بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

باي باي كهربا.. ساعات الفقدان في الجمهورية الجديدة والمقامة الاجتماعية

عادت جداول انقطاع الكهرباء إلى العمل مرةً أخرى وهو ما ارجعه المتحدث الرسمي باسم مجلس الوزراء في تصريحات صحفية إلى سلوك الحكومة “الرشيد” وسلوك المواطن غير الرشيد مع الكهرباء!

عقب انتهاء فترة الأعياد عادت الحكومة إلى ما تسميه خطة “تخفيف الأحمال” لمدة ساعتين يوميًا، في الفترة من 11 صباحًا وحتى الخامسة مساءً، بعد أن كانت جداول الانقطاع قد توقفت عن العمل منذ بداية شهر رمضان. بدأت أزمة انقطاع الكهرباء منذ يوليو الماضي وأرجعتها الحكومة حينها إلى ارتفاع درجات الحرارة مقارنة بنفس الفترة من العام السابق له، ومع استمرار الانقطاع وجدولة توقيتاته بعد انتهاء فترة الصيف، تبين ان الأزمة تتعلق بمشكلات هيكلية في قطاع الطاقة، وإدراج الدولة للكهرباء ضمن الخدمات التي يجب تقليص الإنفاق عليها توفيرًا للدولار.

عودة جداول الانقطاع إلى العمل مرةً أخرى ارجعها المتحدث الرسمي باسم مجلس الوزراء محمد الحمصاني في تصريحات صحفية، بسبب الضغط على شبكات الكهرباء وصعوبة استيراد الوقود من الخارج. وبحسب الحمصاني فإن الاستخدام غير الرشيد من جانب المواطنين للكهرباء فضلاً عن حالات سرقة الكهرباء من أسباب الأزمة.

تصريحات المتحدث الرسمي باسم مجلس الوزراء لا تحمل فقط أسبابًا غير منطقية لانقطاع الكهرباء ولكنها تأتي كاشفةً عن سياسات وأولويات الإنفاق الحكومي وكذب الدعاية الإعلامية حول تغير الأوضاع بعد صفقة رأس الحكمة، فضلاً عما تمثله تلك التصريحات من فجاجة بتحميل أسباب الأزمة إلى المواطنين واعتبارهم غير راشدين ولابد من قطع الكهرباء عنهم.

من غير المقنع لأحد أن الضغط على شبكات الكهرباء أحد أسباب العودة لتطبيق سياسة الأحمال، فلم نشهد ارتفاعًا في درجات الحرارة أو تغيرًا مفاجئًا في الاستهلاك عقب انتهاء فترة الأعياد مباشرةً. الدولة أوقفت سياسة قطع الكهرباء خلال شهر رمضان وفترة الأعياد حتى لا يتسبب ذلك في تزايد الامتعاض الشعبي على قطع الكهرباء ومجمل سياستها في تلك الفترة المرتبطة بالأعياد. ومؤخرًا أعلنت الحكومة عن استثناء الكنائس من الفترات المقررة لانقطاع الكهرباء خلال فترة الأعياد المسيحية، وهو ما قد يفسر لصالح المسيحيين للوهلة الأولى لكنه تمييز واضح ضد المسيحيين ممن سيقضون فترة الأعياد في بيوتهم مع انقطاع الكهرباء. الرد على قرار العودة لجدول الانقطاع جاء معبرا عنه بحملة شعبية عفوية تحت شعار( لا لقطع الكهرباء- ليه تقطع عني خدمة بدفع تمنها)، لمعارضة العودة إلى الوضع القديم ،والتعود على الانقطاع كروتين يومي.

لم يكن الضغط على شبكات الكهرباء إذًا من أسباب عودة الانقطاع، حيث بلغ أقصى حِمل لشبكة الكهرباء 28 ألف و400 ميجاوات يوم الاثنين 15 أبريل الجاري، مقارنةً ب 35 ألف و500 ميجاوات كأقصى حِمل سجلته الشبكة في يوليو الماضي، بانخفاضٍ قدره 7100ميجاوات تمثل 20% من نسبة الاستهلاك، ويمثل هذا الحِمل المسجل عن يوم الاثنين الماضي على سبيل المثال أقل من نصف القدرة الفعلية لشبكة الكهرباء البالغة 59.360 ألف ميجاوات، بحسب أحدث تقرير سنوي صادر عن الشركة القابضة للكهرباء عن عام 2022/2021 ، نشرته منصة “متصدقش”.

يمثل توفير الوقود اللازم لتشغيل محطات الكهرباء أحد أهم المشكلات الهيكلية للأزمة، ففي سبتمبر الماضي خلال مؤتمر حكاية وطن قال السيسي” احنا في ايدينا ان الكهربا متقطعش” معللا انقطاعها بصعوبة توفير الغاز اللازم من قِبل وزارة البترول بسبب عدم توفر الدولار، وقدر السيسي حينها معدل ما توفره الدولة جراء قطعها للكهرباء ب” شوية الكهربا الى بيتقطعوا في اليوم دول بيوفروا 300 مليون دولار في اليوم”، مضيفًا “هي دي حكايتي وهو ده حالي”.

