بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الفستان خطر والتحرش لأ!

عمرو وردة - حنين حسام

في الأسابيع الماضية قامت صحفية يونانية بفضح واقعة تحرش بها من قبل اللاعب عمرو وردة، المُثبَت بحقه 3 وقائع تحرش أخرى سابقة. تلك الوقائع الثلاث لم يُعاقَب عليها، بل انهالت عليه التعليقات بوجوب “الستر”، و”عيل وغِلِط”، و”حرام نضيَّع مستقبله”، فيما وَصَفَ الاتحاد المصري لكرة القدم ما فعله عمرو وردة من انتهاكٍ للمرأة بالأزمة الأخلاقية وليس بالجريمة. ولأن المجتمع في مصر لا يرى التحرش جريمةً بل مشكلة أخلاقية، لم يُعاقَب عمرو وردة في المرة الأولى ولا الثانية ولا الثالثة ولا حتى الرابعة.

التحرش اللفظي والجنسي جريمتان يعاقب عليهما القانون المصري، ولكن هذه القوانين لا تُنفَّذ بالفعل، وتزداد فرصة الرجل في الإفلات من الجرائم القائمة على التمييز والاعتداء على المرأة كلما كان أكثر نفوذًا وفي طبقة اجتماعية مرموقة. اعتذر عمرو وردة في ڤيديو بعدما فُضِحَ للمرة الثانية في واقعة التحرش أثناء كأس الأمم الأفريقية، ولكنه لم يعتذر للمجني عليها. لم يعتذر للنساء. اعتذر لأهله ولأصدقائه في الفريق وللاتحاد، لما تسبَّب لهم من قلق، في حين أنه لم يتسبَّب لأحدٍ منهم بمشكلة بل تسبَّب للنساء في مصر بزيادة عدم إحساسهن بالأمان. كان إفلاته من العقاب رسالةً واضحة أن من حق الرجل التعدي على أيِّ امرأةٍ وسيجد له المجتمع الأعذار الكافية ولن يُوصَم اجتماعيًا، ولا يُنبَذ مهنيًا، عوضًا عن إفلاته من عقابٍ على جريمة لأنه مجرد “عيل وغِلِط”.

على الناحية الأخرى، يعتبر المجتمع أن فيديوهات حنين حسام ومودة الأدهم ومنار سامي وغيرهن تشكل خطرًا عليه أكثر مما يشكِّله التحرش والاعتداء الجنسي على النساء. فالمرأة في مصر، جسدها ليس ملكها وإنما ملك الرجل والنائب العام والقانون والدولة. إن اختيار الملبس هو حقٌّ مكفولٌ لكل امرأةٍ، ومن حق حنين حسام ومودة الأدهم ومنار سامي ارتداء ما يحلو لهن، بل أن القبض عليهن بحجج مثل الفسق والفجور هو الذي يجدر اعتباره تعديًا على حقوقهن، وليس العكس. لم تتعدَّ حنين ومودة ومنار، وغيرهم، على المجتمع بل أن المجتمع، متمثِّلًا في محاميين ودولة وقضاء، هو الذي تعدَّى على حقوقهن.

بدايةً من كشوف العذرية للمعتقلات في مارس 2011، مرورًا بقانون الشرف الذي يقدِّم تنازلاتٍ للرجل الذي يقتل زوجته لمجرد الشك في سلوكها ويطلق عليها جرائم الشرف لأنه بالطبع حافظ على شرفه وهو أمر يحترمه المجتمع ولا يعتبرها جريمة قتل، وصولًا إلى القبض على فتيات بسبب “التعدي على قيم وتقاليد وعادات المجتمع المصري” لارتدائهن ملابس أو رقصهن على أغاني في تطبيق التيك توك، نفس هذا المجتمع الذي يخاف من فستان، يترك المتحرشين بدون عقاب.

