بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

أزمات.. وتوكيلات

تابعنا خلال الأيام الماضية الكثير من التطورات التي أضافت بعض التغيرات المهمة على المشهد السياسي في مصر. صارت الانتخابات المزمع عقدها في ديسمبر في القلب من نقاشات الشارع، ومن خلف ضباب الرهبة الأمنية أصبح من الواضح مدى السخط الذي يشعر به المصريون إزاء النظام الذي يفقرهم ويكمم أفواههم.

يدرك النظام أنه لا يتمتع بأي شعبية وسط الجماهير، وإلا لما خاض السيسي كل وصلات التهديد التي يدلي بها دائمًا في خطاباته الرسمية تحذيرًا من أي تحرك احتجاجي ضد سياساته. ولعل أبلغ تعبير لإدراك النظام افتقاره إلى الشعبية هو حشده الآلاف من المواطنين، بالأمر والتهديد في بعض الحالات وبالأموال في كثير منها، في احتفاليات تأييد السيسي بعد إعلانه في 2 أكتوبر الجاري ترشحه للانتخابات. أولئك الذين أفقرهم السيسي وأذاقهم الهوان يستغل حوجتهم لحشدهم من أجل تأييده.

أزمات
عشرات الملايين من الناس يعانون في ظل الأزمة التي تسبَّب فيها النظام وهي تهوي كالمطارق فوق رؤوسهم. وصل التضخم إلى معدلات فلكية ارتفعت على إثرها أسعار المواد الغذائية بنسبة 71.9% على مدار العام الماضي، ويزداد الملايين من المصريين فقرًا في ظل أزمة ديون هائلة تسبَّبت فيها سياسات الديكتاتور ويدفعها من جيوبنا.

على مدار السنوات العشر الماضية، أهدر نظام السيسي المليارات في مشروعاتٍ لا طائل منها في صحاري جرداء يتفاخر بتبديد 9.4 تريليون جنيه عليها. جاءت كل هذه الأموال الطائلة عن طريق الاستدانة، حتى بلغت الديون الخارجية الآن 165 مليار دولار وصارت مصر ثاني أكبر مدين لصندوق النقد الدولي.

في مواجهة كل ذلك، يصر الديكتاتور على الهروب إلى الأمام وسحق معيشة المصريين، وهو يمهد لإجراءات اقتصادية أشد قسوة في الفترة المقبلة، لعل في صدارتها تعويم الجنيه والمزيد من بيع الأصول. هذه هي إملاءات صندوق النقد الدولي. ونظام السيسي، الذي يلهث وراء الاستثمارات الأجنبية، شديد الحرص على تنفيذ هذه الإملاءات طالما أنه قادر على مد يده في جيوب المصريين.

كان حرص السيسي على تطبيق هذه الشروط هو الذي دفعه في المقام الأول للتعجيل بانتخابات الرئاسة لتُعقَد في ديسمبر المقبل، بدلًا من ربيع 2024. ولا يبالي الديكتاتور بالملايين الذين ستزداد معاناتهم مع مثل هذه الإجراءات، أولئك الذين يدعوهم في كل خطاب إلى تحمُّل الجوع، إلى درجة التبجُّح بتوصية الطلاب والشباب بالتبرع بالدم كل أسبوع كي يحققوا “دخل محترم”، على حد قوله. بصرف النظر عن الجهل الطبي في هذا الأمر، يوشك الديكتاتور على مطالبتنا ببيع أعضائنا لدفع ثمن الأزمة التي أغرقنا فيها، بينما هو وحاشيته ينعمون في عاصمتهم الجديدة.

تعقدت الأزمة الاقتصادية للنظام بعد أن أغلقت دول الخليج الصنابير التي كانت تدر المليارات على الديكتاتور الفاشل. والآن، تشتد الضغوط الخارجية عليه بشأن الوضع السياسي في مصر. في 4 أكتوبر الجاري، علَّق الكونجرس الأمريكي 235 مليون دولار من المساعدات العسكرية المقدمة للنظام، في خطوةٍ تأتي بعد اتهام السيناتور بوب مينينديز بتلقي رشاوى من مصر لتسهيل استمرار المساعدات العسكرية الأمريكية لها. وفي اليوم التالي، 5 أكتوبر، صوَّت البرلمان الأوروبي على قرار يطالب بوقف التضييق الأمني على المرشح المحتمل أحمد طنطاوي وأنصاره.

