بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ساحة سياسية

بعد هزيمة قائمة الحكومة

الصحفيون: انتصار مهم في معركة استرداد الديمقراطية

انتصار خالد البلشي مرشح المعارضة غير المتوقع في انتخابات نقابة الصحفيين، وكذلك فوز قائمة المحسوبين على تيار الاستقلال بأربعة مقاعد في مجلس النقابة من أصل ستة مقاعد، أمر بالغ الأهمية خاصة أنه يجري في ظل مناخ استبدادي بامتياز.

فما هي أسباب هذا الفوز وما هي دلالاته وتأثيراته المتوقعة؟

لم يكن أحد يتوقع قبل شهرين أن يفوز البلشي، المعارض الصلب لسياسات النظام والمدافع الشرس عن حرية الصحافة والصحفيين بمنصب نقيب الصحفيين، في دولة تهيمن أجهزتها الأمنية على مقدرات الحياة السياسية على مدى 10 سنوات كاملة، وعملت خلالها سلطة الانقلاب على تأميم النقابات ومنع أي صوت معارض يصدر منها وألقت القبض على آلاف المهنيين ووضعت على رؤوسها نقباء ومجالس موالين لها.

وتعهد البلشي خلال حملته الانتخابية بتحسين أوضاع الصحفيين والعمل على الإفراج عن صحفيين محبوسين بتهم من بينها نشر أخبار كاذبة، وهي تهمة تستخدم ذريعة لاستهداف منتقدي سياسات الحكومة من الصحفيين وغيرهم.

وسبق التحقيق مع البلشي بنفس التهمة بعد بلاغات ضده بسبب منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي، وأخلت النيابة سبيله بعد تحقيق أجرته معه العام الماضي.

والبلشي أحد الذين حملهم النظام مسؤولية أزمة اقتحام النقابة في عهد النقيب الأسبق يحيى قلاش، وكانت أحد أبرز الصدامات بين الدولة و”الصحفيين” حين اقتحمت قوات الأمن مقر النقابة في عام 2016 للمرة الأولى في تاريخها لإلقاء القبض على الصحفيين عمرو بدر ومحمود السقا على خلفية مواقفهما المعارضة من التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير.

والبلشي، أحد أشد المناصرين لثورة 25 يناير، نجح ومن الجولة الأولى من هزيمة مرشح الحكومة خالد ميري رئيس تحرير الأخبار والمقرب من دائرة السيسي هزيمة قاسية، كما أسقط الصحفيون أيضا واحدا من أساطير الحكومة، والذي تم تعيينه في مجلس الشيوخ، محمد شبانة في الانتخابات التي جرت الجمعة.

قصة صعود ميري

ولصعود خالد ميري مرشح “الميري”، والسيناتور شبانة في سلم الصحافة والنقابة قصة بدأت قبل سنوات عندما قادا جبهة تخريب قرارات الجمعية العمومية عام 2016 التي انتفضت لمواجهة اقتحام الداخلية لنقابة الصحفيين وطالبت بإقالة الوزير واعتذار السيسي للصحفيين وكافأتهما الأجهزة الأمنية على دورهما بإسناد مناصب صحفية قيادية لهما في جريدتي الاخبار والاهرام.. ثم تأبيد وجودهما في مجلس نقابة الصحفيين، الى جانب تسهيل عملهما في فضائيات وشركات كبرى.

ونجح ميري وشبانة في تزعم المجموعة الموالية داخل المجلس ليتم تحرير النقابة من الصحفيين عبر اتخاذ العديد من الإجراءات المتتالية، والتي نجحا في تمريرها بسبب إحباط الصحفيين كجزء من الإحباط العام في المجتمع.

وهي إجراءات شملت وضع سقالات على سلم النقابة وتكفينها ورفع الكراسي من أدوار النقابة لمنع الجلوس وتحويلها إلى مبنى وزاري غير مسموح بدخوله إلا بصعوبة شديدة ناهيك عن غياب النقابة تماما عن ملف الصحفيين المحبوسين والصحفيين المفصولين إلى جانب عدم التصدي لتدهور قيمة الأجور ولإغلاق الصحف وحجب المواقع وتحويل الجرائد إلى نشرات حكومية.

ومن يومها والنقابة خارج نطاق الخدمة تماما ولكن ما الذي جرى لتتم هزيمة مرشح الحكومة وقائمته؟

نظرية التراكم تؤتي ثمارها

مياه كثير جرت في النهر أدت الى تغيير المشهد تدريجيا وصولا الى يوم الحسم الانتخابي، ولعل أهمها حالة السخط العارمة وسط الصحفيين من تدهور أوضاعهم المعيشية وإغلاق عشرات النوافذ الصحفية وحجب المواقع واحتكار المخابرات للقنوات الفضائية.

ومما زاد الاحساس بالمهانة ضعف المبلغ الذي تعهدت به الحكومة لرفع رواتب الصحفيين دعما لمرشحها، وهو يساوي تقريبا إثنين كيلو لحمة، وذلك رغم الارتفاع الرهيب في الأسعار والأزمة الاقتصادية المتفاقمة، وإغلاق منافذ العمل أمام الصحفيين بتحويل وسائل الإعلام الى صوت واحد للنظام، الذين تحولوا إلى العمل على اوبر وافتتحوا المشروعات الصغيرة، ناهيك عن دفع الدولة بمرشح يفتقد تماما للمقومات اللازمة لكي يكون نقيبا، بينما تمتلك الحكومة مرشحين آخرين مقبولين نوعا ما ولكنها العنجهية وغرور الضابط الفتوة.

