بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الرئيس الذي نعرفه.. والمعارضة التي لا نعرفها (الجزء الثاني)

انتهت الانتخابات الرئاسية في ظل أجواء الحرب على غزة، وهو الأمر الذي قضى على أي اهتمام دولي بها، فالدفاع عن الديمقراطية عند الأنظمة الغربية يأتي بالقدر الذي يحقق مصالحهم فقط.

وحيث أنه من مصلحة القوى الإمبريالية بقاء الديكتاتور السيسي في ظل هذه الظروف التي تمر بها المنطقة، ليحرس معبر رفح ويتوسط لدى حماس للإفراج عن الأسرى الصهاينه، فإن الديمقراطية في مصر لم تعد تهم أيا من هذه الأنظمة.

داخليًا لم يواجه السيسي أي معضلة في تدشين مراسم تنصيبه الثالث، وجاءت حرب فلسطين كضربة حظ لتمرير الانتخابات، بعد تراجع الاهتمام بها، بسبب الحرب في فلسطين وإقصاء أحمد الطنطاوي، المنافس الأكثر جرأة في انتقاد السيسي، بعد عرقلة عملية تحرير التوكيلات لصالحه ثم إحالته وعدد من كوادر حملته الانتخابية إلى المحاكمة، فضلاً عن اعتقال العشرات من أعضاء الحملة.

لا يعرف الكثيرون أسماء من ترشحوا للرئاسة مع السيسي، فالجميع يعلم أن هذه الانتخابات هزلية وأنهم جميعا لم يشاركوا في هذه الانتخابات لمنافسة الجنرال، وقد كان للمعارضة دور كبير في إخراج هذا المشهد بهذا المظهر الهزلي، نتيجة لتكتيكات أثبتت فشلها، فبجانب مناخ القمع والاستبداد الذي أحكم به السيسي قبضته على الحكم، فإن المعارضة أهدرت كل الفرص نتيجة لعوامل ذاتية.

على النقيض من ذلك وقبل حرب فلسطين الحالية، هندس السيسي خطته لاحتواء المعارضة قبل عام من الانتخابات، وتحدثت التقارير عن رؤية جديدة للحكم تسمع على غير العادة للمعارضة وترحب بمقترحاتها. كانت السلطة تدرك بجانب اقتراب حلول موعد الانتخابات الرئاسية، أن هناك امتعاضُا شعبيُا من سياساتها التي هوت بالكثير إلى دائرة الفقر، فوفقُا لمنظمة الأمم المتحدة للزراعة”الفاو”، فإن اكثر من 27 مليون مصري يقعون تحت خط عدم الأمن الغذائي، مما دفع بهم إلى استبدال عاداتهم الغذائية وتبني نظامًا نباتيًا ضارا في الغذاء.

في أبريل عام 2022. خلال إفطار الأسرة المصرية، دعى السيسي إلى الحوار مع المعارضة، وأطلق على دعوته اسم “الحوار الوطني”، وأفرج لاحقًا عن بعض المعتقلين السياسيين البارزين، وانخرطت معظم قوى المعارضة في حوار مع السلطة، ذلك الحوار الذي لم يسفر إلا عن الكثير من اللجان واللجان الفرعية، ورغم الإفراج عن البعض لم تستجب السلطة إلى المطالب بالإفراج عن أسماء محددة، وبقى هؤلاء المعتقلين بمثابة خطوط حمراء.

لم تكتف السلطة بالإبقاء على الكثير من المعتقلين داخل سجونها، بل اعتقلت المزيد أثناء حوارها الشكلي مع المعارضة، ولم تتوقف يومًا عن سياسة الاعتقال وتكميم الأفواه، فضلاً عن امتداد الخطوط الحمراء إلى مناقشات الحوار الشكلي نفسه، فقضايا الأمن القومي لم تدرج على طاولة الحوار، حيث يعتبر تنازل النظام عن جزيرتي تيران وصنافير وأزمة سد النهضة أمورا لا يجوز الحديث عنها حتى على سبيل ال”المكلمة”.

استُهلكت المعارضة في حوار عبثي، وأهدرت الوقت بدلاً من الاستعداد للانتخابات الرئاسية التي كانت على الأبواب، فضلاً عن انقسامها حول الاتفاق على مرشح واحد للمعارضة، وساهمت بقراراتها الفردية في رسم صورة المشهد.

أعلن النائب السابق احمد الطنطاوي ترشحه للرئاسة، وامتد الجدل داخل المعارضة حول الاتفاق على مرشح واحد، بعد أن أدركت متأخرة أن الحوار الوطني ليس إلا كمين لإضاعة الوقت، وأسفرت الحوارات المتأخرة عن ترشح كُلاً من طنطاوي وجميلة إسماعيل لجمع التوكيلات الشعبية اللازمة للترشح للرئاسة.

كشفت معركة التوكيلات أن السلطة ليس لديها أي استعداد للحوار، وأن هذا ليس مجرد تحليل سياسي أو اختلاف في التقديرات، فقد رأت المعارضة التضييقات والانتهاكات رأي العين، وهو ما دفع أحزاب الحركة المدنية الديمقراطية لإعلان مقاطعتها للانتخابات الرئاسية، باستثناء حزبان هما المصري الديمقراطي الاجتماعي والعدل.

هكذا تم تدشين التنصيب الثالث للديكتاتور السيسي، في ظل انتخابات شكلية، لا يعرف فيها الغالبية أسماء من ترشحوا لها سوى اسما واحدا هو “السيسي”، وإن كانت الحرب في فلسطين من العوامل التي دفعت نحو عدم الاهتمام بها، فإن الاتجاه المعاكس الذي سلكته المعارضة بحوارها مع السلطة وتفردها وانقسامها قد ساهم في رسم هذا المشهد، وإذا كانت الحرب قد أجلت الاهتمام الشعبى بالانتخابات، فإن الأوضاع الاقتصادية والسياسية في مصر لن تؤجل إلى مالا نهاية، وإذا لم تقدم المعارضة برامجها وبدائلها عبر حوارها معًا وتشكيل جبهة واسعة لوقف هذه السياسات، بما تشمل سياسات النظام في القضية الفلسطينية نفسها، إذا لم تتحاور المعارضة الآن فمتى تتحاور.