأسباب تخص الإنتاج التليفزيوني؟

** الكلام عن المط والبطء والإيقاع هو “كليشيهات” تواجه الأعمال التليفزيونية يتم من خلال ثلاث كاميرات، ومن ثم فأن له إيقاعًا مختلفًا، وأؤكد “مختلف”، عن إيقاع السينما، وليست المسألة أنه أكثر بطئًا أو سرعة. هنا تكون الجودة ليست في مدى سرعة إيقاع المسلسل، وإنما في الإيقاع المناسب. فمثلاً عندما ترى برجمان يصور البطل وهو يمشي أربع دقائق كاملة على الشاشة في اتجاه المصنع، لا تشعر إلا أنك أمام شيء مرعب في جماله، فالإيقاع آت من داخل العمل. وبالتأكيد لا يوجد مخرج مصري يقبل أن يصور مشهدًا كهذا بحجة التطويل. وفي حالة الأعمال الجادة، يفضل الممول الأعمال الطويلة، لأنه بعد أن يدفع مبالغ أساسية في الديكورات وخلافه، يأتي بعدها للأرخص. لذلك فإن ثلاثين حلقة بالنسبة له تكون معقولة، لكنه يرفض سيناريو من عشرين حلقة. لكن الفيصل هنا هو مدى استجابة السيناريست. كذلك فإنه ليست كل الأعمال تصلح لأن تكون ثلاثين حلقة، كما أنه أحيانًا ما تؤدي كثرة الخطوط الفرعية إلى أن يتوه المشاهد بين نقاط البدء والنهاية. بالتأكيد الممول والمسائل المالية مؤثرة في العمل، لكن ليس دائمًا ينصاع المؤلف. كما أن إيقاع العمل لا يقتصر على الفكرة، وإنما أيضًا على الإخراج والتمثيل. لا شك أن العديد من الأعمال مملة وبها مط، ولكن المتلقي أحيانًا، كما قلنا، تسيطر عليه اللامبالاة وغرض التسلية. فلا يهتم.

* هناك عدد من كتاب التليفزيون، أنت أحدهم، حققت أعمالهم قبولاً جماهيريًا واسعًا، وأصبح الجمهور يبحث عن أعمالهم بشكل خاص، فهل تعتقد أن تقنية التليفزيون تعطي فرصًا أفضل لكتاب الدراما من غيرهم؟

** التليفزيون هو ميديا قريبة نسبيًا من المسرح، فمثلاً يمكن لمسرحية لسعد الدين وهبة أن يقوم بإخراجها سعد أردش أو فهمي الخولي، وقد يعاد إخراجها على يد ثالث، لكنها تبقى في النهاية مسرحية سعد الدين وهبة. نفس الشيء يمكن أن يقال فيما يتعلق بالدراما التليفزيونية. كما أن الكاتب في التليفزيون أو المسرح هو صاحب الموضوع أو القضية، فنرى أن تعليقات المشاهدين تنصب عليه في أغلب الأحيان. أما في السينما، فيمكن للعمل أن “يتورنش”، بمعنى أن يصيغ الفكرة كاتبًا آخر ليس صاحبها، ذلك أن ورقها لا يزيد عن مائة وخمسين صفحة، بينما في التليفزيون، فإن كل حلقة ستين صفحة، والمسلسل مكون من ثلاثين حلقة أو خمس عشرة على الأقل. لذلك فإن كثير من كتاب السينما حصدوا الجوائز بدون كتابة أو بالقليل منها.

** بالفعل كنا خلال الخمسينيات والستينيات نتلقف كل رواية تصدر، فكنا مثلاً نقرأ محفوظ وإحسان في روايات مسلسلة في الصحف قبل أن تصدر في كتاب. بالطبع التليفزيون له دور لأنه شغل الناس عن كل شيء، حتى عن الزيارات والعلاقات الاجتماعية وجلسات الأصدقاء.

* كيف تفسر شعبية الدراما الملحمية متعددة الأجزاء مثل “بوابة الحلواني” رغم تناقضها مع نوعية الأزمات التي يعاني منها الإنسان المعاصر والإيقاع المتسارع للحياة؟

** كما قلت من قبل، المنتج يسعى إلى أخذ أكبر كم من العمل عندما يتعامل مع أسماء مضمونة، فيطالب بثلاثة أجزاء أو بجزأين على الأقل، رغم أن فكرة الأجزاء لا تصلح إلا مع الموضوع التاريخي الممتد أو مع الحلقات المنفصلة. ومعظم الأعمال متعددة الأجزاء التي ظهرت كانت استثمارًا لنجاح سابق أو لأسباب إنتاجية، وهو ما يأتي على حساب جودة العمل، فنجد الجزء الثاني أو الثالث في معظم الأعمال مفتعلاً وليس وراءه مبررات.