الى جانب الضغوط الرهيبة التي تم ممارستها على المحررين للتصويت لصالح مرشحي الحكومة والتهديد بالفصل والجزاءات، وكذلك التعاطف الذي حصل عليه مرشح المعارضة من حصاره إعلاميا وعدم السماح بظهوره مطلقا في قنوات الشركة المتحدة المخابراتية التي أفردت لمنافسه مساحات واسعة.

وفي ظاهرة لم تشهدها النقابة في أحلك فتراتها سوادا، أعلن رجال أعمال التزامهم بنفقات المرشح الحكومي لمنصب النقيب، وتدخّلت وزارات بتعويم مرشحين دون غيرهم برشاوى انتخابية، وتشكيل مجموعات لمساعدة نفر منهم لإدارة الانتخابات، على مرأى ومسمع من الجميع.

ولم يقف الدعم عند هذا الحد بل تدخل حزب مستقبل وطن ليوفر اسطولا لنقل المحررين القادمين من المحافظات الى جانب جلب وجبات من مطعم أبو شقرة الشهير لأعضاء حملاتهم وللمؤيدين بينما كان مرشح المعارضة يوفر سندوتشات الفول والطعمية بصعوبة لأعضاء حملته في يوم الانتخابات الطويل.

وقد ظهرت نذر الغضب بقوة في اجتماع الجمعية العمومية التي تبنت قرارا بدعم أهالي المحبوسين ودعم المفصولين تعسفيا، كما رفضت وللمرة الثانية تمرير الميزانية، كما بات واضحا اجماع كل قوى المعارضة السياسية على التصويت لقائمة تيار الاستقلال بزعامة البلشي لينتهى اليوم بإعلان فوز البلشي، بعدما جرت محاولات لتزوير النتيجة، وانتصار أربعة من قائمة المستقلين.

دلالات فوز البلشي وتأثيراته

وبالرغم من كل إمكانيات الترهيب والترغيب التي تملكها أجهزة النظام على أعضاء نقابة، فيها قطاع كبير من العاملين في مؤسسات مملوكه للدولة، فإن فوز مرشح يساري ومعارض بوضوح، أمر لا يمكن فصله أيضا عما جرى في نقابة المحامين من مظاهرات واسعة شملت محافظات عديدة ضد جمهورية الجباية ولا مفصولا عن إضرابات العمال المتزايدة احتجاجا على ارتفاع الأسعار منذ بداية العام الجاري ولا عن المعركة الدائرة حاليا في نقابة المهندسين بين النقيب طارق النبراوي، وبين أعضاء مجلس النقابة المدعومين بالكامل من حزب مستقبل وطن، وهو ما دعا الأول الى الاحتكام للجمعية العمومية التي انحازت إلى مواقفه.

وفوز البلشي، وهو حدث كبير، يؤكد أن كل سلطة لا يمكن لها أن تكون مطلقة طوال الوقت وأن هناك بداية تشققات داخل النظام حول أي الطرق التي يجب أن يسلكها لمواجهة أزمته المرعبة، وهو ما بات باديا في القلق المتزايد للسيسي في كلماته الأخيرة خوفا من شبح انتفاضة شعبية يلوح في الأفق.

وقد نتفق أو نختلف في تقدير إذا كانت الانتخابات أحدثت اختراقا في النظام القمعي المفروض على الحياة السياسية أم لا أو إذا كان هناك جناح ما في الدولة يسعى لفتح نوافذ لتنفيس الغضب أم لا أو اذا كانت هناك رغبة من الدولة لتوظيف نتائج الصحفيين دوليا لتحسين صورتها في مجال حقوق الإنسان خصوصا مع تعثر الحوار الوطني، وهو أحد شروط مؤسسات دولية لدعم النظام أم لا، ولكن الأهم حاليا أن ما جرى فتح باب أمل للتغيير أمام أعداد كبيرة من الشباب، ومنح كل المعارضين قبلة حياة وأشعرهم أن التضحيات التي قدموها ويقدمها الآلاف في السجون ليست بلا ثمن.

وأخيرا فإن هذا التطور المهم يستدعي أن تعمل القوى اليسارية على إعادة تنظيم صفوفها واستعادة كوادرها واحياء تواجدها في النقابات والمواقع وأن تستعد لخوض المعارك المقبلة في النقابات المهنية الاخرى والحكم المحلي وفي كل موقع عمالي، لكسب مساحات جديدة في معركة استعادة الحياة السياسية المعطلة والديمقراطية، خصوصا أن قدرة النظام على تقديم تنازلات باتت محدودة جدا، وهو ما سيزيد بالتأكيد من سخط الجماهير على الحكم وسياساته.

وبين الشروخ البادية في سيطرة السلطة ونقاط الهشاشة يمكن خلخلة قبضة النظام والوضع شديد الحلكة وخلق مساحات جديدة ولو محدودة جدا للمقاومة والتفاوض، مع الحرص أشد الحرص من تبني تكتيكات مفرطة في التفاؤل ورسم سيناريوهات غير واقعية تحاول أن تقارن بين انتخابات نقابة حتى ولو كانت بحجم نقابة الصحفيين وتأثيرها وبين انتخابات الرئاسة المقررة العام المقبل، ولكن المؤكد أن هناك شيئا ما تغير في مصر بعد انتخابات الصحفيين، لعله عودة الأمل والروح لدى قطاعات واسعة ادركت ان الأماني لسه ممكنة.