بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الخليج والسيسي.. طبقة حاكمة إقليمية ومصالح متشابكة

مقدمة
الدعم الاقتصادي والسياسي السعودي الإماراتي لنظام السيسي بدأ منذ 2013 بعد الانقلاب مباشرة وقبل التدخل العسكري لهذا الحلف في اليمن. ظهر هذا الدعم في مؤتمر المانحين وفيه عبرت الأنظمة الحاكمة الخليجية في السعودية والإمارات عن دعمها لسياسات السيسي المرتبط باستثماراتها في مصر والتي تسيطر فيه على أجزاء كبيرة من قطاعات اقتصادية عدة منذ حكم مبارك ومحاولاتها أيضا وقف تغيير أنظمة الحكم القمعية في المنطقة. هذه المقالة تحلل أسباب دعم السعودية والإمارات لنظام الثورة المضادة في مصر وتداخلات وتناقضات مصالح الطبقات الحاكمة الإقليمية ببعضها البعض.

دبلوماسية الإنقاذ
يقدم الخليج منذ السبعينات حزم إنقاذ مالية الى دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بلغت منذ عام 1974 الى العام 2023 ال 231 مليار دولار مقارنة ب81 مليار دولار من صندوق النقد الدولي لهذه الدول على نفس الفترة. وتشير دراسة من المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية إلى السرعة والحجم اللتين تستطيع بها دول الخليج ضخ دعم للموازنة وايداعات في البنوك المركزية وقروض وإعانات عينية من النفط الى المنطقة، وكان لمصر النصيب الأكبر من هذا الدعم خلال العقود الأربع الأخيرة حيث بلغ نصيبها من هذه الحزم 35%. وقد ارتبطت هذه الإعانات بثلاثة محطات رئيسية وهي حرب العراق وإيران وحرب الكويت وثورات الربيع العربي.

الاقتصاد السياسي للخليج
يحلل الباحث آدم هنية الاقتصاد السياسي للخليج من منظور ماركسي بخلاف التحليلات السائدة المعتمدة على نظرية الدول الريعية والتي تركز على أن الدول الغنية بالموارد الطبيعية مثل النفط تحتكرها سلطة حاكمة لكن يغيب عن النظرية التحليل المعتمد على سيطرة الدولة مقابل سيطرة السوق في دول الخليج ويغفل التداخل بينهما. حيث يعتمد التراكم الرأسمالي في الخليج على مدى القرب من العائلة الحاكمة واستفادتها منها والتي قد تأتي على شكل تسهيلات مالية أو هبات للأراضي أو تعاقدات لمشاريع حكومية واستثمارات مشتركة بين الدولة والقطاع الخاص وكلها أساليب منتشرة عالمياَ ضمن النظام الرأسمالي. ويساعد هذا التحليل للنظر للدولة كتعبير مؤسسي للطبقة الرأسمالية.

الخليج والتمويل العالمي
تمتلك الطبقة الرأسمالية الحاكمة في دول الخليج فائض قيمة عال بسبب دخولها بشكل قوي في أسواق التمويل العالمية. ويبرز ذلك من خلال التدفقات المباشرة في الأسواق المالية مثل أسواق الديون وسندات الخزانة والبورصة الأمريكية والنظام المصرفي خاصة في لندن، والاستثمارات الأجنبية المباشرة كعمليات الدمج والاستحواذ والصناديق السيادية. وتتزايد أهمية هذا الدور لدول الخليج في الأسواق التمويلية مع التباطؤ في النمو والاستثمارات وزيادة الاعتماد على المضاربة، كما تتداخل اقتصادات الخليج في السوق العالمي من خلال استهلاك سلع وخدمات مرتبطة بـ الهندسة والإنشاءات.

تأثير فائض القيمة من الخليج في مصر
ارتبط توغل رأس المال الخليجي في مصر بـ السياسات النيو ليبرالية التي اتبعها مبارك واستمرت في نهج السيسي لاحقا، وتركزت خاصة في مجالات الأغذية والعقارات والإنشاءات. فقد أدت سياسات مبارك الليبرالية الجديدة إلى تركيز رأس المال و كان لرأس المال الخليجي النصيب الأكبر من عمليات نقل رؤوس الأموال، حيث وصلت نسبة رأس المال الخليجي من الاستثمار الأجنبي المباشر إلى 25% في 2007 واستحوذت على 37% من قيمة الخصخصة بين 2000 و2008. عمليات الخصخصة هذه تمت بشراكة بين رأس المال المصري والخليجي مما أدى إلى تشابك ونمو مصالح الطبقة الرأسمالية الخليجية والمصرية. يوضح قطاع الاستثمار خاصة قدم وعمق الشراكات المصرية الخليجية. ومن أهم الأمثلة لذلك شركة إي إف جي هيرميز، التي اندمجت مع شركة أبراج الخليجية المستثمر الرئيسي فيها من 2006 ثم بعدها شركتي مجموعة دبي وهيئة أبوظبي للاستثمار، وبعدها استحوذت هيرميز على العديد من الشركات في مختلف القطاعات. ومثلها شركتي القلعة وبيلتون اللتان تضمان كبار الرأسماليين المصريين إلى جانب شركات استثمار خليجية.

