بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ساحة سياسية

بعد عشر سنوات من الانقلاب

التغيير بإيد الناس

“يُمكن عبر المقاومة الاجتماعية، التي تحقق تقدما ملموسا خلال الآونة الأخيرة، خلخلة قبضة النظام المأزوم وحلحلة الوضع الاستبدادي المتواصل منذ انقلاب يوليو 2013، خصوصا في ظل التدهور الكبير في مستوى معيشة الجماهير، ولكن يجب الحرص أشد الحرص من تبني تكتيكات مفرطة في التفاؤل ورسم سيناريوهات غير واقعية تحاول أن تنتقل سريعا من حرب المواقع إلى حرب المدن”.

عشرات الآلاف من المهندسين والمحامين والصحفيين والعمال والأهالي في عدد من المناطق الشعبية دخلوا مؤخرا بحذر الى ساحة النضال الاجتماعي، للمطالبة بتحسين أوضاعهم المعيشية، ووقف هجمة النظام الرأسمالي الاستبدادي المتوحش.

الفئات المكافحة انطلقت في حركتها من مطالبها الخاصة التي سرعان ما يتضح في مسار النضال قدر مناهضتها لسياسات النظام الاقتصادية، وتحديها للاستبداد، وكسر قوانينه.
صحيح أن حركتها متقطعة ومجزأة وتواجه صعوبات كبيرة، ولكنها رغم كل ذلك حققت انتصارات مهمة في ظل وضع استبدادي وقبضة أمنية والأهم أنها فتحت باب الأمل للتغيير، كما منحت القوى السياسية الضعيفة والمنقسمة قبلة الحياة من جديد.

ومن المتوقع أن يتزايد الحراك الاجتماعي خلال الفترة المقبلة مدفوعا بعوامل سياسية واقتصادية.

أما السياسي فهو اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية، والتي غالبا ما يصاحبها ارتفاع أصوات ضحايا النظام للمطالبة بأبسط حقوقهم وهنا يرتدي النظام “الوش الطيب” فيفتح حوارا وطنيا، ويميل الى تهدئة مسار الفرم الاجتماعي والاستجابة الجزئية لمطالب المحتجين الى أن تنتهي الانتخابات على الأقل.

والمتابع لحركة وزير النقل وتفاوضه مع المهندسين الغاضبين أو أهالي حي الميناء بالعريش الرافضين للإخلاء القسري، وتصديهم لجرافات الهدم بأجسادهم، يرى ذلك بوضوح.

أما الاقتصادي فهو تزايد الأزمة المعيشية نتيجة للسياسات الكارثية التي انتهجها النظام، والنتيجة أن الأسعار تزيد كل يوم ورقعة الفقر والفقراء تتسع، والغضب والاحتقان يتصاعد.

وفي هذا السياق يوضح البيان المالي للموازنة الجديدة مدى انحياز النظام العسكري إلى طبقة الرأسماليين بكل فئاتها العسكرية والبيروقراطية والأفراد، ويشير إلى أن أعداد المستفيدين من الدعم التمويني انخفض بمقدار 900 ألف فرد، بينما قفز الدعم الموجه إلى رجال الأعمال لأكثر من 28 مليار جنيه في الموازنة الجديدة، ولا عزاء لمحدودي الدخل.

ولكن قبل أن نتعرف على التحديات التي تواجه الحركة الاجتماعية دعونا بداية نلقي نظرة خاطفة على النضالات الاجتماعية التي شهدتها الفترة الأخيرة، والتي بدأت في التصاعد مجددا منذ عام 2019.

عمال ضد النهب ورفع الأسعار
فرغم قبضة الأمن الثقيلة، وخلال الشهور الست الأولى من هذا العام شهدت البلاد 62 احتجاجا اجتماعيا، من بينهم 42 احتجاج عمالي و15 احتجاج لأهالي قاوموا التشريد والاخلاء بالقوة من مساكنهم وأراضيهم، و4 احتجاجات طلابية.. وفقا لبيانات وحدة دراسات الاشتراكيين الثوريين.

ونظرة إلى الاحتجاجات الاجتماعية فهي تكشف مشاركة الآلاف من 13 محافظة، وأن مطلبها الرئيسي كان زيادة المرتبات، وأنها شملت مهنيين وعمال من قطاعات الخاص والأعمال والعام.