* هناك من يرى أن أم كلثوم أثرت سلبًا على تطور المسرح الغنائي في مصر، والذي كان منتعشًا قبل ظهورها، لأنها جذبت الجمهور إلى حفلات الطرب المنفرد ورفضت المشاركة في أعمال المسرح الغنائي.. ما رأيك؟

** ليس هناك مسمى آخر لهذا الكلام سوى أنه “تربص”. فهل نجيب محفوظ ساهم في أزمة المسرح لأنه كتب مسرحية صغيرة، لا ترقى إلى المستوى المطلوب؟ هي رأت أنها لا تصلح للمسرح الغنائي أو لا ترغب في ذلك. كما أن نجاح اللون الذي قدمته كفيل برد مثل هذه الاتهامات السلبية. يذكرني ذلك بما ادعاه البعض بأنها السبب في تغييب الشعب المصري، رغم وطنيتها المشهودة. فالفنان يؤدي دوره حسب قدراته وظروفه وأشياء أخرى. فهل لو لم توجد أم كلثوم كنا فتحنا عكا وقضينا على إسرائيل؟!

* قدمت في فيلم “ناصر 56” صورة شديدة الإيجابية لعبد الناصر مما أفقده الطابع الإنساني وأكد على الميل الشائع لتقديسه وتجاهل السلبيات؟

** هذا الكلام أيضًا من قبيل “الكليشيهات”، فالفترة التي تناولتها هي تجربة التفكير في التأميم والإعداد له، ثم التأميم، ثم ردود الفعل. فهي تجربة مركزة، وأنا أرى أنه كان أداء غير مسبوق في تاريخ مصر، حيث كانت مخابرات العالم تترقب رد الفعل بعد رفض تمويل السد العالي، وهناك ألف خبير ومسئول ناقشوا الفكرة دون أن يتسرب الخبر. كما أن تأميم القناة حقق حلمًا راود المصريين طيلة سبعين عامًا، ومثل أيضًا ردًا على إهانة البنك الدولي الذي سخر من الاقتصاد المصري ووصفه بأنه ضئيل لا يحتمل مشروعًا ضخمًا كالسد العالي.. فأين النقائص والسلبيات هنا؟ فهذا إنجاز باعتراف الداخل والخارج.

* ألا ترى أن الأعمال التاريخية تخلق حنينًا إلى الماضي يساعد على الاغتراب؟

** أنا عملت حوالي عشرين مسلسلاً تاريخيًا، أزعم أنهم أكثر عصرية من كل المسلسلات لأني أعالج فيها الأزمة بشكل جاد. فأنا أزعم أنها كانت أعمالاً عصرية جدًا، بل أكثرهم عصرية من مسلسلات تتحدث عن ارتفاع سعر الخبز وما شابه من مشاكل. ولو وجد المشاهدون أن العمل التاريخي لا يمس مشكلاتهم، أي لو وجدوا فيه عملاً متحفيًا، لما شاهدوه، وهو ما يحدث مع كثيرين. فقبل تقديم العمل، اسأل نفسي: لماذا؟ ومسلسل مثل “عمرو بن العاص”، إذا كان قد شوهد، فلأجل نجومية نور الشريف، فما مبرر سرد سيرة عمرو بن العاص في هذه الأيام؟ هو فتح مصر، لكن هذه الأيام الفتوحات عكسية، أي استعمار، فما المناسبة؟ هو إذن عمل متحفي كان من الأصلح أن يصدر في كتاب.