في مجال الغذاء أدى تركيز الاستثمار الخليجي في الصناعات الغذائية المصرية بحلول عام 2016 إلى وجود 14 شركة من أصل 31 شركة أغذية مدرجة بالبورصة متحكم بها أو لها نسبة ملكية كبيرة لشركات خليجية. وتتحكم هذه الشركات في أكثر من نصف إنتاج الدواجن وفي تجارة تصدير الفواكه والخضروات مثلا تتحكم شركة واحدة في 30% من إنتاج البطاطس، وشركات كبرى مثل مزارع دينا وجهينة وفارم فريتس مملوكة أو في شراكة مع رأس المال الخليجي.

وفي المجال العقاري اعتمد اندماج رأس المال الخليجي على طريقين، إما من خلال شراء شركات التنمية العقارية الخليجية لأراضي الدولة (وصلت ل90% من مناقصة في 2007) أو من خلال الاندماج والاستحواذ على شركات تنمية عقارية تعمل في مصر. وصلت قيمة شركات الاستثمار العقاري الفوق 100 مليون دولار بين 2008 و2017 المتحكم فيها بالكامل من الاستثمار الخليجي الى حوالي 44%. ولكن العديد أيضا من الشركات تعتمد على حصص أقلية من مستثمرين خليجيين، مثل شركتي طلعت مصطفى وسوديك، وبحساب هذه النسب نجد أن نسبة رأس المال المملوك لشركات مرتبطة بالخليج يصل إلى 59.5 % من السوق. الاستثمارات تواصلت في مجالات مختلفة، ففي عام 2022 باعت الحكومة حصص تعدت ال40% من شركات أبوقير وموبكو للأسمدة إلى الصندوقين السياديين السعودي والإماراتي وهما شركتان تنتجان 20% من إنتاج مصر للأسمدة وتمتلكان أسهم في 5 شركات أخرى تعمل في مجال الأسمدة. وشهد عام 2016 مثلا شراء مجموعة أبراج كابيتال الإماراتية الذي كان من ضمن شركائها على سبيل المثال وزير الصناعة السابق طارق قابيل العديد من شركات القطاع الصحي الخاصة، شملت حوالي 15 مستشفى منهم مستشفيات النيل البدراوي والقاهرة التخصصي وشراء معامل البرج والمختبر. وفي عام 2022 قامت موجة غير مسبوقة من استحواذات الصناديق السيادية الخليجية لأصول حكومية وخاصة. فبلغت قيمة استحواذات صندوق الثروة السيادية في أبو ظبي (الشركة القابضة إيه دي كيو) وصندوق الاستثمارات العامة السعودي 3.1 مليار دولار. شملت مثلا شراء إيه دي كيو حصة 17.2% في البنك التجاري الدولي والاستحواذ على شركة سوديك العقارية بالشراكة مع شركة “الدار العقارية” الإماراتية.

الحكم القمعي
يجمع التداخل في رأس المال وتشابك المصالح الطبقات الحاكمة الإقليمية، وبالتالي اتفاقها على الحفاظ على النظام الليبرالي الجديد وسياساته في اتجاه الخصخصة. وليست مصادفة أن السياسات الليبرالية الجديدة التي وجهت باعتراضات شعبية واسعة استدعت وجود أنظمة قمعية على شاكلة نظامي مبارك وزين العابدين لكبت النضالات العمالية وهو ما يوضح العلاقة بين الليبرالية الجديدة والقمع في الشرق الأوسط. وفي نفس الإطار وصل الإخوان للحكم محافظين على السياسات الليبرالية الجديدة مع نفوذهم الجماهيري وهو ما فعلوه بالمحافظة على سياسات مبارك الاقتصادية، لكنهم لم يستطيعوا قمع الاحتجاجات والإضرابات المتصاعدة.

