بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

“رأس الحكمة”.. رأس الصفقة الإماراتية الإسرائيلية

“اللي يبيع صنافير وتيران بكره يبيع شبرا وحلون”، هكذا هتف المتظاهرون الغاضبون فيما عُرِفَ بمظاهرات الأرض، التي اندلعت عقب تنازل نظام عبد الفتاح السيسي عن جزيرتي تيران وصنافير للمملكة السعودية في أبريل 2017. استند السيسي حينها إلى رؤية في منامه تحثه على رد الحق لأصحابه على حد قوله، ولم تكف السلطة منذ ذلك الوقت عن سياسة البيع وتهجير السكان في مدن وقرى مصر من أجل الاستثمار، حتى وصل قطار التهجير والانبطاح لممالك الخليج، إلى بيع مدينة بأكملها، في عملية أطلق عليها رئيس الوزراء اسم “الصفقة”، في كلمة معبرة، فلن يكون التهجير والبيع هذه المرة، لضاحية أو حي، بل كانت صفقة بالتنازل عن مدينة كاملة.

على غرار إعلانات الشركات، وعلى طريقة “انتظرونا”، جاء الإعلان الحكومي يوم الخميس الماضي عن توقيع صفقة مهمة مع كيانات اقتصادية كبرى، ضمن صفقات استثماريةّ أخرى تعمل الحكومة عليها حاليًا، دون أن توضح طبيعة هذه الصفقات أو الكيانات التي تمت معها، مما فتح الباب للتنبؤات، وبات الجميع بانتظار الاعلان عن “الفنكوش”.

من الممكن فهم هذا الإعلان الحكومي الموجه إلى الشعب المصري عن الصفقة، في سياق ذعر السلطة من تذمر قطاعات واسعة من الشعب جراء الأزمة الاقتصادية الطاحنة، التي خلفت غضبًا مكتومًا لا يخفى عليها، والذي أجبر الآلة الاعلامية على الاعتراف به ومحاولة إرجاعه إلى فشل بعض الوزارات، أو تداعيات الحرب في غزة، أو أن السلطة، التي تدرك مدى الأزمة الاقتصادية التي تسببت فيها، لم تستطع تمالك فرحتها بدولارت الصفقة، فجاء إعلان الحكومة، عن الصفقة، فلا يمكن تفسير فعل ما، في الفراغ بدون سبب، إلا باللاوعي، أو خلل في القدرات العقلية.

أعقب الإعلان الدعائي، كشف السلطة عن الصفقة في مؤتمر صحفي مساء الجمعة، حيث أعلن رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي عن استثمارات إماراتية لتطوير وتنمية مدينة رأس الحكمة، باستثمارات تبلغ نحو 35 مليار دولار، وتحصل مصر بموجبها على الدفعة الأولى من الصفقة، بعد أسبوع بقيمة 15 مليار دولار، مضيفًا أن الودائع الإماراتية في البنك المركزي المصري والتي تبلغ 11 مليار دولار ستتنازل عنها الإمارات، على أن تُنفَق في تنفيذ الصفقة بالجنيه المصري، ثم تأتي الدفعة الثانية من مبلغ الصفقة بعد شهرين بقيمة 20 مليار دولار. ثم وجه رئيس مجلس الوزراء الشكر إلى الشعب المصري لتحمله “ما حدث”، في إشارة إلى الأزمة الاقتصادية.

يوجه مدبولي هذا الشكر وكأن الأزمة الاقتصادية التي لا نزال نعيشها استمرت ليوم أو حتى بضع أسابيع، وكأن هذه الأزمة لم تسحق الملايين وتدفعهم إلى مستوى الفقر، بل وكأنهم لم يُمنَعوا من التعبير عن غضبهم إزاء الأزمة بالقمع والقبضة الأمنية. كانت تلك هي الأوضاع التي هتف عمال غزل المحلة “جبنا آخرنا” في إضرابهم المستمر إلى الآن احتجاجًا عليها. لقد تحمل المجتمع ما لا طاقة له به حتى في تلبية أبسط متطلبات الحياة، في وقتٍ وصف فيه ارتفاع أسعار الغذاء إلى معدلات قياسية وصلت إلى 63.3% على أساس سنوي في عام 2023، وكانت الأعلى عالميًا خلال شهور يونيو وأغسطس وسبتمبر من العام نفسه، بحسب بيانات البنك الدولي.

