بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ماذا يحدث في مصر الجديدة؟

عمران

بعد البدء في خطوات إنشاء كوبري في شارع الأهرام التراثي بمصر الجديدة، أعرب أكثر من 1500 من السكان، من خلال توقيعات مبادرة تراث مصر الجديدة، عن اعتراضهم على تنفيذ الكوبري، بسبب إضرار الكوبري بالقيمة الحياتية والتراثية بالشارع الذي يمثل القلب التاريخي للحي.

كانت شوارع الحي قد شهدت الكثير من التعديلات مركزة على مرور السيارات الخاصة خلال العام الماضي، من خلال توسعة الشوارع وبناء كباري في العديد من الطرق. وقد أثرت التعديلات المرورية على مستوى الحياة، حيث زادت التعديلات من سرعة السيارات في المنطقة السكنية، وصعبت من المشي، وزادت من وفيات وإصابات الطرق. إلى جانب الإضرار بالقيمة التراثية للحي المسجل كمنطقة ذات طابع تراثي. وقبلها شملت التعديلات إزالة ترام مصر الجديدة، أقدم وسيلة مواصلات في الحي.

ماذا يحدث بسبب الطرق في أماكن أخرى؟
مصر الجديدة ليست الحي الوحيد الذي شهد توسعات في الطرق والكباري، ففي هذه اللحظة تؤدي هذه التوسعات إلى إزالة صف كامل من عمارات السكان المتضررين بشارعي خاتم المرسلين وترسا، الذين قاموا بإنشاء جروب على فيسبوك للمتضررين، من نقلهم وعدم كفاية التعويض وعدم جدوى السيولة المرورية، كما قاموا برفع دعوى قضائية ضد قرار نزع ملكيتهم للمنفعة العامة.

إلى جانب الإزالات، قامت مؤخرًا مشاريع الطرق بإزالات كبيرة في ميدان السيدة عائشة التراثي، وإزالة بمقابر السيوطي والقرافات الشرقية والجنوبية للقاهرة التاريخية، وكلها مناطق مسجلة كتراث عالمي، ولها قيمة تراثية كمنطقة بما يشمل المباني وتخطيط الشوارع والصورة البصرية ومجتمع السكان والنشاطات.

واشتهر مشروع محور ترعة الزمر على شبكات التواصل الاجتماعي (كوبري البلكونة)، وتقوم توسعات في مناطق أخرى كالمطرية ومدينة نصر.

من المستفيد؟ مرور وضرائب واقتصاد وقروض
تقوم المشاريع بدعوى تحقيق السيولة المرورية، وهو أسلوب تخطيط كان يطبق في الدول الغربية وخاصة أمريكا في السبعينيات، ثم أثبت فشله في تحقيق السيولة المرورية داخل المدن، إنما يخدم بالأساس الضواحي البعيدة. فالزيادة في مساحات الشوارع، تخدم بالأساس وتشجع السيارات الخاصة، وعلى مدى عدة سنوات يزيد عدد السيارات الخاصة ويزيد الازدحام مرة أخرى. إلى جانب أن التوسعات في المحاور الرئيسية تستدعي توسعات في الشوارع الجانبية لتستوعب الزيادات في عدد السيارات، ما يؤدي إلى دائرة مفرغة من بناء الشوارع للسيارات الخاصة والإزالات داخل المدن لخدمة الضواحي.

ويؤدي هذا التركيز على السيارات الخاصة في مصر إلى تهميش احتياجات معظم السكان، حيث لا تتعدى ملكية السيارات الخاصة سوى 13% من الأسر المصرية، والبديل لتقليل الزحام يعتمد على دعم وسائل التنقل الأكثر عدالة وكفاءة في استخدام المساحات، كالمواصلات العامة والتنقل بالمشي والدراجات.

والمحاور في مصر الجديدة ومدينة نصر والقرافة الشرقية تسهل من الوصول للعاصمة الإدارية والمشروعات القومية فيها، فهي بالفعل تحقق سيولة مرورية للوصول لهذه المجتمعات العمرانية المليئة بالاستثمارات، وتقوم بالإجبار بتسهيل مستوى الحياة فيها على حساب المجتمعات القائمة. ونتيجة لانتقال العديد من الاستثمارات للمدن الجديدة في شرق القاهرة، فشبكة الطرق تساهم في تشجيع الاستثمار ودعم الاقتصاد المتوجه لهذه المناطق.

أما عن التكلفة، فإلى جانب الاقتراض، أصدرت محافظات القاهرة والجيزة قرارات بتطبيق مقابل التحسين على الشوارع التي شهدت تعديلات في عدة أحياء. ومقابل التحسين هو ضريبة تطبق بهدف تمويل المشروعات التي تقوم بها الدولة بعد تنفيذ المشروع، من خلال أخذ نسبة من الزيادة في قيمة العقارات المجاورة لمشروعات التوسعة، بحجة استفادتها من المشروع. ولكن مع عدم وجود نظام لتسجيل بيع العقارات على مستوى مصر (90% من العقارات غير مسجلة بالشهر العقاري)، يصعب تقييم هذه الزيادة أو وجودها من الأساس، وتقوم بها لجنة للتقييم تشكلها المحافظة.

السوق والتراث والبيئة
يفشل السوق الرأسمالي في تقييم الأضرار والفوائد الواقعة جماعيًا وليس على فرد، فمن الصعب تقييم التراث من حيث استفادة فرد واحد، فالمناطق التراثية استفاداتها واسعة على سكانها وعلى المجتمع كله ولا يمكن تقسيمها. خاصة إذا كانت قيم ثقافية أو اجتماعية أو تاريخية أو سياسية، يصعب ترجمتها بشكل مباشر إلى دخل، من السياحة مثلًا، أو الاستثمار العقاري. فرغم أن الفائدة عمومية، يصعب على مستثمر واحد مراكمة هذه القيمة.

كذلك بالنسبة للأضرار البيئية، حيث يتوزع الضرر على عدد كبير من السكان غير المتسببين في هذا الضرر البيئي، فالمتسبب في الضرر البيئي لا يتحمل تكلفته، مثلا إصابات الطرق والتلوث الناتج من سيارات سكان العاصمة الإدارية عند تنقلهم إلى أحياء المدينة القائمة لا يتحملون تكلفته، بل يتحمله المجتمع في صورة تكاليف صحية.