بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الديمقراطية والبيئة: تأملات حول مؤتمر البيئة وحملة الحرية للمعتقلين

استضافت مصر مؤتمر البيئة الـ27 في نوفمبر الماضي، والذي انتهى بتغييرات محدودة في تقليل إنتاج واستخدام الوقود الأحفوري لخفض الاحتباس الحراري دون 1.5 درجة، وتبني سياسات بيئية أكثر استدامة.

لا يعني هذا أن المؤتمر لم يكن مؤثرًا، فالمؤتمر كسابقيه كان فرصة لتوسع رأسمالي في مجال الطاقة المتجددة ببناء المزيد من محطات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح في دول الجنوب العالمي.

على الناحية الأخرى وافقت الدول الصناعية ولأول مرة، على إنشاء صندوق الخسائر والأضرار لتعويض الدول “النامية” التي لم تساهم في ارتفاع الانبعاثات الكربونية. أغلب هذه الدول النامية دول غير ديمقراطية، تحكمها أقليات صغيرة، ويفرض الجيش والشرطة قبضة حديدية على النشاط السياسي والاقتصادي لمواطنيها. طفت على السطح خلال المؤتمر جدالات حول معنى الديموقراطية وعلاقة التغيرات البيئية بها. تجلى هذا بشكل واضح في الحالة المصرية حيث واجهت الحملة الشجاعة من أجل الإفراج عن الناشط علاء عبدالفتاح الدولة المصرية وسياساتها القمعية والسلطوية. وتحدت أسرة علاء عبدالفتاح، وبالتحديد أخته سناء سيف، نظام السيسي بشكل واضح بمشاركتهم في المؤتمر معتمدين على نضال طويل وتضامن واسع حول العالم.

ألقت سناء في إحدى الجلسات خطابًا قويًا حول احتجاز علاء، مسلطة الضوء حول العلاقة بين المعتقلين السياسين والبيئة. بالطبع حاول النظام مجابهة هذا الخطاب، فقام نائب برلماني مصري تابع للحكومة بمقاطعة الخطاب نافيًا الطبيعة السياسية لاعتقال علاء عبدالفتاح. وللمفارقة وصف هذا النائب وصف إخراجه بالقوة من قبل قوات أمن القاعة بالتصرف غير الديموقراطي.

جادل مناصروا النظام المصري أن هذه الحملات صرفت الأنظار عن القضية الأساسية للمؤتمر وعن نقاشات هامة وإصلاحات لتحقيق هدف البقاء تحت 1.5 درجة. فهل هذا الإدعاء صحيح؟ وهل هناك علاقة بين الديموقراطية والاستدامة البيئية؟ يحاول هذا المقال إلقاء الضوء على الديموقراطية والتفكير فيها بشكل جدلي ليجيب على تلك الأسئلة.
ديمقراطية من أجل من؟

يوجد نوعان سائدان من الديمقراطيات في عالمنا اليوم، الشكل الأشهر وهو الديمقراطية التمثيلية حيث تنتظم علاقات المجتمع والدولة من خلال الانتخابات. يُمارَس هذا الشكل من الديمقراطية في البلدان الصناعية في شمال الكرة الأرضية، ويقوم على عقد الانتخابات الدورية حيث يصوت المواطنون على مختلف القضايا وعلى رأسها الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.
تستمر نتائج الانتخابات لعدة سنوات ثم يتم إجراؤها مرة أخرى فيما يمكن تسميته بالطقس الانتخابي، كما لو أن المواطنين يؤدون شعائر الحج لصناديق الاقتراع كل سنتين أو أربع سنوات. يطلق عادة على هذا النوع من الديمقراطية اسم ديمقراطية برلمانية – أو رأسمالية على وجه التحديد – من أجل الغرض المهم الذي يخدمه، وهو تنظيم علاقات مجتمع الدولة للسوق الرأسمالي. ولعل السؤال الأهم هنا عن من تمثل تلك الانتخابات وما الذي ينظمه هذا النوع من الديمقراطية؟

