بعد رفض الحربية تعيين قضاة لـ “زيادة وزنهم”.. ندعو لحملة منظمة ضد “عسكرة” القضاء والوظائف المدنية

لا نعتقد أن الكاتب البريطاني جورج أورويل، كاتب رواية” 1984″ الشهيرة عن ممارسات الأنظمة الدكتاتورية، كان يتخيل ما يتعرض له المجتمع المصري وأحزابه ومؤسساته، ومنها مؤسسة القضاء، من توحش وعسكرة لكل مناحي الحياة، تحت حكم السيسي أو “الأخ الكبير”، كما تطلق عليه الرواية، التي كتبت عام 1949.
وبعد أن باتت الكلمة في المحاكم والنيابات للأجهزة الأمنية، وبات القاضي ووكيل النيابة أشبه بساعي البريد، كشف قضاة عن رسوب عشرات المعينين في وظيفتي معاون نيابة عامة، ومندوب مساعد بمجلس الدولة، في اجتياز اختبارات الكلية الحربية المؤهِلة لحضور دورة تدريبية بها تسبق تسلمهم العمل لأسباب تتعلق بزيادة وزنهم وعدم لياقتهم صحيًا وبدنيً، حسبما ذكر موقع “مدى مصر”.
وكانت رئاسة الجمهورية استحدثت آلية جديدة للتعيين في الهيئات القضائية، بداية من يوليو 2017، تقوم على إعادة اختبار من اجتازوا مرحلة التحريات الأمنية من الناجحين في الاختبارات التي تجريها الهيئات، من قبل جهاز المخابرات العامة، لقياس «درجة الولاء للبلاد»، والميول السياسية والدينية والجنسية للمتقدمين، إلى جانب اختبار لقياس درجة الذكاء، والثبات الانفعالي، يتبعها اختيار هيئة الرقابة الإدارية للمقبولين، وإعداد تقرير بأسباب اختيارهم لرئاسة الجمهورية، على أن يكون على المقبولين أن يجتازوا اختبارات الالتحاق بالأكاديمية الوطنية لتدريب الشباب، والدراسة بها لمدة عام، يصدر بعدها قرار رئيس الجمهورية باعتماد المعينين الجدد في الجهات والهيئات القضائية (النيابة العامة، النيابة الإدارية، مجلس الدولة، قضايا الدولة)، وهو ما اعترضت عليه الجهات القضائية وقتها قبل أن تمتثل جميعها للإجراءات الجديدة بعدها بعدة أشهر.
باختصار، عمل السيسي على تطبيق معايير اختيار المقاتلين من ضباط القوات المسلحة على القضاة، والتي لا يجب أن يخضع تعيينهم لأي معايير سوى الكفاءة القانونية.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد بل أن المعينين الجدد من القضاة يتلقون في الأكاديمية العسكرية لمدة ستة أشهر محاضرات عن حروب الجيل الرابع، وتحديات بناء الدولة، والأمن القومي المصري، وهي جزء من الخطاب السياسي للنظام الحالي.
وهكذا يتم إعداد قضاة تابعين للرئيس والحكومة وتوجهات الدولة، وهو امتداد لاعتداء مستمر على استقلال القضاء، بدأ من رئاسة السيسي الذي خالف كل شيء في أعراف استقلال القضاء، بدءا من تغيير قوانين اختيار أعضاء الهيئات القضائية كلهم، بما فيها المحكمة الدستورية، حتى اللحظة الحالية التي تساهم فيها الكلية الحربية في اختيار معاوني النيابة المعينين في مجلس الدولة.
ولمواجهة عسكرة الوظائف المدنية، التي طالت من قبل المعلمين وأئمة الأوقاف والدبلوماسيين، قد يكون من المناسب إطلاق حملة منسقة تشترك فيها القوى السياسية والحقوقية والنقابية تحت شعار “لا للعسكرة”، ومن المهم كذلك أن يرتفع صوت نادي القضاة لمعارضة هذا الإذلال المتواصل لشباب القضاة.





