المحتال ديليسبس والمحتالون الجدد

اتجهت أنظار قوات المقاومة الشعبية والمقاومة السرية إلى تمثال دى ليسبس الذي قبع عند الطرف الشمالى من مدخل القناة حيث ثبتت القوات البريطانية بيده اليمنى علم بريطانى، فعرض الرائد سمير محمد غانم – قائد المقاومة السرية – فكرة نسف التمثال على المسئولين بالقاهرة عن طريق جهاز اللاسلكي الذي كان يستخدمه خلال فترة العدوان، وفى نفس الوقت كان خبر نسف التمثال قد أنتشر بين أهالي بورسعيد فأسرعوا إلى موقع دى ليسبس وبلغ بهم الحماس أن حمل كل منهم البلط والفؤوس كما حاول بعض منهم سحبه بالحبال من جوانبه، ووصلت قوات الفدائيين لمكان التمثال وأبعدوا الأهالى من حول التمثال ولمسافة تبعد عن 100 متر وتسلق “عبد المنعم الشاعر” و”يحيى الشاعر” و”حسنى عوض” التمثال وتم وضع عشر قوالب T.N.T إلا أنها لم تؤثر فى التمثال ثم تم وضع 18 قالب ولم يسقط التمثال، تم وضع صندوق كامل من مادة TNT فتهاوى التمثال على ماعون كبير فى القناة ولم يمر أسبوع حتى حطم الفدائيون التمثال.
ما سبق كانت قصة تحطيم تمثال ديليسبس بعد إنتصار المقاومة الشعبية في بورسعيد علي العدوان الثلاثي، كان انتصارًا على اكبر القوى الإمبريالية حينها بريطانيا وفرنسا وإسرائيل؛ وكان احتفالاً أيضاً بعودة قناة السويس إلى أصحابها الأصليين وهم من حفروها أبناء الشعب المصري من الفلاحين الذي دُفن آلاف منهم في ثري القناة أثناء حفرها بالسخرة لصالح المحتال الفرنسي ديليسبس وحاكم مصر السفيه ابن “محمد علي” “سعيد باشا”؛ واليوم وبعد قرابة السبعين عاما من تلك اللحظة تقرر الحكومة المصرية عودة تمثال “ديليسبس” إلى موقعه في بورسعيد وسط ترحيب بعض من المثقفين المصريين، بحججٍ واهية تنشيط السياحة وما إلي ذلك رغم رفض أهالي بورسعيد وعددًا كبيرًا من المثقفين.
من هو ديليسبس
ولد “ديليسبس” لعائلة دبلوماسية فكان والده مبعوثا شخصيا لنابليون بونابرت عقب خروج الحملة الفرنسية من مصر، وكانت تربطه علاقة قوية بينه وبين الضابط الألباني آنذاك “محمد علي” وقد عمل هو شخصيًا قنصلًا مساعدًا لفرنسا في الإسكندرية وهو بعمر 17 عامًا فقط، باقي تاريخه غير مهم حتى جائت اللحظة الفارقة في تاريخه لحظة إعطاء امتياز قناة السويس له من قبل “سعيد باشا”.
ـ المحتال ديليسبس وقناة السويس
عادة لفظة “المحتال” تطلق على ذلك الشخص الذي يستخدم حيله ومكره في أكل أموال الناس بالباطل أو الحصول على امتيازات معينة دون وجه حق، يقابلها في العامية المصرية «النصاب» لن تجد ما فعله ديليسبس بعيدا عن ذلك الوصف حتى يظفر بحق امتياز قناة السويس.
تولي “سعيد باشا” الحكم في 24 يوليو 1854 بعد اغتيال سلفه المختل “عباس حلمي الأول “، فأرسل علي الفور “ديليسبس” يهنئ صديقه “سعيد” باعتلاء عرش مصر ويبلغه حضوره ليقدم له التهاني والتبريكات، فأجابه بالطبع واستدعاه “سعيد” لمصر، ووصل بالفعل “ديليسبس” إلى الإسكندرية في نوفمبر واستقبله “سعيد” بحفاوة بالغة واصطحبه معه في رحلته من الإسكندرية إلى القاهرة.