الرأسمالية والديمقراطية مرتبطان بقوة لخدمة السوق. ما يجمع الأفراد و يفرقهم داخل المجتمعات الرأسمالية هو السوق حيث يتم بيع السلع وشرائها، ولكي يتمكن الأفراد من المشاركة في هذا التبادل، تعتمد الرأسمالية بشكل أساسي على بيع العمال قوة عملهم بحرية لإنتاج السلع. على الجانب الآخر يحتاج العمال إلى العمل ليتمكنوا من شراء تلك المنتجات في السوق، ومن أجل الحفاظ على هذا النظام صيغت القوانين والأنظمة من أجل إعطاء الأفراد فرصة بيع قوة عملهم، وحبذا لو كان ذلك بأقل أجر ممكن. أصبحت عقود العمل، على سبيل المثال، ضرورية حيث يتم الاتفاق على راتب و فقًا لأداء معين للعامل، وتمنح هذه العقود العامل إحساسًا بالعدالة بقدر ما وافق هو أو هي كفرد على شروط العقد. وفي فترات الركود الاقتصادي، كما هو الحال حاليًا في مصر مع انخفاض قيمة الجنيه المصري، لا تتناسب رواتب العمال مع أسعار السوق الجديدة للغذاء والسكن. وبالتالي لكي يحصل العمال على رواتب أفضل، أمامهم إما انتظار عقدًا أفضل أو التفاوض لتحسين ظروفهم، وهي العملية التي تستغرق سنوات يعمل اثناءها العمال بأجور قليلة وفقًا للعقد الذي وقعوه.
وهكذا تنظم الديمقراطية التمثيلية الدولة والرئاسة والبرلمان الذين يسنون بدورهم القوانين، ومن أجل تنظيم قوانين السوق الرأسمالية فإنه من الضروري لأولئك الذين يمثلون الدولة أن يفعلوا ذلك وفقًا لشروطهم ليشعر المواطنين أنهم منخرطون في عملية اتخاذ القرار. بهذا المعنى، تعمل الديمقراطية التمثيلية كاتفاق مهم بين الدولة والمجتمع وفق ما يسمى بالعقد الاجتماعي الذي يُجدد بشكل دوري من خلال الانتخابات.

على الجانب الآخر تمثل الديمقراطية التشاركية شكلًا آخرًا للديمقراطية، وهو نوع مختلف لا يمثل السوق بل يمثل المجتمع والعمال والشعب، عُرف هذا النوع من الديمقراطية في دول الجنوب العالمي وبالتحديد أثناء ثورات الربيع العربي. تعتمد الديمقراطية التشاركية أو النشطة على المشاركة الفعالة للنساء والرجال والعمال والطلبة، أي المجتمع ككل. فهي ديمقراطية تشكلها الجماهير عبر المظاهرات الجماهيرية، والمناقشات والمناظرات والتجمعات. ومن أبرز أمثلة هذه الديمقراطية، ما شهدته ثورات البلاد العربية أواخر 2010 بداية بتونس، حين تظاهرت الجماهير في الميادين ونظمت المسيرات وتناقشت في كل القضايا رغم الخلفيات الطبقية المتباينة. مثلت هذه المظاهرات أسئلة المجتمع وسعيه نحو العدالة وبالتالي تختلف هذه الديمقراطية جذريًا عن الديمقراطية التمثيلية التي تُبنى فيها النقاشات والحملات والأنشطة الانتخابية حول السوق. وبالتالي يختلف المنطق الحاكم لأشكال الديموقراطية هذه، فالمنطق المسيطر في الديمقراطية التمثيلية هو السوق ومسائل مثل الضرائب المفروضة على الشركات الكبرى أو عدد أيام الإجازات وساعات العمل. بينما يركز المنطق الحاكم للديموقراطية التشاركية على المجتمع نفسه وتوفير احتياجاته الأساسية لضمان حياة كريمة لأفراده.

البيئة والديمقراطية، ولماذا هم مرتبطان؟

يحتوي العالم الذي نعيش فيه على العديد من الموارد الطبيعية كالبترول والأشجار والرمال والمحيطات وغيرها من الموارد التي يعتمد عليها بقاء النوع البشري، ولكن منطق السوق الحاكم يتعامل مع هذه الموارد كمصادر مجانيه لتوليد الطاقة اللازمة لإنتاج سلع لتبادلها في السوق. سببت سيادة هذا المنطق آثار مدمرة على كوكب الأرض ودمرت علاقة البشر بالبيئة. ومصر ليست استثناء للآثار البيئية للاحتباس الحراري وارتفاع منسوب البحر، والتي أحدثت تدميرا هائلًا خصوصا في القطاع الزراعي. “الزراعة في مصر عرضة لمشاكل كتير من تأثير الحرارة الشديدة على صحة النبات وعلى الآفات الزراعية التي تؤثر بشكل متراكم خلال السنوات الماضية على محاصيل مختلفة. بالإضافة إلى أن الزراعة مهددة في الدلتا من زيادة ملوحة التربة الناتجة عن ارتفاع سطح البحر الذي يسبب بدوره زيادة تسرب المياه المالحة للمياه الأرضية. يسبب هذا ضغطًا على العاملين في القطاعات الزراعية المعتمدة على هذه المنتجات. حيث يتوقع ان يكون سببًا لزيادة أسعار الغذاء بنحو 26% في 2030 أي بعد 8 سنوات”.