والرقم ليس بكبير إذا قارناه بسنوات سابقة، ولكن الاحتجاج الواحد يساوي العشرات، مما كان يقع قبل 10 سنوات، لأنه يتم ببساطة في أرض الخوف. والعام المنصرم انتهى بحركة عارمة وسط نقابة المحامين، والتي تعد أقدم وأكبر نقابة مهنية في البلاد ضد فرض ضرائب جديدة تحت مسمى التسجيل في الفاتورة الالكترونية، وخلالها تظاهر المحامون بالآلاف، عدة مرات أمام مقار نقابتهم وتحدوا قانون التظاهر وكانت حركتهم بمثابة عودة الروح الى الحياة السياسية، وخطوة مهمة في كسر حاجز الخوف في الشارع المصري.

ولم تكن أهمية نضال المحامين أنها تحدت فقط سياسات الافقار والتقشف التي توصي بها منظمات التمويل الدولية.. ولكنها جرأت كذلك جيرانهم الصحفيين القابعين في المبنى المجاور بشارع عبد الخالق ثروت في وسط القاهرة، وهما ضلعان من أضلاع مثلث مرعب تاريخيا للنظام، إلى جانب القضاة، على تحدي تعليمات الدولة وإسقاط خالد ميري المرشح المدعوم حكوميا وانتخاب الكاتب الصحفي خالد البلشي كأول نقيب من خارج المؤسسات الصحفية القومية ورئيس تحرير موقع “درب”، الذي كان محجوب حتى فوزه في الانتخابات، إلى جانب أنه ينتمي إلى اليسار الراديكالي.

وهنا أيضا تجاوزت نتيجة انتخابات الصحفيين أسوار النقابة لتشحن بطارية الأمل لدى المئات من المهنيين المحبطين من أوضاع نقاباتهم، ولآلاف السياسيين الذين فقدوا أي أمل في حدوث أي تغيير في ظل المناخ الاستبدادي الذي تحكمه الأجهزة الأمنية.

وقبل أقل من شهرين نجح آلاف المهندسون في فرض إرادتهم في مواجهة أنصار حزب النظام “حزب مستقبل وطن”، حيث احتشد خمسة وعشرون ألف مهندس أيدوا بقاء طارق النبراوي نقيبًا للمهندسين في أقوى جمعية عمومية غير عادية في تاريخ النقابة وقالوا لا لمرشحي حزب مستقبل وطن.. ولا لتحويل النقابة لمجمع لخدمة المستثمرين والدولة.

فقرر النظام أن يتدخل بكل أركانه لوقف رياح التغيير القادمة. ولكن رغم البلطجة اضطرت الدولة لاحترام إرادة المهندسين واعترفت بالنبراوي نقيبا للمهندسيين، ولكنها كالعادة منحت بلطجية مستقبل وطن حمايتها ورفضت محاكمتهم على الاعتداءات التي تمت بتنسيق كامل مع كافة الأجهزة الأمنية.

ولكن نضالات المحامين والصحفيين والمهندسين (العمال الذهنيين) لم تكن بمفردها في الساحة، ولكن العمال اليدويين أيضا رغم التحرشات الأمنية وسلاح الفصل المُشرع ضدهم بدأوا يتحركون، ويكفي أن نشير الى أن العام المنصرم شهد 11 ألف انتهاك لحقوق العمال أبرزها تخفيض الرواتب والفصل وشطب المرشحين.

وتركزت الغالبية العظمى منها في القطاع الخاص بما يعادل تسعة آلاف و722 انتهاكًا، يليه قطاع الأعمال العام بحوالي 900 انتهاكًا، ثم القطاع الحكومي 12 انتهاكًا.

وجاء تأخر الرواتب على رأس الانتهاكات، ثم خصم الراتب، وتخفيض منحة العيد، وإلغاء منحة الغلاء، ثم تصفية العمالة والفصل التعسفي، كما يواجه العمال خطر الاعتقال والإحالة لنيابة أمن الدولة، وقد يواجهون تهما خطيرة كالانضمام إلى جماعة إرهابية، (والمقصود النقابات المستقلة)، ونشر أخبار كاذبة، وإساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي.

ومازال حتى كتابة هذه السطور القياديين العماليين، محمد هاشم بالنقل العام وسامح زكريا بهيئة الإسعاف، قابعين بالسجن بعد توجيه ذات الاتهامات السابقة لهم.

ولكن العمال رغم ذلك تحركوا، خصوصا أن النظام، بدأ في ترك مساحة محسوبة جدا للتنفيس عن الغضب، خوفا من الانفجار.

وعلى سبيل المثال طالب عمال النصر للمسبوكات -قطاع أعمال- في قرية طناش بمركز أوسيم بمحافظة الجيزة أثناء احتجاجاتهم التي تصاعدت العام الماضي ضد التصفية وإغلاق المصنع، بحل مشكلة الديون، وتعيين إدارة هندسية سليمة تدير الشركة بدلا من إدارة تضم لواءات متقاعدين.