لم يكن استيراد مصر لمزيد من الوقود لتشغيل محطات الكهرباء بسب ضغط متزايد في الاستهلاك وإنما لانخفاض الإنتاج المحلي من الغاز الطبيعي. في عام 2023 بلغ إنتاج مصر من الغاز الطبيعي 59.3 مليار متر مكعب مقارنةً ب 67 مليار متر مكعب في عام 2022 بنسبة انخفاض 11.5 وتراجع إنتاج حقل ظهر من 2.96 مليار قدم مكعب يوميًا خلال الربع الأول من عام 2021، إلى 2.1 مليار قدم مكعب في يناير 2024، بحسب مجلة”مييس” المتخصصة في الطاقة. مَثل اكتشاف حقل ظهر بشارة من الدولة بالاكتفاء الذاتي من الغاز إلا أن اختراق المياه الجوفية للحقل تسبب في انخفاض انتاجه، وهو ما ارجعته العديد من التقارير المتخصصة إلى نتائج التوجيهات الحكومية بتكثيف استخراج الغاز بشكل أسرع من المعدلات الطبيعية مما تسبب في خروج عدد من الآبار عن العمل وتراجع إنتاج الحقل، إذ تم رفع سقف الإنتاج البالغ 2.7 مليار قدم مكعب في اليوم إلى 3.2 مليار قدم مكعب.

وعلى الرغم من توقيع صفقة رأس الحكمة الا انها جاءت ضمن سياسة إنقاذ النظام المصري من الأزمة الاقتصادية العميقة، ولا يمثل تصريح المتحدث باسم مجلس الوزراء من صعوبة استيراد الوقود لأن الحكومة تدير السيولة الدولارية التي وفرتها بصورة رشيدة إلا ليًا مكشوفُا للحقائق. هذه الدولارات التي حصلت عليها الحكومة مقابل بيع مدينة رأس الحكمة لم تأت إلا لتنفيذ خطة صندوق النقد الدولي بتحرير سعر الصرف واستكمال الخطة التي بدأت منذ يوليو 2014 بهدف تحرير أسعار الكهرباء ضمن شروط الاتفاق مع الصندوق. الحكومة مجبرة بالفعل على التعامل الرشيد مع السيولة الدولارية إن أفلحت في ذلك لملاحقة أعباء الدين الخارجي الناتج عن سياستها غير الرشيدة والمنحازة ضد مصلحة وحقوق الأغلبية. هذه السياسات غير الرشيدة التي جعلت جزءًا من دولارات صفقة رأس الحكمة لإسقاط الديون الخارجية المستحقة للإمارات عن ودائعها في البنك المركزي المصري.

تسببت السياسات غير الرشيدة من الدولة في قطاع الكهرباء في أزمة بنيوية لهذا القطاع فبجانب أزمة الطاقة اللازمة لتشغيل محطات الكهرباء، اتجهت الدولة نحو بناء محطات وشبكات كهرباء جديدة وغير لازمة دون التفكير في كيفية توفير الوقود اللازم لها مستقبلا. وبدلا من العمل على تطوير الشبكات الموجودة بالفعل والاتجاه نحو تنويع مصادر الطاقة، تم إهدار ملايين الدولارات التي حصلت عليها الدولة في الأصل من القروض وتحميل العبء الأكبر لهذه السياسات على كاهل غالبية المواطنين من الفقراء والعاملين بأجر. فخلال الفترة من عام 2014 إلى يونيو 2020 ورغم تحقيق فائض من الكهرباء في تلك الفترة، إلا أن الدولة توسعت في الاقتراض الخارجي والداخلي لبناء المزيد من محطات توليد الطاقة. فخلال عام 2014 حصلت مصر على 14 قرضًا لبناء محطات جديدة للكهرباء، وفي 2015 حصلت على 9 قروض بحد أدنى كان ابرزهم قروض 3 محطات في البرلس وبني سويف والعاصمة الإدارية الجديدة وتم تمويلها من تحالف يضم 17 بنكًا دوليًا أبرزهم بنك HSBC و KfW IPEX و Deutsche Bank.

في تقرير بعنوان مصر من الدول ذات القصور (تهاون) في عدالة الانفاق على الكهرباء أصدرته المبادرة المصرية للحقوق الشخصية في نوفمبر 2017، وصلت نسبة فاتورة الكهرباء إلى 4.7% من انفاق الأسر المصرية خلال عام 2016، ومثلت تكاليف تشغيل مرفق الكهرباء نسبة أقل من الخُمس، في حين جاءت التكاليف الاستثمارية لبناء محطات جديدة للكهرباء بنسبة ثلثي الفاتورة وخمس لخدمة الديون، ما يعني أن العبء الأكبر لبناء هذه المحطات جاء على حساب المشتركين في الخدمة.

تنذر أزمة الكهرباء الحالية بمستويات كارثية من فترات الانقطاع خلال الصيف المقبل مع تزايد استهلاك الكهرباء، إذا لم يتم بلورة المعارضة الشعبية بشكل ملموس يجبر الدولة على تغيير سياستها وأولوياتها، وكلما تم التعود على متابعة جداول الانقطاع، كلما أمعنت السلطة في زيادة ساعات قطع الكهرباء كأمر واقع.

#لا_لقطع_الكهرباء
ليه تقطع عني خدمة بدفع تمنها.