بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

التطبيع في كلا الاتجاهين.. الغاز المصري لإسرائيل من التصدير إلى الاستيراد (الجزء الأول)

أعادت حرب عبور 7 أكتوبر في فلسطين قضية التطبيع بين مصر وإسرائيل في مجال الطاقة إلى الصدارة، فعلى أثر المعارك العسكرية بين المقاومة الفلسطينية وجيش الاحتلال الإسرائيلي توقفت إمدادات الغاز الطبيعي من إسرائيل إلى مصر بعد توقف حقل غاز “تمار” البحري، مما أدى إلى عودة أزمة انقطاع الكهرباء في مصر، حيث وصلت واردات مصر من الغاز إلى صفر في أواخر أكتوبر الماضي، بحسب المتحدث باسم مجلس الوزراء المصري سامح الخشن، ثم ارتفعت في منتصف الشهر الجاري إلى 60% مما كانت عليه قبل أكتوبر.

عطلت الحرب في فلسطين الطموحات الإسرائيلية لزيادة صادرات الغاز إلى مصر من حقل تمار بمقدار 38.7 مليار متر مكعب لمدة 11 عامًا إضافية، تلك الطموحات التي عبَّر عنها سابقًا وزير الطاقة الإسرائيلي يسرائيل كاتس في أغسطس الماضي في تصريحاته لوكالة رويترز. وبعد أن كان خط أنابيب عسقلان-العريش يضخ الغاز المصري إلى إسرائيل منذ أعوام، تغير مسار الخط نفسه في الاتجاه المعاكس ليتدفق الغاز الفلسطيني المسروق من جانب إسرائيل لتصديره إلى مصر.

في يناير عام 2001، وقعت شركة الكهرباء الإسرائيلية الحكومية “إلكستريك كورب” وشركة غاز شرق البحر المتوسط “EMG” عقدًا تورِّد بموجبه شركة شرق البحر المتوسط 7 مليارات متر مكعب من الغاز المصري إلى شركة الكهرباء الإسرائيلية لمدة 15 عامًا. لم يكن توقيع الاتفاقية بين الجانبين المصري والإسرائيلي مجرد تطبيع حكومي فحسب، بل أن الصندوق الأسود لملف تجارة الغاز بين مصر وإسرائيل يبدأ فقط من شركة شرق البحر المتوسط EMG التي تأسست عام 2000 بالشراكة بين الهيئة المصرية العامة للبترول وشركة خط أنابيب البحر المتوسط التى كانت مملوكة لرجل الأعمال الراحل حسين سالم ومجموعة “ميرهاف” الإسرائيلية المملوكة لرجل أعمال إسرائيلي ومقرها سويسرا، والتي تمارس نشاطها في إنشاء وإدارة ملكيتها لخطوط أنابيب نقل وتصدير الغاز إلى منطقة حوض البحر المتوسط.

عقب تأسيس شركة EMG، وافق مجلس الوزراء المصري في سبتمبر عام 2000 على قيام الهيئة المصرية العامة للبترول ببيع 7 مليارات متر مكعب من الغاز سنويًا إلى شركة EMG لمدة 15 عامًا، ومنح القرار الوزاري الحق لـEMG بإنشاء خط الغاز بين مصر وإسرائيل، وهو “خط عسقلان -العريش” والذي عُرِفَ بخط حسين سالم. مهدت هذه القرارات والاتفاقيات بين الجانبين المصري والإسرائيلي على المستوى الحكومي والشركات الخاصة الطريق لتوريد الغاز المصري إلى إسرائيل عام 2005 بعد التوصل إلى تسويات حول سعر الغاز المُصدر من مصر.

وقعت الشركة المصرية القابضة للغاز اتفاقًا جديدًا مع شركة EMG في يونيو 2005 يتم بموجبه تصدير 107 مليار متر مكعب من الغاز سنويًا إلى إسرائيل لمدة 20 عامًا، وأصبحت مصر بذلك تمد إسرائيل بحوالي 40% من احتياجاتها من الغاز. واجهت الاتفاقية معارضةً شعبية في مصر حيث اتهمت الحملة الشعبية لوقف تصدير الغاز المصري لإسرائيل، التي رفعت شعار “لا لنكسة الغاز”، النظام المصري بتطبيع العلاقات مع إسرائيل فضلًا عن بيع الغاز لإسرائيل بثمن بخس مقارنةً بالأسعار العالمية، وبأقل من تكلفة الإنتاج نفسها (من 1.5 إلى 1.7 دولار لكل مليون وحدة حرارية، في حين بلغت تكلفة إنتاج نفس الكمية 2.65 دولار).

وعقب اندلاع ثورة 25 يناير 2011، عادت المطالبة بإلغاء إتفاقية تصدير الغاز لإسرائيل، وفي سيناء تعرض خط أنابيب عسقلان -العريش للعديد من الهجمات المُسلحة أثرت بشكل كبير على إمداداته، إذ تعرض خط الغاز لـ15 عملية تفجير على مدار عام ونصف منذ فبراير 2011. وتحت الضغط الشعبي أعلنت الشركة المصرية القابضة للغاز في أبريل 2012 إلغاء اتفاقية تصدير الغاز إلى إسرائيل. وفى يونيو من العام نفسه، قضت محكمة مصرية بحبس وزير البترول سامح فهمى ورجل الأعمال حسين سالم 15 عامًا في قضية تصدير الغاز بسبب تورطهما في تكبيد الدولة خسائر تُقدر بـ715 مليون دولار بتصدير الغاز المصري لإسرائيل بثمنٍ بخس. ولكن بعد سنوات، وفي أكتوبر 2016، تم تبرئة كليهما وآخرين في قضية الغاز.

سعت إسرائيل بعد ذلك إلى التحكيم الدولي ضد مصر بسبب توقف إمدادات الغاز من قٍبل الجانب المصري، وحصلت شركة الكهرباء الإسرائيلية في ديسمبر 2015 على حكم يلزم الهيئة العامة المصرية للبترول والشركة القابضة للغازات الطبيعية بدفع تعويض بقيمة 1.76 مليار دولار بسبب تضرر الجانب الإسرائيلي، بحسب وكالة أسوشيتدبرس الأمريكية. وفي يونيو 2019 توصل الجانبان إلى الاتفاق على تسوية للنزاع على أن تدفع مصر تعويضًا قيمته نصف مليار دولار.

انتهى التطبيع بين مصر وإسرائيل في هذا الاتجاه بحصول إسرائيل على الغاز المصري بأبخس الأسعار على مدار سنوات فضلًا عن حصولها على تعويض بملايين الجنيهات، ليبدأ خط الغاز للعمل في الاتجاه المُعاكس حيث أصبح يتم تصدير الغاز من إسرائيل إلى مصر.