* كيف ترى الحالة الراهنة من التخاذل في مواجهة الهيمنة الإمبريالية والصهيونية؟

** ليس لي رأي خاص، وإنما دراستي للتاريخ جعلتني أرى الأمر بطريقة مختلفة، حيث علمتني أنه ليس هناك مرحلة نهائية في التاريخ، وإنما هو سلسلة تطورات تؤدي إلى مواقف إيجابية وسلبية، قد تنقلب أحدها إلى نقيضها. نحن الآن في أسوأ مرحلة في تاريخ العالم، وليس فقط بالنسبة للعرب. وحتى الإمبراطورية الرومانية لم تكن بهذا الغباء والتعنت، لأنه عندما غزا الرومان مصر عبدوا الإله إيزيس، واستفادوا ثقافيًا من البلاد التي غزوها، ولم يفرضوا عليها ثقافتهم الخاصة. أما الإمبراطورية الأمريكية الجديدة، فهي تفسد الحياة وتفسد عقول البشر. ونحن بالفعل في فترة صعبة جدًا، ولكن المشكلة الأكبر تكون في الاستسلام. وأنا أعتقد أن إسرائيل بعد مرور خمسين سنة لن تكون موجودة، وهذا ليس تمني، ولكنه تقدير بناء على دراسات أمريكية وإسرائيلية وعالمية. وهناك إمبراطوريات لم يعد أحد يعلم عنها شيئًا، كالبرتغال والمجر ومنغوليا. لكن المشكلة أننا لسنا على الدرجة من التماسك التي تحقق الحد الأدنى، رغم أن هذا الاستسلام إلى ما دون الحد الأدنى يؤدي إلى نهاية وجودنا. لكن للأسف الانزلاق لا يأتي فقط من السلطة، ولكن من الناس، وتحديدًا من المثقفين والمفكرين المشغولين بالبحث عن النموذج الأمريكي، مبررين ذلك بأن هذا هو السائد. أنا يعجبني الموقف الفرنسي والأوروبي عمومًا، وهو موقف لا يعادي أمريكا، ولكن الأوروبيين عندما يتحالفوا معها، يحافظون على ثقافتهم وقيمهم وأحيانًا اقتصادهم. ولا بد أن نجد صيغة تحمي هذه المنطقة المعرضة للأخطار الجسيمة. طبعًا المنطقة في قلب الأهداف الأمريكية، ولا بد أن نفعل شيئًا في مواجهة المساعي الأمريكية لتمزيق المنطقة.

* كيف تنظر إلى دعاوي الإصلاح الديمقراطي؟

** أنا منذ وعيت على الحياة وأنا مع الديمقراطية، وأرى أنها الوسيلة الأمثل للحماية. لكني لا أرى الديمقراطية مجرد شعار، ولكنها وسيلة لكي تعبر الناس عن نفسها بشكل حقيقي. فالديمقراطية الأمريكية الآن تتناقض تمامًا مع الديمقراطية التي نريدها والتي تتضمن وجود نظام يعطينا حقوقنا ويسمح لنا بالتعبير عن أفكارنا، وهذا لا علاقة له بالنظام الأمريكي سواء داخليًا أو خارجيًا. فقد أثبتت السنة الماضية من الحكم الأمريكي في العراق أن الأمريكيين ضد الديمقراطية. كما أن أمريكا طوال تاريخها لم تكن سندًا للديمقراطية، لكنها كانت دومًا سندًا للأنظمة الديكتاتورية. كذلك هل النظام البرلماني هو الديمقراطية أم أن هناك شيئًا آخر؟ وهل مجلس الشعب الحالي هو الديمقراطية؟ من الممكن جدًا أن تحدث انتخابات تحت إشراف دولي وتؤدي إلى اختيار أربعمائة مرشح لا يعبرون عن الشعب المصري لأنهم أنفقوا أموال في الدعاية، ولم يتمكن الجميع من الترشيح. إيران تقوم الآن بطرح نموذج آخر قد يكون فاشلاً ولكنه يستحق التأمل. المشكلة للأسف الشديد أن الغالبية في الحقيقة هي ضد الديمقراطية، والكل يعاني من ديكتاتورية الآخرين. حتى من ليس لديه نفوذ يمارس ديكتاتوريته على البيت والأولاد والشغالة. يبدو أن عندنا مشكلة في التربية. لا أدري.

* هل ترى مخرجًا من الأزمة الاقتصادية؟

** لا يوجد مخرج، النظام الذي تعايش مع هذه الأزمة لا يمكن أن يحلها، كذلك الناس في الشارع لن يحلوها. لأنه لا يوجد حزب سياسي معارض صغير أو كبير يستطيع أن يفعل شيئًا. فقد أوصلنا النظام إلى ما نحن فيه خطوة خطوة، وهو راض بذلك. يمكن أن يكون هناك بعض القلق الذي يجعله يفكر ربع ساعة، لكنه يرى أن هذا هو أفضل حال. الشارع والقوى السياسية مصابة بضعف في التكوين السياسي يجعلها لا تستطيع أن تفعل شيئًا. إذن أنت أمام انفجار لا عقل له، لا في مصلحة النظام ولا في مصلحة الشارع. وعندما يكون هناك حزب قوي، يبقى ممكن يوصل الحكم.

* ولا الإخوان؟

** لا، هم “مكلمنجية”، وليسوا قوة كبرى في الشارع. ولو حاولوا عشوائيًا سيجدون قوى أخرى في الشارع تواجههم. وهم عمومًا لهم قدرات في أشياء عديدة ليس بينها الوصول للحكم. والأمل الوحيد أن تحدث يقظة من الداخل لدى السلطة، وهذا في نظري مستبعد جدًا.