بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

لا حرية.. ولا صحافة فى مصر

حرية الصحافة

دائمًا ما اعتمدت الحركات السياسية البرجوازية على الصحافة في فرض هيمنتها الثقافية، وخلق شعبيتها وسط الجماهير عبر تزييف الحقائق، وتجميل صورة البرجوازية، والترويج للأفكار الرأسمالية، وتضخيم نجاحات ومشاريع الدولة، فهي الأداة التي يستخدمها النظام الرأسمالي في خلق البروباجاندا، ونشر الشائعات وتوجيه الجماهير.

ولكن فى المقابل؛ وبالتوازي مع التاريخ البرجوازي غير الثوري لدور الصحافة، استطاعت الحركات الثورية الماركسية خلق نمطها الخاص من الصحافة الثورية، التي تعبر عن أفكار الثورة، وطموحات الثوريين، واستطاعت ربطه بالعملية السياسية بشكل عام، حتى أصبحت الصحافة الثورية أداة لا غنى عنها في لحظات البناء الثوري، وكذلك في عمليات الحشد والتحريض فى فترات المد الثوري.

وقبل ثورة 25 يناير؛ لعبت الصحف الخاصة في مصر دورًا “محدود” في رفع سقف الحريات فى مصر، ولكنها كانت لا تزال ملكًا لرجال الأعمال البرجوازيين في مصر، وهو ما جعل عملها ضمن إطار محدود لا تستطيع تجاوزه، ولا تستطيع تجاوز الخطوط الحمراء التي تحددها الدولة.

ولكن ظهور الإنترنت وانتشار الصحافة الإلكترونية والمدونات والمواقع الصحفية كانت الطفرة الأبرز في ارتفاع سقف حرية التعبير، والترويج والدعوة إلى ثورة 25 يناير، وما تلاها من أحداث، فلقد ساهم هذا الإعلام البديل فى كسر ثنائية احتكار المعلومة بين الدولة ورجال الأعمال، ووفر وسيلة نشر المعلومة والخبر للأفراد من الجمهور دون أي قيود بالصوت والصورة.

أدركت البرجوازية المصرية، أثناء تحضيرها لانقلاب 30 يونيو 2013، دور الصحافة المركزي في بناء المجتمعات وهدمها، وفي دحض الثورات وفي تأجيجها، وتعلمت الدرس جيدًا من فحوى خطورة إعلام الثورة، واستغلت إعلام الدولة ورجال الأعمال جيدًا في الحشد لـ 30 يونيو، وقد كان لها ما أرادت.

إدراك دولة يونيو للوضع المركب للصحافة، ونتيجة تخوفها من وجود حرية الصحافة، جعل منها محاربًا ضروس للحرية وللصحافة، ومن ثم قامت بالهجوم على المهنة والعاملين بها، ولم تسمح بوجود أي صوت معارض، ولم تسمح بوجود أي رواية في الصحافة تخص أي قضية غير رواية الدولة، وبالفعل استطاعت الدولة القضاء على الصحافة والقضاء على “حياديتها” واستقلاليتها، حتى أصبحت مصر بلا حرية وبلا صحافة.

وفي طريقها لتحقيق هذا الهدف؛ لم تدخر السلطة أي جهد أو أداة، بداية من قتل واعتقال للصحفيين، ونهاية بسن البرلمان لعدد من القوانين القمعية للتحكم فى المشهد الصحفي، مرورًا بشن حملات تشويه ضد الصحفيين المعارضين والمدافعين عن حرية الصحافة.

وفي السنوات الأخيرة، كان هناك ما يقرب من 11 صحفيًا تم “قتلهم” أثناء تغطية الفعاليات فى مصر، وإلى الآن لم تكشف السلطات المصرية عن أي جناة في هذه الحالات، إلا فى قضية واحدة وهي مقتل الصحفية ميادة أشرف، وكان الجناة كالمعتاد هم أعضاء “الإخوان المسلمين”.

وتصنف مصر عالميًا ضمن المرتبة الأولى في الدول التي تمثل أكبر السجون فى العالم بالنسبة للصحفيين، حيث تجاوز عدد الصحفيين المحبوسين 25 صحفيًا، يحاكم جميعهم في قضايا تخص حرية الرأي التعبير سواء كانت سياسية أو مهنية، من ضمنهم الصحفي والباحث إسماعيل الإسكندراني المحكوم عليه بالسجن لمدة عشر سنوات من القضاء العسكري على خلفية اتهامه بإفشاء أسرار عسكرية، وغيره آخرين مثل معتز ودنان، وإسراء عبد الفتاح وحسام الصياد.