كانت مثل هذه الضغوط هي التي دفعت السيسي من قبل لعقد ذلك “الحوار الوطني” الشكلي لرسم صورة ديمقراطية زائفة لنفسه أمام دول الغرب. لكن في مقابل الحوار، استمر بالطبع تكميم الأفواه، وفي مقابل الإفراج عن عددٍ محدود من المعتقلين السياسيين، كانت السجون تمتلئ بمعتقلين جدد أكثر عددًا بما لا يُقاس.

توكيلات
دعنا من الضغوط الخارجية، فليست هذه الضغوط –ولا يمكن أن تكون- هي الرهان الذي يأتي بالتغيير. لن يأتي أي تغيير إلا بجهودنا، نحن الملايين من المصريين الذين نكابد الحياة في ظل الأزمة ويدهسنا قطار الليبرالية الجديدة بوجهها العسكري القمعي البغيض.

لكن هذا التغيير أيضًا لن يأتي بين عشية وضحاها. يتطلَّب الأمر جهدًا طويلًا ومضنيًا، وربما تكون الانتخابات الرئاسية أول عتبة في هذا الطريق.

ليس هناك بالطبع أي أوهام بشأن نزاهة الانتخابات المقبلة. تُحكِم الأجهزة الأمنية قبضتها على مجريات الأمور، ولديها ترسانة من أدوات البلطجة والعنف والتضليل والتزوير، وتعمل بالفعل الآن على التضييق على تحرير التوكيلات، وقد اعتقلت أيضًا العشرات من أعضاء حملة طنطاوي، وصولًا إلى تواطؤ المحكمة الإدارية العليا برفضها الطعون التي قدمتها حملة طنطاوي من أجل الإشراف على عملية تحرير التوكيلات. استخدمت الأجهزة الأمنية كافة السبل لخنق أي شكل من أشكال المعارضة الحقيقية ضد السيسي، بما في ذلك اختراق هاتف طنطاوي باستخدام برنامج “بريداتور” للتجسس، الذي طورته شركة “سيتروكس” الإسرائيلية!

في المقابل، يصر الآلاف من أعضاء حملة طنطاوي، التي نحن في حركة الاشتراكيين الثوريين جزءٌ منها، على تحرير التوكيلات له؛ يقفون بالساعات أمام مقرات الشهر العقاري، في تحدٍ للبلطجة والتضييق، وأحيانًا في مواجهة العنف المباشر، ويعاودون المحاولة مرة بعد أخرى. هذا الإصرار، الذي يستحق التحية والإشادة، هو الذي قد يشق بدايةً للطريق الطويل من أجل بناء معارضة أقوى وأوسع نفوذًا تقدر على بناء بديل ديمقراطي لهذا النظام. بديل يطرح نفسه كخيار ثالث عن السيسي وعن الفوضى التي اعتاد تهديد المصريين بها، وما حكمه إلا هذه الفوضى بعينها. بديل يمكنه التعبير سياسيًا واجتماعيًا عن السخط الكامن لدى الناس من سلطة السيسي، ذلك السخط الذي قلَّما ينفجر في احتجاجاتٍ سياسية مثل مظاهرات مطروح منذ أيام.

ما من تغييرٍ يسقط من السماء، وما من معارضة حقيقية وجادة يمكن أن تنشأ بعصا سحرية. ومواجهة دولة قمعية بشراسة دولة السيسي تتطلَّب نفسًا طويلًا وخوضًا صبورًا لمعارك لا حصر لها –قد تمر أيضًا بسلسلة من الهزائم والإحباطات. لكن الزخم الذي خلقته حملة طنطاوي يلقي الآن حجرًا في الماء الذي ظل راكدًا لسنوات. هذا بالتحديد ما يمنح معركة التوكيلات أهميةً قصوى اليوم، رغم شتى ألوان الانتهاكات التي تعج بها العملية الانتخابية –والتي سنشهد المزيد منها في الأسابيع المقبلة.