يحتاج البشر إلى الإنتاج للبقاء، ولكن السؤال المهم هنا هو لأي غاية؟ هل لخدمة السوق وتحقيق المزيد من التراكم في الثروات؟ أم لتحقيق حياة مستدامة وكريمة للنوع البشري؟

الوصول لأفضل تفاعل مع البيئة الديمقراطية وكيفية تنظيم المجتمع نفسه بشكل ديمقراطي هو سؤال محوري لمجابهة تحدي تصور شكل مختلف لعلاقة البشر بالبيئة. يجب أن تُبنى هذه العلاقة بين البشر والبيئة على طرق جديدة لإنتاج و توزيع السلع بطريقة مستدامة وجادة للمجتمعات، ولهذا يجب بناء نظام جديد مبني على أسس ديمقراطية وعلى المشاركة الفعالة للجماهير، أو بشكل أدق نقلًا عن المفكرين الماركسيين جون بيلامي فوستر وفريد ماجدوف: “هذا النظام الجديد يجب أن يكون في جوهره إدارة عقلانية وديمقراطية للاقتصاد من شأنها: 1) تحقيق مساواة معتبرة، 2) تحقيق الاحتياجات المادية و المعنوية للشعوب حاليًا و مستقبلًا، 3) تكريس الإستخدام الاجتماعي لا الخاص للطبيعة بطريقة تحافظ عليها، 4) بناء مناخ اجتماعي يكون فيه الناس متفاعلين بشكل فعال مع بعضهم البعض ومع مجتمعاتهم” (Foster et al. 2011, p.135)

إن تخيل هذا التغير العميق وممارسته على الأرض ليس بأمرًا هينًا داخل النظام الرأسمالي، ولكنه ليس مستحيلًا. لقد وفرت الانتفاضات الثورية منذ 2011 أرضًا خصبة لبناء خبرات ديمقراطية، حيث التقت الجماهير وتناقشت مباشرة في آراءها السياسية، وقامت بتنظيم نفسها، وتوفير الأكل والشرب والعلاج، وتحقيق الأمن للمعتصمين في الميادين. هذه الخبرة خطوة مهمة في سبيل تحقيق شكل أكثر عمقًا ومباشرًة للديموقراطية وغير مبني على التصويت.

لكن بالرغم من ذلك، لم تصمد الديمقراطية المباشرة في وجه الثورات المضادة أو في وجه التحديات التي واجهتها. بالإضافة لما سبق، فإن ثورة يناير وغيرها من الانتفاضات سيطرت عليها تصورات ليبرالية للديموقراطية. فالفقر واللامساواة وسنوات القمع والتهميش للمواطنين دفعت الناس لطلب أي شكل من أشكال التمثيل الديمقراطي دون نقد هذا النظام الرأسمالي. وفي هذا السياق، حققت أنظمة الدول المتقدمة الكرامة والعدالة لمواطنيها، لكنهم في نهاية الأمر خاضعين للسوق واحتياجاته. لا يتيح هذا الشكل من الديمقراطية التمثيلية تمثيل حقيقي للشعب واحتياجاته المادية والمعنوية التي من شأنها الإنتاج بشكل أكثر استدامة.

وفي ضوء حالة الاحتباس الحراري والتدهور البيئي الحالية فإن الديمقراطية التشاركية لا يمكن الاستغناء عنها للحفاظ على الكوكب و تقليل الاحتباس الحراري دون 1.5 درجة. إن ما قامت به سناء سيف وآخرين في حملات الإفراج عن المعتقلين السياسيين، وما طرحته من تساؤلات تربط العدالة البيئية بالإفراج عن المعتقلين كلهم وليس علاء فحسب، داعية الحضور لتجاوز منطق السوق، هو بصيص من الأمل لإحياء الديموقراطية التشاركية.

إن قيام ديموقراطية تشاركية تشمل الجميع دون استثناء، وبالتأكيد في سياق ليس به سجناء رأي، هو مطلب ضروري للتفاعل مع البيئة بشكل مستدام. هذا التفاعل مبني على فهم احتياجاتنا الاجتماعية والمادية والإنتاج في سبيل الاحتياجات وفقط وليس للتراكم في السوق.