بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

لا تساهم في ثمن رصاصهم.. حتى لو أنقذتهم الحكومات العميلة

حملات عديدة على مواقع التواصل الاجتماعي دعت المواطنين إلى مقاطعة شركات تجارية عالمية تدعم الكيان الصهيوني، بينما شكك البعض في جدوى الاستجابة لمثل هذه الدعوات وتأثيرها سواء على الشركات المستهدفة أو سلبيًا على الاقتصاد المحلي للبلدان العربية أو حتى على مجريات الحرب في غزة.

لكن الجميع بشكل عام يدركون تواطؤ الأنظمة العربية في الحرب على غزة بدءًا من إغلاق المعابر وتدمير الأنفاق التي توصل المساعدات الى أهل غزة، وصولًا حتى الخيانة بشكل مخجل بتوصيل البضائع للكيان الصهيوني عن طريق قوافل برية تمر من أراضي عربية، بعد تهديدات هجمات المقاومة اليمنية للسفن البحرية التي تعبر البحر الأحمر الى هذا الكيان. نعم هذا الكيان نفسه الذي قام بمذابح جماعية وصلت حتى كتابة هذا المقال الى ثلاثين ألف قتيل وأكثر من سبعين ألف جريح بدون حساب الأعداد التي لا تزال تحت الأنقاض.

مقاطعة واسعة
في ظل العدوان الغاشم وتداول صور توثق جرائم الاحتلال على غزة، ظهرت المقاطعة كحركةٍ شعبية رافضة للانتهاكات الصارخة، وسرعان ما تطورت لتصبح دعوة للاستغناء نهائيًا عن المنتجات الإسرائيلية والأمريكية، خصوصًا عندما أعلنت بعض العلامات التجارية تقديم الدعم لجيش الاحتلال في عدوانه المستمر على قطاع غزة.

فعلى سبيل المثال، أعلن وكيل سلسلة مطاعم ماكدونالدز الأميركية للوجبات السريعة عن دعمه لهذا الجيش بنحو 4 آلاف وجبة يوميًا، بينما نشر حساب برجر كينغ داخل الكيان صورًا لتوزيع وجبات مجانية على الجنود، وكتب على المنشور باللغة العبرية “خرجنا لتقوية الأمة، فِرَقنا تعمل بجد لمواصلة التبرع بآلاف الوجبات لأبطالنا، برجر كينغ يرسل التعازي إلى عائلات الضحايا”. ومن جانبها نشرت دومينوز بيتزا مقاطع مرئية لعلم إسرائيل علَّقت عليه باللغة العبرية “من يستطيع أن يهزمنا؟”، وكذلك الصور التي تُظهِر توزيع البيتزا على جنود الاحتلال. وتعرضت شركة زارا للمقاطعة بسبب إعلانات مجموعة ملابس جديدة أثارت الجدل اعتبرها البعض مستوحاة من الحرب على غزة، مما أثار رد فعل قوي ودعوات للمقاطعة ضدها. وواجهت شركة جراب، وهي تطبيق لحجز الرحلات، دعوات للمقاطعة بعد أن عبرت زوجة الرئيس التنفيذي للشركة عن حبها الشديد لإسرائيل في منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي. وطالت حملات المقاطعة أيضًا شركات ومنتجات أخرى يُعتَقَد أنها داعمة للكيان أو للعمليات العسكرية في قطاع غزة، مثل سلاسل ستاربكس وهارديز وغيرها.

خسائر كبرى
يرى مؤيدو حملات المقاطعة أنه بغض النظر عن حجم الأثر الاقتصادي الذي قد ينتج عنها، فإن المقاطعة، إلى جانب المسيرات والمظاهرات، هي وسيلتهم السلمية لتسليط الضوء على معاناة الفلسطينيين ومحاولة الضغط من أجل وقف الحرب في قطاع غزة ومنع سقوط المزيد من الضحايا. في المقابل، فإن معارضيها يرون أنها قد تعود بالضرر على اقتصادات بلدانهم، لا سيما تلك التي تعاني بالفعل من أزمات اقتصادية طاحنة.

وحول تأثير فكرة المقاطعة يوضح خبراء أنه على المدى القصير لن تؤثر فكرة المقاطعة على إسرائيل بسبب الدعم الأميركي الكبير لها والتعويضات التي ستدفعها الولايات المتحدة لتل أبيب، وهو ما شدد عليه الرئيس الأميركي جو بايدن، وأكد أنه طلب من الكونجرس الأميركي تمويلًا لدعم إسرائيل.

