لصالح الحيتان الكبار
السيسي يعيد تشكيل الخريطة العمرانية بقوة السلاح

منذ يوليو 2013، وتولي رئيس انتقالي الحكم لمدة عام، ثم المشير السيسي، الذي خلع بذلته العسكرية، شهد المجتمع المصري تغييرات جذرية، طالت كافة النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
النظام العسكري ارتكب العديد من الجرائم، منها مذبحة رابعة، والقبض على الآلاف من المصريين والمصريات، إلى جانب محاصرة المجال العام، وتقويض المشاركة السياسية.
واحدة من هذه الجرائم، هو تغيير المنحى العمراني بجغرافيته في مصر، والذي يعيد تشكيل تاريخها العمراني ويمحو تشكيلها التاريخي.
ليس من شأننا البكاء على أطلال التاريخ، رغم أهميته الشديدة في تكوين مديني لمصر وتكوين جغرافي تتلاحم فيه مراحل تاريخية في مصر. لكن من شأننا، بانحياز طبقي صريح تجاه الطبقات الأكثر فقرا ومعاناة من التدهور العمراني، أن نفكك أبعاد هذه الجرائم العمرانية وتأثيرها على الطبقات الشعبية ومحاولة فهم أبعاد المخطط الحكومي.
وكلنا شغف، أن نرى كيف ستطرح الحكومة المصرية رؤيتها في مجال الإسكان، خلال فعاليات المنتدى الحضري العالمي المنعقد بالقاهرة خلال الفترة من 4-8 نوفمبر الجاري، ليبحث عن حلول لأزمة الإسكان العالمية.
والنظام الرأسمالي في مصر، قام في السنوات الأخيرة بتغييرات جذرية بزعم “القضاء على العشوائيات”، فغير اسم صندوق تطوير المناطق العشوائية، إلي صندوق التنمية الحضرية في مايو 2021، بدعوى أن مصر لا توجد بها مناطق عشوائية، كما تم تغيير أجندة عمل الصندوق، للتنمية الحضرية في أنحاء الجمهورية وقبل الثورة المصرية لعام 2011، كانت حكومة الديكتاتور حسني مبارك تتبع خطة لنقل بعض سكان المناطق المتدهورة، إلى المدن الجديدة والمتطرفة في أنحاء شرق القاهرة حيث مدينة 15 مايو أو مدينة السلام، وأيضا في جنوب غرب القاهرة حيث مدينة 6 أكتوبر.
تم نقل حوالي 13 ألف ساكن فقط في القاهرة الكبرى، طبقا لمحافظة القاهرة، في مشاريع إسكان جديدة.
وفي غضون سنوات، قام عدد من العمرانيين بعمل دراسات لتقييم هذه المساكن وأوضحوا معاناة سكانها، وكيف أن قطاع عريض منهم، تركوها وعادوا ليعيشوا بقلب
المدينة لانعدام الخدمات والحياة في هذه المدن، وتكبد الأهالي المنقولين كل ما يمتلكون في محاولة لصنع حياة جديدة لهم.
وهم العمران الفاخر
تولي إبراهيم محلب حقيبة الرئاسة الوزارية في مصر في فبراير 2014، بعد توليه وزارة الإسكان منذ يوليو 2013. وفي حكومة محلب تم استدعاء حقيبة وزارية جديدة برئاسة ليلى إسكندر، وهي وزارة التطوير الحضري والعشوائيات، وهي الوزارة التي تم الغاؤها بعد عام واحد من تشكيلها.
ولا يمكن فهم أسباب إلغاء الوزارة الوليدة، إلا بالرجوع إلى فبراير 2015، حيث تم توقيع اتفاقية بين محلب وإسكندر وملاك الأراضي والسكان في مثلث ماسبيرو لتطوير المنطقة وإعادة توزيع الملكيات فيها. أصبح هذا هو حجر الأساس للدولة المصرية في الادعاء المستمر بإنجازات تطوير العشوائيات، ومدعاة للفخر من الحكومة المصرية بأجندة إخلاء لا تتضمن أي انتهاك للسكان.
ولكن جاء القرار من “فوق” بإلغاء الوزارة وبالتبعية الاتفاقية، ليتم تقنين ممارسات الاخلاءات العنيفة للسكان من جميع المناطق المتدهورة عمرانيا والمتهمة بالعشوائية في مصر.
وعلى سبيل المثال، في مايو 2023، وبعد تقريبا خمس سنوات من مغادرة الآلاف من الأسر لمثلث ماسبيرو، عاد إليها حوالي 800 أسرة، في الشقق السكنية الجديدة، والتي يدفعون أقساط تسديد لملكيتها تتراوح بين مليون ومليون ونصف المليون جنيه مصري على مدار 20 عاما. هؤلاء الأسر هم من وثقوا في وعود الحكومة، كما أنهم قادرون ماديا على دفع الأقساط الشهرية. وحرصت وسائل الاعلام على إظهار أن حلم هؤلاء السكان تحقق بعد عودتهم للمكان تم تطويره.