دعم السيسي
هذا ليس من الغريب أن تقوم الطبقة الحاكمة في السعودية والإمارات بدعم نظام السيسي القمعي بأكثر من 20 مليار دولار في السنة الأولى من حكمه كما صرح بذلك السيسي بنفسه. فالسياسات الدموية التي استهدفت قتل الثورة المصرية ضمنت حماية واستمرار السياسات الليبرالية الجديدة المحققة لمصالح هذه الطبقة الحاكمة الإقليمية. ففي خلال أقل من أسبوعين من انقلاب 30 يونيو، قررت السعودية منح مساعدات بقيمة 5 مليارات دولار والإمارات بثلاثة مليارات دولار والكويت بأربعة مليارات دولار. هذا التحرك والدعم تم بسرعة هائلة وبحجم كبير، وواكب ذلك خطاب من ملك السعودية يصرح فيه بدعم السيسي وأعقبها زيارة من وزير خارجية الإمارات لمصر للتأكيد على هذا الدعم. ووصلت تقديرات دعم هذه الدول خلال ال10 سنوات الماضية 100 مليار دولار.

المؤتمر الاقتصادي وتسهيلات الاستثمار
المحطة التالية كانت المؤتمر الاقتصادي في 2015 الذي قدمه المسؤولون منذ الإعلان عنه بأنه سيجلب 100 مليار دولار من الاستثمارات الخليجية ثم خفضوا الرقم المتوقع إلى 15 ثم 10 مليار دولار. ثم انتقلت التصريحات التي واكبت المؤتمر على أن مصر ماضية في طريق الإصلاحات الاقتصادية التي تمثل استمراراً في دعم السياسات الليبرالية الجديدة. فتم تعديل قانون الاستثمار لحماية المستثمرين من المساءلة القانونية وإلغاء الضرائب التصاعدية لتقليل الضرائب على المستثمرين وتحسين مناخ الاستثمار. وهي سياسات مدحها صندوق النقد الدولي في نفس المؤتمر قائلاٌ أن مصر على الطريق الصحيح ويلزمها المزيد من الإصلاحات. في النهاية ما تم الإعلان عنه في المؤتمر كان بالأساس مشاريع عقارية أبرزها مشروع العاصمة الإدارية ووعود بالاستثمارات من المؤتمر لم يتم تحقيقها.

تغير الدعم
استمر خط السياسات الليبرالية الجديدة بعد سنة من المؤتمر بالحصول على قرض صندوق النقد الدولي بمبلغ 12 مليار دولار، والذي وافق على القرض بشرط تعويم العملة وهو ما أفقد الجنيه نصف قيمته. وجاء هذا الاتفاق بعد فشل المفاوضات مع الإمارات للحصول على ودائع جديدة ارتبطت أيضاً بطلب عمل تغييرات اقتصادية. واستمر برنامج الاستدانة من صندوق النقد حتى 2019، لتبدأ الموجة التالية من خصخصة أصول الشركات المصرية ومحاولة بيعها في 2022. في هذه الفترة من تغير التوجه نحو صندوق النقد (والذي تعتبر الدول الخليجية من أكبر دائنيه)، وافق نظام السيسي على صفقة تيران وصنافير في محاولة للتقليل من أزمته.

طرح شركات الدولة للخصخصة
دخل الاقتصاد المصري في 2022 في أزمة أخرى والتي تحولت إلى فرصة للمزيد من سياسات الخصخصة والإفقار. أخذت الحكومة قرضاُ آخر من صندوق النقد بمبلغ 3 مليار دولار مصحوباُ بشرط تعويم العملة وخصخصة أصول شركات الدولة.

بدأت موجة الخصخصة بصفقات متفرقة تتلو بعضها ببيع شركات حكومية لرأس مال خليجي وصلت قيمتها 40 مليار دولار شملت شركات للأسمدة والحاويات. ثم أعلنت الحكومة برنامجها لعرض 32 شركة حكومية للبيع، والتوسع في حجم الخصخصة ليشمل 3 بنوك وشركات للحاويات وشركات في قطاع التأمين وشركات مملوكة للجيش.

المصالح الخليجية والطبقة الحاكمة الإقليمية
تسير حالياً المفاوضات بين نظام السيسي والمستثمرين على كيفية بيع أصول شركات الدولة وبأي قيمة، لكن الثابت على مر السنين الماضية هو السير إلى المزيد من سياسات الإفقار للشعب والتسهيل للمستثمرين وزيادة التشابك مع الطبقة الرأسمالية الإقليمية والتعبير المؤسسي لها في الدولة. البعد الإقليمي للطبقة الرأسمالية وللثورة المضادة أساسي لدعم الأنظمة الليبرالية الجديدة القمعية المتتابعة في مصر.

وهو ما يعني أهمية التنسيق السياسي والشعبي فى منطقة الشرق الأوسط للوقوف ضد السياسات الليبرالية الجديدة المدعومة من أنظمة الخليج والمؤسسات الدولية (صندوق النقد الدولي والبنك الدولي)، ولتكون تنسيقة (من أجل قمة مضادة لاجتماع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي 2023) بداية للنضال المشترك بين شعوب المنطقة ضد السياسات الاقتصادية لتلك المؤسسات.