يعتبر مدبولي أن تنازل الإمارات عن ودائعها لدى البنك المركزي المصري انتصارًا ضمن الصفقة. كانت هذه الدولارات التي دعمت بها الإمارات الثورة المضادة في مصر، والتي جعلت الاقتصاد المصري رهينة لأموال الودائع الخليجية، وحان وقت إتمام الصفقات، فلم يعد الدعم دون مقابل.

وبحسب مدبولي سوف تُنشَأ شركة مساهمة مصرية، باسم شركة رأس الحكمة، بين الحكومة المصرية و شركة أبوظبي القابضة، لتقوم الشركة بتنفيذ المشروع. وتزايد نشاط شركة أبوظبي خلال الفترة الماضية في الاستثمارات المباشرة في مصر، ففي أبريل عام 2022 قامت الشركة بالاستحواذ على حصص في البنك التجاري الدولي (CIB)، وشركة المدفوعات الإلكترونية “فوري”، وشركة الإسكندرية لتداول الحاويات والبضائع، بالإضافة إلى استحواذها على شركات الأسمدة الرئيسية في مصر، من خلال شركتيّ مصر لإنتاج الأسمدة (موبكو) وأبوقير للأسمدة والصناعات الكيماوية، فضلاً عن استحواذها أيضًا على شركة (آمون) للأدوية. وتشاركت أبوظبي القابضة مع شركة (أدنيك) في الاستحواذ على حصة تبلغ 40.5% عن طريق زيادة رأس المال لمجموعة “آيكون”، أحد أذرع مجموعة شركات طلعت مصطفى القابضة في قطاع الضيافة، والتي تمتلك مجموعة من الفنادق التاريخية في مصر.

يضيف مدبولي أن تنمية مدينة رأس الحكمة تأتي في إطار رؤية السيسي للتنمية، مصر 2052، والتي تشمل أيضًا مدن العلمين الجديدة ومرسى مطروح والساحل الشمالي الغربي، موضحًا أنها شراكة وليست بيع، وبأنه السكان سوف يُعوَّضون ماديًا وعينيًا. وبغض النظر عن أن تصريحات السلطة باتت محل شك نظرًا للكثير من الوقائع السابقة، فلم يكن إخلاء أهالي سيناء من مدنهم وقراهم، على سبيل المثال، بدعوى الحرب على الإرهاب، إلا إخلاءً قسريًا. ويقبع نحو 52 شخصًا من أهالي سيناء في السجن الحربي الآن، على ذمة القضية رقم 80 لسنة 2023 عسكرية، لمطالبتهم بالعودة إلى ديارهم عقب انتهاء حرب الدولة على الإرهاب. وفي النهاية، أخلى النظام سيناء لصالح المستثمرين، وضمان أمن إسرائيل. إن رؤية السيسي لتنمية مصر 2052 تأتي كتهديد حيوي لسكان رأس الحكمة، والتنازل عن هذه المناطق الإستراتيجية لصالح الإمارات.