الخبير الاقتصادي، مازن أرشيد، يقول في تصريحات خاصة لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”، أن هذه الحملات أثرت على أداء شركة ستاربكس بشكل ملحوظ، فقد انخفض سهمها بنسبة 7.4% في الشهر الأخير، مما أدى إلى فقدان الشركة حوالي 12 مليار دولار من قيمتها السوقية، وذلك نتيجة لتأثير الإضرابات العمالية وحملات المقاطعة. وبالإضافة إلى ذلك، واجهت الشركة انتقاداتٍ واسعة بعد مقاضاتها لنقابة عمالها، مما زاد من الضغط العام والمقاطعة. وانخفضت أسهم ستاربكس انخفضت بنسبة 8.96%، منذ 16 نوفمبر 2023، وهو ما يمثل خسارة هائلة بلغت نحو 11 مليار دولار وفقًا لموقع “إيكونوميك تايمز”. ويتم تداول الشركة حاليًّا عند حوالي 95 دولارًا للسهم، وهو تناقض صارخ مع ذروتها السنوية البالغة 115 دولارًا.

وأفاد موظف في مكاتب ماكدونالدز في مصر بأن مبيعات الفرع المصري انخفضت بنسبة 70% تقريبًا مقارنة بالعام السابق. ويستكمل الخبير الاقتصادي أرشيد أن شركات أخرى تأثرت بحملات المقاطعة تمثلت في مطاعم كنتاكي فرايد تشيكن في مصر التي شهدت عزوفًا كبيرًا من الزبائن بسبب الحملات، مما أدى إلى أن خلو هذه المطاعم من الزبائن في أعقاب الضربات الإسرائيلية على غزة.

وفي ماليزيا، التي تعد من الدول ذات الأغلبية المسلمة، أفادت تقارير بأن فرعًا لماكدونالدز في عاصمة الإدارة بوتراجايا شهد انخفاضًا في عدد الزبائن بنسبة تقارب تقارب الـ20%. ويقول مدير مركز العاصمة للدراسات، خالد الشافعي، في تصريحات خاصة لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”، أن حملات المقاطعة حققت الهدف المطلوب وذلك بتخفيض قيمة الأعمال والأرباح الناتجة خلال الفترة الماضية، خاصةً أن تلك الشركات تستقطع جزءًا كبيرًا من أرباحها لإرسالها إلى البلد الأم الداعمة للحرب.

تحدثت تلك الشركات عن تكبدها خسائر بملايين الدولارات، الأمر الذي دفع ببعضها للإعلان عن تخفيضات كبيرة في أسعار منتجاتها، بينما لجأت شركات أخرى مثل ماكدونالدز، لإصدار بيانات تؤكد عدم دعمها لأي دولة أو جهة حكومية ورفضها لكافة أشكال العنف، وأعلن وكيلها عن تبرع مالي للشعب الفلسطيني. لكن هل توقفت إسرائيل عن الحرب في غزة نتيجة ذلك؟ الإجابة لا، فرغم المقاطعة، لا تزال إسرائيل مستمرة في حربها منذ أكثر من 4 أشهر لأن حكومات الشعوب الداعمة لغزة تقف في خندق العدو وتساهم في دعمه وحمايته.

أنظمة عربية عميلة
يفكر كثيرون في السبب وراء عدم اتخاذ الأنظمة الرسمية العربية موقف موحد لإنقاذ السكان وسكوتهم على المجازر اليومية التي يرتكبها الصهاينة على مدى أكثر من 4 شهور بحق أهل غزة. بالتأكيد لا يطلب حتى أكثر الحالمون إرسال جيوشهم لتحارب في قطاع غزة لأن لها مهمات أخرى من ضمنها قمع شعوبهم وحماية أنظمتهم. وفي أسوأ الأحوال، كان يمكن اتخاذ مجموعة من الإجراءات والمواقف الملموسة والمؤثرة لدعم أهل غزة، والتي من أبرزها تنظيم قوافل مساعدات إنسانية بمشاركة جهات دولية ترسل إلى غزة من أجل فك الحصار، وإلغاء كل أشكال التطبيع وطرد سفراء هذا الكيان من الدول التي طبَّعت معها، بالإضافة إلى استخدام ورقة النفط للضغط على تل أبيب والحلفاء الذين يدعمونها.