وعلى خلفية حقهم في ممارسة العمل السياسي، يقطن كلا من الصحفيين حسام مؤنس عضو تيار الكرامة، وخالد داوود عضو حزب الدستور داخل السجون، إضافة إلى الصحفي الناشط والمناضل اليساري البارز هشام فؤاد الذي تم القبض عليه من منزله يوم 25 يونيو 2019، وتم اتهامه بنشر أخبار كاذبة، ومشاركة جماعة إرهابية في تحقيق أغراضها، في القضية المعروفة إعلاميًا بــ “تحالف الأمل”.

وبشكل عام هناك قضيتين مشهورتين يتم ضم الصحفيين عليهم وهي القضايا أرقام 441 لسنة 2018، والقضية رقم 488 لسنة 2019، وتضم هاتين القضيتين ما يقرب من 12 صحفيًا، ويحاكم جميعهم على خلفية اتهامات نشر أخبار كاذبة والانضمام إلى جماعة إرهابية.

وبالعودة إلى أدوات الدولة في السيطرة على الصحافة؛ قام البرلمان بسن عدد من القوانين القمعية التي أعادت تركيب البنية التشريعية التي تحكم عبرها وسائل الإعلام، ومن أهم هذه القوانين؛ قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018؛ الذي أصدره البرلمان للقضاء على الصحافة الإلكترونية، وحصار الانترنت والمدونين، بالإضافة إلى قانون الصحافة والإعلام رقم 180 لسنة 2018، الذي أصدره البرلمان من أجل خلق المجلس الأعلى للإعلام، ووضعه على قمة هرم تنظيم ورقابة وسائل الإعلام، بالتوازي مع وجود حالة الطوارئ وقانون الإرهاب اللذان يوفران غطاءً تشريعيًا لقمع الأفراد مثل التحفظ على أموالهم، ومنعهم من السفر، وصولًا إلى قتلهم خارج القانون.

واتسمت جميع هذه القوانين بروح القمع وروح الرقابة، وتضييق الخناق على الصحفيين والصحف سواء كانت ورقية أو إلكترونية، والحسابات الشخصية للأفراد على مواقع التواصل الاجتماعي والمدونات البالغ عدد متابعيها خمسة آلاف شخص فأكثر، واحتوت القوانين على كثير من المواد التعسفية التي تخالف الدستور الذي صاغه رجال الدولة أنفسهم. وعملت هذه القوانين على فرض الرقابة على الصحف، واباحت مصادرتها، وإغلاقها، وتقييد عملها، عبر استخدام مفاهيم مطاطة غير واضحة التفسير، تمكن الدولة من تفسيرها على أهوائها وفق كل حالة، مثل الأمن القومي والآداب العامة والسلام الاجتماعي، والدعوة إلى التعصب.

كما منحت هذه القوانين صلاحيات حجب المواقع الإلكترونية إلى المجلس الأعلى للإعلام، لتزداد عدد المؤسسات التي يحق لها قانونًا حجب المواقع فى مصر، وهى رئاسة الجمهورية، جهات التحقيق والضبط، الحكومة المصرية، وهو ما يزيد من ضبابية قضية الحجب فى مصر، التي بدأت منذ عام 2017 ولا تزال مستمرة حتى الآن، ووصلت عدد المواقع المحجوبة فى مصر إلى 547 موقعًا من ضمنهم ما يزيد عن 120 موقعًا صحفيًا، كان آخرها موقع درب التابع لحزب التحالف الشعبي الاشتراكي ودون الإعلان عن الجهة المتسببة فى حجب الموقع، وهو ما تكرر مع أكثر من 90% من المواقع المحجوبة.

وبناء على ما سبق؛ نجد أن مؤسسات الدولة تعاونت للقضاء على حرية التعبير، والتي كانت أحد مكتسبات الثورة، فقوات الأمن قامت باعتقال وقتل الصحفيين، والسلطة القضائية قامت بغض الطرف عن هذه الجرائم، بالتوازي مع استمرارها في إصدار قرارات الحبس والتجديد للمتهمين دون أي سند قانوني ودون أي مراعاة لحقوق الإنسان، وقد قام البرلمان بتقنين هذه الانتهاكات عبر تشريعات وقوانين مخالفة للعهود الدولية ومخالفة للدستور نفسه.

لقد وضعت الدولة مهمة القضاء على الصحافة الحرة على رأس مهامها، للقضاء على أي تسريب لأي أفكار من الممكن أن تؤدي إلى تغيير، وفي المقابل يجب علينا -الراغبين فى التغيير- أن نضع مهمة نشر المبادرات الصحفية الثورية على رأس جدول أعمالنا، والقيام بنشر المحتوى الصحفي المعبر عن الثورة ومحاولة إيصاله إلى الجماهير بشتى الطرق، كإحدى أولويات وأهداف المشروع الاشتراكي الثوري.