يعيش السكان الأصليون لمدينة رأس الحكمة وفقًا لنظام قبائلي، وقبيل الإعلان عن الصفقة انتشرت الأنباء عن عزم السلطة تهجيرهم، وهو ما رفضه مجلس القبائل بعد اجتماعه في 11 فبراير الجاري. وبعد أيام من قرار مجلس القبائل، وصلت بعض الجرافات التابعة للدولة في 19 فبراير الجاري، وبدأت بتنفيذ عمليات هدم محدودة لبعض المنازل. هذه هي السياسة التي ينتهجها نظام السيسي، البطش بالإنسان والعمران. تضع هذه السياسة الأهالي تحت مقصلة ما يُعرَف بقانون “المنفعة العامة”، الذي يسهِّل سلب المستثمرين ممتلكات السكان، دون اعتبار لآرائهم أو ما يخلفه ذلك من تدمير معيشي لمجتمعات كاملة بعاداتها ونهج حياتها، من أجل الأرباح. وما شهدناه في “ضاحية الجميل” بمحافظة بورسعيد لن يكون آخر الصفقات، طالما لم تجد السلطة مقاومةً جماعية لسياستها بعد أن باتت تتصرف بالبيع والشراكة لأراضينا كسمسار، أو عصابة تبعينا عبر صفقات، بكل ماتحمله كلمة “صفقة” من كشف للأمور وما تمثله من وقاحة.

وفي منتصف الشهر الماضي أصدر السيسي قرارًا بإلغاء صفة المنفعة العامة عن 13 مبنى حكوميًا، ونقل ملكيتها إلى صندوق مصر السيادي، وجاء القرار بعد فوز تحالف إماراتي بتطوير أرض مبنى الحزب الوطني المنحل، والذي كانت ملكيته قد نُقِلَت إلى الصندوق السيادي منذ نحو 3 سنوات.

تقع مدينة رأس الحكمة في محافظة مرسى مطروح، على ساحل البحر الأبيض المتوسط شمالي مصر، على بعد نحو 350 كيلو متراً شمال غرب القاهرة، وهي عبارة عن نتوء أرضي يدخل إلى البحر المتوسط، وبها بعض القرى وشواطئ، وتبلغ مساحتها 48 ألف فدان، وتمثل أهمية إستراتيجية، كمنطقة متاخمة للحدود مع ليبيا. وبالنظر إلى مشروع السيسي لتنمية مصر 2052، فإن هذه المناطق الحدودية المهمة التي يشملها المشروع، كالساحل الشمالي الغربي ومدينتيّ العلمين ورأس الحكمة، ستقع بيد المستثمر الإماراتي. وبعيدًا عن معضلات الأمن القومي، التي طالما صدعت الدولة رؤوسنا بها، ذلك الأمن الذي لا تدافع عنه الدولة إلا إذا تعلق بما يهدد سلطتها المباشرة، فلا يخفى على أحد أن النظام الإماراتي، ليس إلا ذراع إسرائيل في منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا. يتجاوز النظام الإماراتي مرحلة التطبيع مع الكيان الصهيوني إلى التعاون العسكري. هذا الذراع الإماراتي هرع على سبيل المثال إلى مساندة حلفيته إسرائيل، بتسيير شاحنات البضائع من ميناء دبي إلى ميناء حيفا، لكسر الحصار البحري الذي تفرضه المقاومة اليمنية على إسرائيل. ولا يخفى على أجهزة الأمن القومي العتيقة في مصر هذا التحالف أو الدور الذي تلعبه الإمارات في الحرب الجارية في السودان على حدود مصر.

الإمارات على الحدود في الجنوب بدعهما اللوجسيتي لقوات الدعم السريع، وفي الغرب كشريك لمدن مصرية كاملة، وفي الشرق خطة إسرائيلية لاجتياح رفح الفلسطينية، واحتلال محور صلاح الدين”فيلادلفيا”، وشمالًا حيث المدن المصرية الساحلية، لتسييل الغاز الفلسطيني والمصري المسروق من جانب إسرائيل، وتصديره إلى أوروبا. هذه ليست خريطة لنظرية مؤامرة، بل هي خريطة الصفقة، التي رهن بها نظام عبد الفتاح السيسي مصر بشعبها وبيوتها ومدنها إلى الحلف الإسرائيلي الإماراتي، فليتحسس كل منا رأسه، رأس الحكمة.