ولم يكن هذا التحرك هو الأول لعمال المسبوكات 2200 عامل، فقد تجمهروا وحاصروا أبواب الشركة واحتجزوا قياداتها في شهر يونيو من العام الماضي، للمطالبة بصرف مستحقاتهم المالية ورواتبهم الشهرية المتأخرة.

وهي نفس الأسباب تقريبا التي دفعت العاملين بمبنى ماسبيرو مع مطلع العام الماضي للإعلان عن اعتصامهم داخل المبنى احتجاجا على مجمل السياسات المطبقة به، والتي من شأنها الانتقاص من حقوق الغالبية العظمى من العمال.

وفي العاشر من رمضان أضرب عمال الشركة المصرية الأمريكية لإنتاج السجاد (ماك) التابعة للنساجون الشرقيون بمدينة العاشر من رمضان بمحافظة الشرقية، للمطالبة بتحسين المرتبات.

وهناك وقف قيادي عمالي وسط مئات العمال ودخل في حوار صاخب مع ممثل الإدارة الذي أدعى أن الشركة تمر بضائقة مالية، ولا تستطيع زيادة المرتبات قائلا “الأسعار بتزيد بره، والزيادة الجديدة لن تعوض هذه الزيادة وأنتم بتصدروا بالدولار.. واحنا بنقبض بالجنيه”.
مضيفا “أولع في نفسي.. اسرق.. أعمل ايه عشان أعيش”، وفي ثواني هتف العمال “مش عايزينه”.. “اطلع بره”، واجبر العمال الغاضبون مندوب الإدارة على الهروب في حماية رجال الأمن.

في حين قال عامل آخر غاضبا، ملخصا المشهد كله “مش عارفين نصرف على عيالنا”.
الإضراب استمر نحو أسبوع وتعالت فيه هتافات “الإضراب مشروع مشروع.. ضد الفقر وضد الجوع”.
ولم يفض الا بعد استجابة الادارة الجزئية لعدد من المطالب، وبعد أن نجحت في شق صف العمال.

وانتقلت عدوى الإضرابات إلى عمال شركتي ليوني للضفائر بمدينة نصر وكريازي للثلاجات بمدينة العبور من أجل رفع رواتبهم، وهي كلها شركات كبرى تصدر خارج البلاد وبالتالي استفادت من ارتفاع قيمة الدولار مقابل تدهور العملة الوطنية التي يتقاضى بها العمال أجورهم، ولذا كان لابد من السعي لإخمادها قبل أن تمتد رقعتها مجددا إلى محافظات أخرى.
وتراوحت تلك المحاولات بين إغلاق الشركة لفترات طويلة لتخويف العمال من الإغلاق الدائم، واحالة عدد من القيادات للتحقيق تمهيدا لفصلهم بتهمة الإضراب (ليوني وماك وكريازي) وانتهاء بتحرير محاضر ضد عدد من العمال بأقسام الشرطة والقبض عليهم بتهمة تنظيم إضرابات غير قانونية (كريازي).

البداية من الوراق
والاحتجاجات الاجتماعية عادت لتطل برأسها تدريجياً منذ العام 2019، مصحوبة بتظاهرات سياسية شارك فيها المئات من محافظات عدة، وعلى رأسها السويس التي لديها تاريخ عمالي نضالي طويل، نتيجة تردي الأوضاع المعيشية والرغبة في التغيير. وبحسب تقرير الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، فقد اندلعت في 20 سبتمبر 2019، مظاهرات غاضبة في نحو 14 محافظة ومدينة مصرية بناءً على دعوة أطلقها المقاول محمد علي في فيديوهاته التي يبثها من إسبانيا، تندد وتنتقد إهدار المال العام في مصر. وشارك في هذه المظاهرات مئات المواطنين المصريين، وغالبيتهم من الشباب والفقراء غير المنتمين لأحزاب أو جماعات سياسية، وندَّدوا بالفقر وإهدار أموال الشعب على قصور رئاسية لا يرون أن مصر بحاجة إليها.

استغل العديد من المواطنين مشاهدة مباراة الأهلي والزمالك، وعقب انتهائها انطلقت مظاهرات تضم شباباً غير مصنفين سياسياً، وتهتف بسقوط النظام في مدنٍ ومحافظات وميادين عدة، أبرزها ميدان التحرير في القاهرة، وميدان الأربعين في السويس، والمحلة الكبرى والإسكندرية، في مشهد غاب عن مصر ما يقرب من 6 سنوات.