أغتنم “ديليسبس” هذه الفرصة ليفاتح “سعيد” باشا فى مشروع قناة السويس، مستغلا في ذلك صداقته وعلاقته أثناء دراسة “سعيد” في فرنسا، واغراه أن إذا وفق في هذا المشروع فإنه سيخلد ذكراه ويكسب ثناء العالم بأسره، وكان سعيد باشا يعلم ان والده محمد على باشا قد رفض فكرة قناة السويس من قبل، إلا أنه قبل المشروع أمام إغراءات ديليسبس ووعده بمساعدته وتأييده في تحقيق هذا المشروع.
ـ امتياز قناة السويس
في 25 نوفمبر من 1854 أعلن “سعيد ” وسط جمع من القناصل والوجهاء منحه “ديليسبس” امتياز مشروع قناة السويس وكانت بنود الامتياز شديدة الإجحاف للجانب المصري منها مثلاً:
ـ أن الامتياز مدته 99 عاماً من تاريخ افتتاح القناة.
– وايضا تنازل الحكومة المصرية مجانا عن الأراضي المملوكة لها وخولت الحكومة للشركة حق نزع الأراضي المملوكة للأفراد اللازمة لإنشاء القناة أيضا ترعة للمياه العذبة، كما منحت الحكومة المصرية الاستخراج من المناجم الأميرية المواد اللازمة لأعمال الحفر والبناء والصيانة طول مدة الامتياز.
ـ كما أعفت الحكومة المصرية المواد والآلات اللازمة للمشروع من الجمارك والرسوم.
ـ كما تتعهد الحكومة المصرية (بتسخير) أربعة أخماس العمال المطلوبين لإنجاز المشروع وقد تم بالفعل تسخير مليون من عامل من الفلاحين وقد كان العمل في ظروف شديدة القسوة بلا غذاء جيد وبلا رعاية صحية حيث مات على أقل تقدير منهم 120 ألف من العمال أثناء أعمال حفر القناة.
– في المقابل بعد الأراضي والموارد الممنوحة بالمجان وسخرة العمال تحصل الحكومة على 15٪ فقط من إجمالي إيرادات القناة.
بعد عرض بنود الامتياز أستطيع القول إننا أمام واحدة من أكبر عمليات الاحتيال والسرقة في التاريخ المصري.
ولم يكن امتياز قناة السويس هو الوحيد الذي غنمه “ديليسبس” من صديقه “سعيد” بل هناك امتيازات أخرى حصل عليها بنفس حيله متمثلة في أطيان وعقارات حصل عليه بثمن بخسٍ فرنكات أو جنيهات معدودة.
المحتالون الجدد وتكريم الاستعمار
يعد قرار تأميم قناة السويس في 1956 والعدوان الثلاثي الذي ترتب عليه وكفاح ومقاومة شعب بورسعيد الباسل للعدوان هو إعلان تحرير القناة ونسفهم لتمثال المحتال “ديليسبس” تعد محاكمة معنوية له على جرائمه.
ومعنى إعادة التمثال إلى مكانه رغماً عن إرادة الأهالي ليست موافقة على جرائمه فحسب بل إنه تكريم للاستعمار؛ الاستعمار الذي حفر القناة بدماء المصريين وحررها المصريون بدمائهم أيضا.
والدعاوى التي تقول بأن إعادة التمثال إلى مكانه بهدف تنشيط السياحة هذا احتيال محض.
ولنتامل قليلا في عقود المستثمرين الأجانب والشراكات التي تعقدها الحكومة مع الأجانب سوف نجدها لا تبعد كثيرا عن بنود امتياز قناة السويس.