لكن تخاذل الموقف الرسمي العربي في نصرة الفلسطينيين، الذين يقتلهم الاحتلال في القطاع المحاصر، يرجع إلى ارتباط الأنظمة الحاكمة العربية بالقوى المهيمنة وخاصة الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل. وربما يكون أحد الأسباب التي جعلت الكيان الصهيوني يستبيح الدماء الفلسطينية في غزة مرتبط بقناعتها إلى حد بعيد بغياب رد فعل عربي مناسب على الجرائم الإسرائيلية. بل على العكس كانت بعض مواقف هذه الأنظمة تتماهى مع الموقف الصهيوني في إلقاء اللوم على المقاومة الفلسطينية، وأخرى تحاول الضغط باتجاه تحقيق هدنة إنسانية، ومواقف أخرى خارج الخدمة ولا صوت لها إزاء ما يحدث في غزة لانشغالها ربما في ليالي ومهرجانات رُتِّبَ لها قبل العدوان، وأصبح من الصعب الاعتذار من الضيوف بعد تلقيهم بطاقات الدعوة.

وبينما يواصل الكيان مذبحته بحق الفلسطينيين المحاصرين في رفح، أبقت الدولة المصرية الحدود مغلقة بإحكام. ونشرت مصر مؤخرا 40 دبابة وناقلة جند مدرعة على حدودها مع القطاع، ربما لإرسال رسالة عدوانية إلى إسرائيل لوقف عدوانها على منطقة رفح الحدودية أو -وهذا هو المرجح- أن تكون هناك لإبقاء حدود رفح مغلقة ومنع اللاجئين الفلسطينيين من الفرار إلى مصر، فالسيسي صرح أنه لن يسمح بدخول ملايين اللاجئين الى سيناء وسيغلق معبر رفح. وواصلت الدولة المصرية بعد ذلك التأكيد لدولة الكيان بتدمير الأنفاق التي تستخدمها المقاومة الفلسطينية في تهريب السلاح.

ليس هذا فحسب، لكن ظهر أيضًا التواطؤ المخجل مع الإستراتيجية الإسرائيلية الرامية إلى تطويق هجمات اليمنيين في البحر الأحمر، حيث أفاد موقع ميدل إيست مونيتور أن إسرائيل تستخدم طريقًا بريًا لاستيراد البضائع يمر عبر الإمارات والمملكة السعودية والأردن إلى إسرائيل. نعم بعلم هذه الأنظمة، تجري التجارة من خلال الطريق العربي البري بين شركة Puretrans FZCO ومقرها الإمارات وشركة Trucknet ومقرها إسرائيل. يقومون فيه بنقل البضائع بما في ذلك المواد الغذائية والبلاستيكية والمواد الكيميائية والأجهزة والمكونات الإلكترونية. بعض هذه التجارة أمر بالغ الأهمية لصناعات التكنولوجيا الفائقة في إسرائيل، وهي جزء رئيسي من اقتصادها. وهناك خطط لزيادة تدفق البضائع، حيث كشفت وزيرة المواصلات والسلامة على الطرق الإسرائيلية ميري ريجيف الشهر الماضي أنها تقود خطط لتطوير المسار البري، وأعلنت على تويتر أن “النقل البري للبضائع سيختصر الوقت بمقدار 12 يومًا ويقلل وقت الانتظار الحالي بشكل كبير. سنفعل ذلك وسننجح”.

الطريق لتحرير فلسطين
لا يسعنا إلا أن نقول إن غزة محاصرة وشعبها يُقتَل على يد الاحتلال وتواطؤ حكومات الثورة المضادة في المنطقة. إن المفاوضات و”محادثات السلام” التي تنظمها الولايات المتحدة والتفكير في العودة إليها مجددًا لن تعيد الأرض إلى الفلسطينيين أبدًا. وحتى لو كانت اتفاقيات أوسلو أو أي اتفاقيات جديدة تحاول أن تخرج بعد حرب غزة قد تنتج دولة فلسطينية قابلة للحياة وتفكك المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية وقطاع غزة، فلن تتحقق العدالة. فهذا لن يعالج الجريمة التاريخية التي يقوم عليها وجود إسرائيل. علاوة على أنها ستترك في مكانها دولة استعمارية عنصرية، مسلحة من قبل الإمبريالية الأمريكية لتكون حارسها في المنطقة. الانتصار يتطلب انتفاضات ثورية في جميع أنحاء فلسطين ومنطقة الشرق الأوسط يقلب الدولة الإسرائيلية وداعميها الإمبرياليين وتابعيها من أنظمة وظيفية رأسًا على عقب. إن المقاومة الفلسطينية الأخيرة والتضامن في المنطقة والعالم على نطاق أوسع ينبغي أن يبعثا على الأمل في يوم جديد يتحقق فيه هذا الانتصار.