لكن في الأسابيع التالية، تعالت أصواتهم على مواقع التواصل الاجتماعي بالشكوى، بعد إلزامهم بدفع وديعة صيانة يبلغ قدرها المالي ما بين 25 إلى 31 ألف جنيه، بالإضافة إلى عدادات المرافق وتبلغ 13.5 ألف جنيه.
أما بعد العودة، تسلم العديد منهم شقق في أدوار مرتفعة، قبل التأكد أن المصاعد تعمل بكفاءة، وعليه أصبح من الصعب الوصول لشققهم.
وواجهتهم العديد من المشكلات في التخلص من القمامة وعدم وجود نظام لجمع القمامة، حتى تم الاتفاق مع شركة نظافة بعد شهور من انتقال السكان.
لكن مرة أخرى في الأسابيع الماضية، بدأت تتراكم القمامة، في قطعة أرض فضاء بجانب الأبراج، هذا بالإضافة أن أرض مثلث ماسبيرو، ما زالت تحت أعمال الانشاءات وعليه ورغم انتهاء العمل بالأبراج لكن الوضع العام لا يسمح بوجود السكان.
وعلى سبيل المثال، يتم إلقاء القمامة من العمال العاملين بالمواقع، وترفض شركات النظافة تفريغ هذه المناطق من القمامة، حيث أنها لا تخص الأبراج الشاغرة، ولكنه أمر يضر بصحة السكان.
على جانب أخر، اضطر بعض الأهالي للإقامة في الشقق قبل الانتهاء من المشروع، مما جعل الشقق السكنية غير آمنة بالمرة، وعليه أصبحوا يشتكون من السرقات المستمرة، وتكبدوا عناء تأمين الوحدات بأنفسهم، بل وأيضا الإمساك بهؤلاء اللصوص.
وتم مؤخرا تعيين شركة الصقر للحراسات الأمنية الخاصة لتركيب كاميرات مراقبة في الأماكن العامة بالأبراج، هذا بالإضافة لمسئول للأمن في مدخل كل برج لتسجيل أسماء الزائرين وعمال التوصيل.
من جانب آخر، لم يتم توصيل الغاز الطبيعي للعمارات وعليه السكان في حاجة دائمة إلى أنابيب الغاز، والي وضعها في المصاعد لتوصيلها لوحداتهم.
ونتيجة لهذه المعاناة، بدأ العديد منهم في التنازل عن وحداته وأخذ القيمة المادية والرحيل عن الأبراج لتجنب جميع المشاكل السابقة ولتوفير عناء الأقساط المستمرة والمشاكل، التي لا تجعل الأبراج غير قابلة للسكن.
ويتضح من كلام العديد من السكان أنهم يتعرضون للضغط المستمر لبيع شققهم من عدد من السماسرة في منطقة بولاق أبو العلا، وهؤلاء السماسرة هم أشخاص مدعومون من أشخاص ذوي نفوذ بحي بولاق أبو العلا أو أحياء مجاورة.
تشريد واستيلاء على الملكيات
وإلى جانب ما جرى في مثلث ماسبيرو، يجب الإشارة إلى أن الملايين من المواطنين من سكان المناطق المتهمة “بالعشوائية”، أرغموا على ترك مناطقهم ووحداتهم السكنية دون أي بدائل مثل سكان مثلث ماسبيرو.
كما تم طرد سكان مناطق عديدة داخل القاهرة الكبرى، دون الالتزام بلوائح إعادة التسكين في تسلمهم وحدات سكنية في الإسكان الاجتماعي قبيل إخلائهم من مناطقهم، بل وتعرضوا لانتهاكات عديدة أثناء الاخلاءات من ضرب وإهانة والقبض عليهم لاعتراضهم على الاخلاءات.
ولا تكفي بالمرة الوحدات السكنية التي عكف على بنائها مشروع تحيا مصر، مع محافظة القاهرة لاستيعاب هؤلاء السكان، ولا يملك معظمهم اثباتات للدخل تكفي لتسلمهم وحدات سكنية لا يقدرون على ايجاراتها الشهرية، أو المبالغ التأمينية المطلوبة قبل الانتقال إليها.
هذه الانتهاكات ضد الفئات المهمشة بل والفقيرة، والعاملة بشكل غير ثابت يجعلهم عرضة للموت والعنف في شوارع المدينة.
وهكذا نخلص، إلى أن السياسات السكانية النيو ليبرالية تعمل على طرد الفقراء من أراضيهم ومساكنهم، لكي تمتلكها الطبقات الحاكمة سواء كانوا مستثمرين
أجانب، أو مصريين أو عرب أو من قبل جهات في الدولة كالجيش مثلا، مما يعيد التشكيل الطبقي لخريطة العمران في مصر السيسي.





