بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

“فنكوش” صندوق النقد.. “الخصخصة” ليست حلا لعسكرة الاقتصاد

توافقت ذكرى مرور 10 سنوات على 30 يونيو مع عيد الأضحى هذا العام. الذي لم يكن كسابقه، فأسعار اللحوم الحمراء ارتفعت بنحو 100% مقارنة بالعام الماضى، بجانب ارتفاع أسعار اللحوم البيضاء بنحو 80%، ما أدى بدوره إلى انخفاض استهلاك 90% من الأسر المصرية من اللحوم، واستبداله بالخبز والحبوب، الأمر الذي كان له تأثيرا سلبيا على صحة 85٪ من المصريين، الذين لم يتحملوا نفقات النظام الغذائي المتوازن.

وتعد أزمة الغذاء واحدة من أزمات كثيرة تواجه المصريين، نتيجة لزيادة الأسعار، إذ يمكننا ملاحظة أزمات مماثلة، في قطاعات الإسكان والملبس والتوظيف وغيرهم.

في خضم أزمة الديون المتزايدة وخدماتها، التي تستهلك غالبية الدخل القومي، يتجدد الحديث دائمًا من اليمين العالمي والمحلي، قبل اليسار، عن اقتصاد الجيش وتغوله، باعتباره سببًا رئيسيا في هذه الأزمة، ولذلك كان من شروط صندوق النقد الدولي في مراجعته الأخيرة خصخصة عدد من الشركات المملوكة للجيش، ونشر تفاصيلها المالية.

ليس هذا فحسب، بل تململ عدد كبير من رجال الأعمال عن احتكار الجيش والأجهزة الأمنية للعديد من الصناعات والقطاعات، مطالبين بمساحة أكبر للقطاع الخاص.

تتباين دائمًا تقديرات حجم اقتصاد الجيش بالنسبة للناتج الإجمالي المحلي من 2-3%، إلى تقديرات تصل إلى 60%، حسب تصريحات عبدالفتاح السيسي، ويعتبر هذا التباين الهائل هو انعكاس لحجم “اللاشفافية” التي تحيط بهذا الاقتصاد.

بالرغم من هذا فلم يعد خافيًا، كما كف الجيش والأجهزة الأمنية عن محاولة إخفائه، أن الجيش يمتلك آلاف الشركات في مختلف الأنشطة، التي تمس حياة المصريين، بداية من محطات الوقود وأكشاك المواد الغذائية، وصولًا لمصانع الأسمنت وشركات العقارات، كما يسيطر العسكريون في مصر على كافة المناصب القيادية في الدولة من رؤساء الأحياء والمحافظين وحتى الوزراء.

تاريخ سيطرة الجيش

يرجع الكثير من المحللين بدء تدخل الجيش في الاقتصاد إلى إنشاء جهاز مشروعات الخدمة الوطنية 1979، في عهد الرئيس الأسبق أنور السادات، عقب اتفاقية السلام مع الكيان الصهيوني ومن قبلها الهيئة العربية للتصنيع عام 1975. دشنت هذه الخطوة انتقال الجيش ومؤسساته، المهيمنة بالفعل على الدولة منذ حركة الضباط في يونيو 1952، من مرحلة رأسمالية الدولة وشعاراتها، وأحيانا برامجها الاشتراكية، من قاطرة للتنمية إلى كيانات استثمارية، تهدف بالأساس لتحقيق الربح.

أدت معاهدة السلام مع إسرائيل إلى تخفيض كبير في ميزانية الدفاع، ومن ثم تم تفويض وزارة الدفاع لإنتاج احتياجات الجيش الأساسية من الغذاء والمعدات غير القتالية، وأنشأ السادات العديد من الهيئات الاقتصادية لتقوم بهذا التحول. بالإضافة لهذا التحول، ومع عمليات إعادة الإعمار في منطقة قناة السويس التي قامت بها القوات المسلحة، كل هذا سمح لها بوضع يدها على الكثير من الأنشطة والأصول في منطقة القناة. ومنذ ذلك التاريخ ويمكن اعتبار الجيش كيان اقتصادي مستقل.

بانتهاء عصر السادات وبدايات عصر مبارك، ومع بوادر الأزمة السياسية بين مبارك والمشير أبوغزالة، اعتمد مبارك على الاقتصاد لرشوة الجيش في معادلة بسيطة، تتمثل في الاقتصاد مقابل البعد عن السياسة.

ومع إبعاد المشير أبوغزالة، ومن بعده يوسف صبري أبو طالب، وتولي المشير طنطاوي وزارة الدفاع عام 1991، أدرك طنطاوي أن بقائه في السلطة لن يتم إلا بالولاء التام لمبارك، وتهميش الجيش سياسيًا، مقابل التوسع الاقتصادي، وقد تحقق هذا بالفعل، واستمر المشير طنطاوي في منصبه قرابة ال20 عامًا.

