السودانيون في مصر.. من جحيم الحرب الى جحيم العنصرية

ربما جاء قرار الحكومة المصرية الأخير برفع أسعار الوقود والذي يترتب عليه ارتفاع لكل أسعار السلع ليكشف صراحة عن زيف الحملة النظامية بحق اللاجئين، ومحاولة توجيه الغضب الشعبي من زيادة الأسعار باتجاه اللاجئين.
بالتزامن مع الأزمات المختلفة التي تمر بها مصر اليوم، من انقطاع المياه والكهرباء وغلاء الأسعار، تصاعدت نبرة الهجوم على اللاجئين في مصرعن طريق حملة نظامية، وتصريحات تحاول توجيه الغضب الشعبي من هذه الأزمات باتجاه اللاجئين واعتبارهم السبب الرئيسي في تدهور الاقتصاد وارتفاع الأسعار، ولا يخلو هذا الهجوم أيضًا من عبارات عنصرية وبوادر خطاب كراهية يحرِّض على التخلص من اللاجئين.
يُعرف اللاجئ بموجب القانون الدولي على أنه شخص أُجبرعلى الفرار من وطنه هربًا من الاضطهاد، أو من تهديد خطير يمس حياته أو حريته أو سلامته الجسدية. وقد يكون ذلك مرتبطًا بالعرق أو الدين أو الجنسية أو المعتقدات السياسية أو العضوية في مجموعة إجتماعية معينة، وأيضًا بحالات الصراع أو العنف أو الفوضى. يتمتع اللاجئون بحماية القانون الدولي، ولا يمكن إعادتهم إلى أوطانهم إذا كانت حياتهم أو حريتهم معرضة للخطر، وذلك وفقا لمفوضية اللاجئين.
بالتزامن مع الحملة العنصرية ضد اللاجئين أدخلت الحكومة المصرية حيز التنفيذ قرارًا اتخذته في 29 أغسطس 2023 ينص على ضرورة توفيق المقيمين في مصر لأوضاعهم وتسديد رسوم وغرامات مختلفة. ووضع هذا القرار أيضًا شرطًا أن يكون للأجنبي مستضيف مصري، ووفقًا للقرار تبلغ تكلفة الرسوم والغرامات المختلفة نحو ألف دولار أو ما يعادله من العملات. وهو أمر غير منطقي، بل وتعجيزي بالنسبة للفارين من الحرب الذين بالكاد نجوا بأنفسهم من ويلات الحرب في بلدانهم.
علاوة على ذلك، يتعرَّض الكثير من السودانيين الفارين إلى مصر للإعتقال والإعادة القسرية إلى الجحيم الذي جاءوا منه. في تقرير لمنظمة العفو الدولية، توثِّق المنظمة بالتفصيل حالة 27 لاجئًا سودانيًا اعتُقلوا في مصر مع نحو 260 آخرين بصورة تعسفية، خلال الفترة بين أكتوبر 2023 ومارس 2024. فيما تشير تقديرات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أن نحو 3 آلاف شخص قد رُحِّلوا من مصر إلى السودان في شهر سبتمبر 2023 وحده.علاوة على إعادة ما لا يقل عن 800 محتجز سوداني قسرًا خلال الفترة بين يناير ومارس 2024، وحرمانهم جميعًا من إمكانية طلب اللجوء، بما في ذلك إتاحة الفرصة أمامهم للوصول إلى المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، أو الطعن في قرارات ترحيلهم. امتدت الحملة ضد اللاجئين السودانيين إلى شن النظام المصري هجوما على المدارس السودانية في يونيو الماضي وإغلاقها بدعوى عدم وجود تراخيص
هجوم النظام المصري على اللاجئين السودانيين يخالف صراحة العهود والمواثيق الدولية، فضلا عن مخالفة المادتين 91 و93 من الدستور المصري نفسه، إذ تنص المادة الأولى على حظر تسليم اللاجئين، فيما تنص الثانية على التزام الدولة المصرية بكافة الاتفاقيات والعهود والمواثيق الدولية بشأن حقوق الإنسان. وسبق وانضمت مصر للموقعين على اتفاقية اللاجئين لعام 1951 والتي تنص على حقوق اللاجئين بما في ذلك حرية العقيدة والتنقل من مكان إلى آخر، والحق فى الحصول على التعليم، ووثائق السفر، وإتاحة الفرصة للعمل. وينص أحد الأحكام الرئيسية في هذه الاتفاقية على عدم جواز إعادة اللاجئين ـ والمصطلح القانونى هو حظر الطرد أو الرد إلى بلد يخشى فيه التعرض للاضطهاد.
أما عن أعداد اللاجئين في مصر، فوفقًا لمفوضية اللاجئين، لدى مصر 670 ألف لاجئ من 62 جنسية مختلفة في مقدمتهم السودانيون والسوريون. لكن تقديرات أخرى ومسئولون حكوميون يبالغون في هذه الأعداد كثيرًا من أجل الإيهام بأن اللاجئين في مصر سببًا في مشكلاتها العويصة والمزمنة، مشيرين إلى وجود أكثر من 9 ملايين لاجئ في مصر، أي بنسبة 8.7% من إجمالي السكان. ومن الواضح أن هناك خلط متعمد بين المقيمين لظروف عمل أو دراسة او ما شابه وبين اللاجئين، لكن حتى لو اعتمدنا هذه النسبة، فإنها لا تشكل أبدًا كل تلك الأزمات التي يحملها النظام من خلال أذرعه الإعلامية على كاهل اللاجئين، والتي تتسبب فيها سياسات النظام بالأساس.
إن واحدة من أهم أسباب الأزمة الإقتصادية العميقة في مصر، هو خضوع النظام لإملاءات صندوق النقد الدولي، فضلاً تفكيك الصناعات القديمة “وبيعها برخص التراب لمستثمرين”، كان آخر تلك الإجراءات هو برنامج الحكومة المعروض على البرلمان وهي إنشاء لجنة لجنة لتصفية الأصول، والتي تهدف إلى توفير 25 مليار جنيه، بحسب وزارة المالية، إلى جانب سياسة القروض والاستدانة، وفوائد الديون، وإهدار ثروات ضخمة في مشروعاتٍ لا علاقة لها بمشكلات الأغلبية من الفقراء والعاملين بأجر.
ان اللاجئين اليوم أصبحوا هم الشماعة الجديدة التي يلقي عليها النظام كل اللوم وكل التعثرات والأزمات التي يمر بها المجتمع المصري، لم يكن اللاجئين هم “الشماعة” الأولي، فقد ظل النظام لسنوات، ولايزال، يسحق العمال والفقراء وكل صاحب رأي معارض بزعم الحرب على الإرهاب، ومع امتداد الأزمات يحتاج النظام إلى شماعة اللاجئين لتبرير فشل سياساته.
إن استضافة اللاجئ وحمايته واجب إنساني نبيل، وشكل من أشكال مساندة الشعوب بعضها البعض في نضالها من أجل مستقبل أفضل، ولا ينظر للقضية بنظرة المكسب والخسارة والمنافع بل ينظر إليها أنها قضية إنسانية وثورية وخطوة على طريق التحرر من أغلال الرأسمالية.
أقول لا نجاة لنا ولا نصر لنا كمصريين سوى بانتصار السودانيين والفلسطينيين والسوريين وكل شعوب العالم في معركتهم من أجل الحرية. لن ننساق وراء حملة نظامية تحمل اللاجئين فشل السياسات.