شكل قانون التصالح في بعض مخالفات البناء وتقنين أوضاعها، رقم 17 الصادر في العام 2019، كلمة السر وراء هذه الاحتجاجات. لقد تعامل النظام، الذي كان يستعد لإجراء الانتخابات التشريعية، مع الغضب الشعبي بالبطش فاعتقل الآلاف، وبإلغاء الغرامات أو تخفيفها وتطبيقها على مدار زمني أطول.

وقبل عامين من هذه الأحداث تصدي أهالي جزيرة الوراق لهجوم أمني كاسح في العام 2017 لمحاولة إخلائهم بالإكراه من مساكنهم وأراضيهم التي يعيشون عليها منذ مئات السنين، وذلك في إطار سياسة استثمارية تقضي بنزع الفقراء قسرياً من الأماكن المتميّزة لصالح الشركات الاستثمارية الكبرى.

لم يتراجع الأهالي، الذين دخلوا في مواجهات عنيفة مع قوات الأمن والجيش أسفرت عن سقوط قتيل وإصابة واعتقال المئات، بل نظموا المسيرات في شوارع الجزيرة، وتحولوا إلى هدفٍ مباشر للهجوم في خطابات رئيس الجمهورية.

دفع صمود الأهالي ووحدتهم الحكومة إلى تأجيل تنفيذ الاخلاءات حتى الآن، واتباع سياسة «الخطوة خطوة» والحصار والاحتواء بدلاً من العنف، مما أدى إلى احتواء الغضب وعدم اندلاع مناوشات إلّا بين فنية وأخرى.

صعوبات تواجه الحركة الاجتماعية
ومن المتوقع أن تزداد الاحتجاجات نتيجة ضغوط صندوق النقد الدولي على مصر لتنفيذ المزيد من “الإصلاحات”، ويأتي على رأسها تنفيذ الحكومة برنامج بيع أصولها (خصخصة جديدة)، ومزيد من “قلة القيمة” للعملة الوطنية وبالتالي ارتفاع جديد في الأسعار، وتخفيض الدعم الموجه للفقراء.

وهو ما يستدعي بالمقابل وجود شبكة تنسيق بين العناصر المكافحة في النقابات المهنية، وتوحيد المطالب وإشاعة روح التضامن.

والعمل من أجل التغلب على الحصار الأمني الذي يضعف وبشدة من إمكانية تنسيق الاحتجاجات العمالية بين أكثر من شركة حول ذات المطلب.

إلى جانب ذلك، هناك ضرورة لإبداع أشكال نقابية تعبر عن العمال، في ظل أجواء البطش الحالية، فضلا عن التغير المتواصل في بنية الطبقة العاملة عبر الزيادة المتواصلة في عدد العمالة غير المنتظمة والمؤقتة والموسمية وهو ما يصعب من عملية التنظيم، والتعبئة، خصوصا بعد أن عاد الاتحاد العمالي الحكومي ليتصدر المشهد بعد أن قضى النظام، عبر القانون وبالبطش، في ذات الوقت على الأغلبية الساحقة من النقابات المستقلة.

وطبعا يزيد من صعوبة الوضع ندرة الكوادر العمالية المسيسة وسط الحركة الاجتماعية، مما يصعب من عملية تسييسها ويقوى النزعات الإصلاحية والانتهازية بداخلها.

تحالف اليسار.. ضرورة
تفتقد الحركة الاجتماعية بشدة إلى غطاء سياسي مؤيد ومشتبك وإلى دعم قانوني، بعد أن تعرضت المنظمات الحقوقية الى ضربات أمنية موجعة، وإلى منابر إعلامية منحازة للعمال، في ظل حجب مئات من المواقع الإعلامية وتحول وسائل الإعلام الرسمية والخاصة الى بوق للحكومة لا يسمح فيها بأي صوت مختلف.. وفي هذا السياق وتزامنا مع تبلور أكثر من ائتلاف يعبر عن قوى سياسية ليبرالية تدافع عن اقتصاد تكون الصدارة فيها لرجال الأعمال وليس للرأسمالية العسكرية ينبغي على اليسار المناضل والمنحاز للقوى الشعبية الآن وفورا تشكيل تحالف سياسي اجتماعي، يدافع بشراسة عن الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، ويرفع بوضوح مطالب الشغيلة والمنتجين المباشرة لوقف التدهور الجاري، ويعبئها من أجل انتزاعها، ويتبنى سياسات بديلة لخيارات الرأسمالية المتوحشة الحاكمة بكل أجنحتها.

فقط عبر حركة الجماهير المنظمة، معها وأمامها بخطوة واحدة، نستطيع كسر الانقلاب واستعادة الديمقراطية للمجتمع كله.