في عهد طنطاوي، بدأ العسكريون في تولي العديد من المناصب داخل الجهاز الإداري للدولة، وصار من المعتاد، بل والمتوقع للضباط أن يتولوا مناصب إدارية، بمجرد انتهاء خدمتهم، سواء في جهاز الدولة أو إدارة شركات القطاع العام.

ومع بدء عصر الخصخصة في عهد مبارك، زاد تدخل الجيش في الاقتصاد، وكان توسعهم الاقتصادي، في تلك الفترة، يتم من خلال البحث عن شراكات الشركات الخاصة المصرية والأجنبية، فلم يكن تدخل الجيش في الاقتصاد في ذلك الوقت مثلما هو الحال في وقتنا الحالي، فحينها ظل الاقتصاد العسكري الرسمي يعتمد إدارة وزارة الدفاع للأشغال العامة مثل استصلاح الأراضي وبناء المدن الجديدة، وكانت الطبقة الاقتصادية الحاكمة أغلبها من رجال الأعمال المقربين من مبارك والحزب الوطني.

مع اندلاع ثورة يناير وخلع مبارك، تولى المجلس العسكري بقيادة طنطاوي، إدارة شئون البلاد، وفقًا للباحث يزيد الصايغ، لم يكن للمجلس العسكري خططًا واضحة للتوسع الاقتصادي، لكنه كان يحاول بكل قوة الحفاظ على ما حصلوا عليه من مصالح اقتصادية أو ما أسموه ب”عرق الجيش”، ولم يسمح لأحد بالاقتراب من مشاريعه الاقتصادية.

مع استمرار التوسع السياسي للجيش ومؤسساته الأمنية، وصولاً للانقلاب العسكري في يوليو 2013، دشن الجيش مرحلة الهيمنة الكاملة على الاقتصاد والسياسة، فمنذ 2013 اتسع نشاط شركات الجيش وأجهزته الأمنية، ليشمل كل مجالات النشاط الاقتصادي المدني تقريبًا، ويصل حتى إلى الأغذية المدرسية والصناعات الترفيهية والإنتاج الفني!، بجانب احتكار بعض الصناعات كالاسمنت والسيطرة الاحتكارية على كافة العقود الحكومية في البنية التحتية (الطرق والمدن الجديدة)، حتى وصل إجمالي نصيب الجيش إلى نحو 60% من الناتج المحلي الإجمالي، طبقًا ل”الواشنطن بوست”، ليتحول الجيش إلى ما يسميه يزيد الصايغ “أولياء الجمهورية”.

امتيازات الجيش

منذ عهد عبدالناصر، تم إعفاء الجيش من دفع الضرائب والرسوم والجمارك، بالإضافة إلى استثناء الجيش من كل اللوائح والقوانين الحكومية، المتعلقة بالمشتريات، مثل باقي القطاع العام.

هذا الوضع القانوني الاستثنائي كان هو القاعدة، التي بنيت عليها التعديلات اللاحقة في ظل رئاسة السادات ومبارك والسيسي، التي أفضت إلى الهيمنة الكاملة الحالية.
جعل هذا الوضع الأنشطة الاقتصادية للجيش بالكامل خارج الرقابة والتدقيق، مثل باقي مؤسسات الدولة، وانسجم هذا بالطبع مع حزم القوانين، التي أصدرها السيسي لتضع كافة أراضي الدولة تحت ملكية وتصرف القوات المسلحة، إلى جانب كافة العقود، التي يستحوذ عليها الجيش بالأمر المباشر، حيث صدرت قوانين ترفع الحد الأقصى للعقود، التي يمكن إبرامها بالأمر المباشر. إضافة إلى الشركات التي أنشأها الجيش وأجهزته الأمنية من الباطن، مثل شركة إصدار شهادات الحلال للحوم المستوردة، حسبما ذكر تقرير ل”مدى مصر”، نشره يوم 23 ديسمبر 2019، بعنوان “لأن الحلال مربح.. سنحتكر”.

بجانب كل هذه الاستثناءات القانونية والرقابية، تم إعفاء شركات الجيش من ضريبة الدخل والضرائب العقارية والرسوم الجمركية، بالإضافة لهذا يحق لها الوصول إلى مواد البناء والبنية التحتية العامة والطاقة المدعومة والحصول على العملة الصعبة بأسعار مخفضة، كل هذا بجانب الخدمة العسكرية الإجبارية، التي وفرت للجيش أيدي عاملة مجانية بدافع الخدمة الوطنية.
وفي حالة الخلافات القانونية فإن جميع هذه الشركات تخضع حصرًا للمحكمة العسكرية، وبالتالي يفقد الرأسماليون المدنيين حقوقهم في التقاضي الطبيعي، ويخضعون للابتزاز.