عمرو وردة وحسين الذي قتل زوجته
في إحدى البيوت في الدقهلية؛ قُتِلَت امرأة تُدعى إيمان، الشهر الماضي، على يد عامل حرَّضه زوجها على اغتصابها حتى يتسنى له فضحها وسلب حقوقها منها، لأنه أراد الزواج من أخرى وهي لم توافق، وفي وجهة نظره لا يجب على المرأة الرفض؛ هي “حاضر ونعم وبس”. رفض زوجها القاتل الانفصال عنها لأنه لم يرد دفع نفقةً أو مؤخرًا، فقرَّر استخدام السلطة والمجتمع والنظام الذي يعمل لصالحه وخطَّط حسين لتلفيق قضية “فسق وفجور” لإيمان فحرَّض عاملًا لديه لاغتصابها وتصويرها ليستطيع انتقاص منها حقوقها، فالقانون في صفه. كانت خطته مُحكَمة، ولكن إيمان قُتِلَت.

ماذا كان سيحدث إذا لم تمُت إيمان؟ في الأغلب، لن يصدقها أحد وسيستطيع حسين تطليقها من دون دفع مؤخر أو نفقة، حتى أنه سيفوز بحضانة ابنهما. كانت ستوصَم مجتمعيًا ويتبرَّأ منها أهلها. بل حتى كان يمكن لحسين قتلها، وحينها سيُحبَس 6 أشهر أو سنة وسيعتبره كثيرون بطلًا حافظ على شرفه من العار. لا يفوتنا هنا أن 92% من جرائم القتل المرتكبة في حق النساء تُرتَكَب بسبب “الشرف”، و70%؜ من هذه الجرائم كانت بسبب سوء الظن (إحصاءات المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية).

فكَّر عمرو وردة كما فكَّر حسين باستغلال نفوذه ليس ككونه لاعب كرة مشهور، بل كونه ذكرًا في مصر. استغل مساحة القوة التي تعطيها الدولة للرجال. عمرو وردة يعلم جيدًا أن المجتمع سيتغاضى عن جريمته وسيتغاضى القانون، وسوف يعامله أصدقاؤه كالشهيد -وهو ما حدث بالفعل عند دفاعهم عنه ورفعهم قميصه أثناء المباراة التي تم توقيفه فيها.

يعني إيه أخلاق؟
أخلاق المجتمع المصري تتضمَّن حبس منى فاروق ونبذها مجتمعيًا ومهنيًا بسبب ڤيديو شخصي تم تسريبه. لم تنهل عليها التعليقات بـ”الستر” كما حدث مع عمرو وردة، بل احتفى الجميع بعقابها وطالب بعضهم بأقصى عقوبة، رفض الجميع العمل معها وعوقِبَت بالحبس سنة ثم سافرت إلى دولة أخرى وحاولت الانتحار. ڤيديو شخصي تم تسريبه لها يعد اعتداءً على قيم المجتمع ولكن التعدي على شخصٍ آخر بالتحرش لفظيا أو جسديا وتهديد أمنه لا يعد خطرًا. هذا أحد مظاهر تناقضات أخلاق المجتمع.

العيب في النظام
إن قوانين مثل الفسق والفجور والشرف هي تجسيد للمجتمع الذكوري الذي تعيش فيه النساء في مصر. مجتمعٌ قائم على استغلالهن والسيطرة على أجسادهن ومعاملة حريتهن الشخصية باعتبارها قضايا رأي عام. مجتمعٌ يتسامح مع الاعتداء عليهن بل يضع القوانين التي تسهل ذلك الاعتداء. مجتمعٌ يخاف من الفساتين والرقص.

كل هذه القضايا بحق النساء تجبرنا على التفكير والتعاون على ضرورة دفع حركة نسوية قوية في مصر. ما نحتاج إليه الآن في مصر هو حركة نسائية تتحدَّى انتهاك أجساد النساء، وتواجه مصادرة حريتهن، وتحاول تحطيم الأفكار الداعمة للاضطهاد، وتناضل من أجل المساواة (في الحقوق والقوانين والحريات الشخصية وفي الأجور أيضًا). هذه قضايا لا يمكن تأجيلها ولابد من مقاومتها جماعيًا.