وتمتعت شركات الجيش بالعديد من الصلاحيات، غير الرسمية، من خلال الضباط العاملين في الجهاز الإداري للدولة، مما أدى إلى جعل اقتصاد الجيش مرتعًا للفساد المقنن، ومنافسة القطاع الخاص في السوق بشكل غير متكافئ، وهو الأساس الذي ينطلق منه صندوق النقد في نقد نشاط الجيش الاقتصادي.

عبر عن ذلك واحد من الرأسماليين المصريين الكبار، وهو نجيب ساويرس، عندما اعترض، في تصريحات له، عن عدم توفر المنافسة الشريفة والمتكافئة بين شركات الجيش وشركات المدنيين، واصفا إياها ب”غير العادلة”.

كثير من التفاصيل حول اقتصاد الجيش لم تناولها في هذا المقال، لكن السؤال الأهم هو ما الموقف الثوري تجاه السيطرة العسكرية على الاقتصاد.

المشكلة الحقيقية

كما سبق، وكما يبدو، يتفق الجميع على رأسهم الرأسماليين المصريين وصندوق النقد بل والخليج، مؤخرًا، على ضرورة تحجيم نشاط الجيش وخصخصة شركاته وفتح الباب للقطاع الخاص أمام المنافسة، وهو الأمر الذي يجعلنا نطرح السؤال البديهي عن الموقف الثوري تجاه عسكرة الاقتصاد.

وللإجابة على هذا السؤال نقول: يطرح صندوق النقد الخصخصة باعتبارها الحل السحري لما يسمونه ب”الإصلاح الاقتصادي”!، فكانت شروط صندوق النقد تتمثل في طرح بعض شركات الجيش في البورصة وإتاحة بياناتها، وبالتأكيد نحن مع المزيد من الشفافية، ولكن هل الخصخصة هي حل الأزمة نهائيا؟!، وهل استبدال الاحتكار العسكري الاقتصادي باحتكار مدني هو حل للكارثة الاقتصادية الحالية؟!.

صندوق النقد الدولي يطرح الخصخصة كحل، كما لو أنها سياسة جديدة تجربها الشعوب لأول مرة، وليست نفس السياسات التي جعلت الغالبية العظمى من المصريين حول خط الفقر، وليست نفس السياسات التي أفضت لثورة يناير.

من الضروري أن نعي المواقع الاقتصادية للأطراف المختلفة ومواقعها من الإنتاج، فجزء من أزمتنا مع سيطرة الجيش على الاقتصاد تكمن في أن شركات الجيش والأجهزة الأمنية خارجة بالكامل عن سيطرة الدولة، بالتالي لا تدخل تحت مظلة الضرائب والجمارك والرقابة، فهي مستفيد طفيلي من ضرائب المصريين وأقواتهم، مثلها كمثل شركات القطاع الخاص، التي تتهرب وتتجنب دفع الضرائب، في نفس الوقت تلجأ الدولة إلى زيادة غير مسبوقة في الضرائب، دون اعتبار الدخل هو المحدد الأساسي للضريبة، وهي السياسة التي تفضل مصالح رأس المال على مصالح غالبية المصريين.

يدفع المصريون ثمن هذه السياسة في التقشف الحكومي والتخفيض المستمر للدعم وانخفاض قيمة الجنيه وتدهور أحوالهم بشكل عام، ويحدث كل هذا في ظل مناخ قمعي خانق لا يسمح فيها بأي صوت غير مؤيد لسياسات الدولة وأجهزتها الأمنية.

وبالتالي فإن استبدال احتكار الجيش باحتكار القطاع الخاص لن يحل المشكلة، ولن يؤدي إلا لزيادة فقر الفقراء.

يجب إعادة النظر في نقد سيطرة الجيش على الاقتصاد، فالعسكرة ليست إلا غطاء للفساد، وإفقار المصريين بحرمانهم من موارد هامة للدخل، واستغلال الوضع لتحقيق أرباح طائلة تقع بالكامل خارج سيطرة الدولة، فالجيش يستثنى مثلًا من وضعه الودائع في البنك المركزي مثلا، فيقل إنفاق الدولة على الخدمات الاجتماعية والتعليم والصحة. آن الأوان لنوقن أن النخب العسكرية الاقتصادية الحالية ليست إلا بديلا للنخب المدنية الطفيلية، التي استفادت من الحزب الوطني، لتحقيق أرباح على حساب المصريين، واستبدال هذه بتلك لن يحل الأزمة.

وذلك يجعل على عاتق كل القوي السياسية المعارضة المهتمة بحقوق الشعب فى معرفة كيف تهدر موارده، أن تكون الذاكرة الشعبية ليوم يسترد فيه الشعب حقوقه.