بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

خواطر واعتراض واحدة من “أطفال يناير” على ميراث الهزيمة

تقرُب الذكرى الرابعة عشرة لثورة يناير، مصطحبة معها – كعادتها – “اللطميات” السنوية. ولكن هذا العام، أطالب بطرد كل أنواع اللطم والنواح والولولة الفارغة، لأنها “لا بتودّي ولا بتجيب”. يأتي مطلبي هذا على خلفية عدم مشاركتي في الثورة، وذلك لأنني أنتمي إلى جيل “أطفال يناير” الذي لم يختبر “الهزيمة” بنفسه لكنه عانى من مرارتها إثر المحاولات العديدة من نظام السيسي لمحو وطمس نضالات الثورة والثوار وشيطنة شبحها الذي لا يزال يطاردهم من جهة، ومحاولات الأجيال التي عاشت الثورة لتوريث الانهزامية المسيطرة عليهم لنا من جهة أخرى.

واضح أنه لا مفر من الأوغاد يا عيال، فعلينا أن نرجع لنقطة “البداية” حتى نفهم.

وُلدتُ في مطلع القرن، مع بداية الانتفاضة الثانية. إحدى أقدم ذكرياتي هي لأمي وهي تُلقّني الفاتحة على أرواح الشهداء في فلسطين قبل أن أنام. “إوعديني إن جيلك هو اللي ها يحرر القدس”، كانت تطلب مني بكل حزم، وما كان لي أن أجيبها إلا بـ”ها نحررها، إن شاء الله”.

شاهدتُ حرب غزة عام 2008 على الهواء مباشرة، فقناة الجزيرة لم تنطفئ أبدًا في بيتنا. وصورة الشهداء من الأطفال، التي بدت لي وكأن الأرض قد امتلأت حد البصر بجثثهم، بقيت عالقة في ذهني. ومن شدة تأثري أنا وزميلاتي بالمدرسة، طالبنا أن يكون العرض الاستعراضي السنوي لفصلنا عن فلسطين المحتلة… وقد كان. ارتدت كل منا علمًا من أعلام الدول العربية، وكنت أنا قد لففت علم مصر حولي كالملاية اللف وساعدت صديقتي الفلسطينية في لف علم فلسطين حول كتفيها الصغيرين، وقدّمنا عرضًا استعراضيًا على أغنية “إيد لوحدها ما تصقّفش”، وصورة الأقصى ناصعة خلفنا على خشبة المسرح.

فهمنا أن “تحرير القدس يبدأ بتحرير القاهرة”، دون أن يخبرنا أحد بذلك.

أتذكر يوم الثلاثاء، 25 يناير 2011، كما لو كان بالأمس. كانت المرة الأولى التي أرى فيها وجهًا مشوهًا بالظلم والفساد والجشع. لم أصدق أنا – حفيدة المشاركين في حرب 6 أكتوبر، التي رضعها أهلها حبًا لهذا الوطن وهذا الشعب – أن مصريًا مثلي قد يفعل هذا بابن بلده. لن أنسى وجه خالد سعيد ما حييت.

ولكني بعدها رأيت شابًا نحيلًا يركض نحو مركبة مدفع المياه “لمكافحة الشغب” وحده، ويقف أمامها صامدًا شامخًا: إما أن تدهسه أو أن تتوقف… وتوقفت المركبة العملاقة أمام إرادة الشاب. وسمعت صوت دبابات الجيش وهي تمر من فوق الأسفلت الرخيص كأنها تنذر بقيام الساعة، وإذا بحشد من الشباب يسير نحوها بصدور عارية، حاملين أحلامهم على أكتافهم، ولا ينطقون سوى “عيش، حرية، عدالة اجتماعية” حتى هز الهتاف الأرض وكل ما عليها.

كان والديّ – وما زالا – جزءًا من “حزب الكنبة” أو الأغلبية الصامتة.

وبالرغم من ذلك… أذكر أني كنت أختبئ تحت سريري، متشبثة بيد مقلاة قديمة، في محاولة يائسة مني للهروب من دوي الرصاص. كنت أتسلل أحيانًا لأطل من نافذة غرفتي الصغيرة، وعينيّ تبحثان في الشوارع والأسطح المجاورة عن أي شخص يرتدي زيًا رسميًا، وأدعو الله ألا يراني أحد منهم. وقد علمت أن أطفالًا مثلي قد أصيبوا بطلقات الداخلية في الشوارع.

وحكى أحدهم أنني عندما رأيت صورة جثث الشهداء “مرميّين” على ناصية الشارع فوق سلة الزبالة خلال انتفاضة محمد محمود الأولى، أصبت بانهيار. لا أتذكر تلك اللحظة، وأجد نفسي ممتنة لذلك، لأن استرجاع صور مجازر المنصة والنهضة ورابعة كافية بل وتزيد.

في كتابه “بالخلاص يا شباب! 16 عامًا في السجون السورية”, يكتب ياسين الحاج صالح:
“لعلي لا أختلف عن كثيرين من السوريين في النفور من تذكر تفاصيل السنوات المجنونة، مثل مذبحة تدمر 1980 أو تاريخ سجن تدمر بكامله بين أواخر السبعينيات ونهاية القرن، أو مأساة حماة 1982، أو حتى بعض المحطات في تاريخ حبسي الشخصي.

هذا النفور يشبه الشخص الذي يغير طريقه كي يتجنب رؤية جثة مشنوقة تتدلى في مكان عام. ومن منا بعد كل هذه السنين لا يريد أن يتجنب رؤية جثة القتيل المشوّهة المتفسخة؟
لكننا أهل الميت، والجثة جثتنا، ولا مفر من أن نتعرف عليها ونغسلها ونكرمها بالدفن. التذكر صعب حقًا، لكن النسيان ممنوع.”

لم أشك يومًا في أن المسألة كانت “نحن ضد هم”. نحن، الشعب. وهم، عملاء الدولة.

على عكس الأجيال السابقة – بما في ذلك جيل “يناير” – الذين ورثوا الولاء للجيش من خلال تضليل ودعاية “الضباط الأحرار” ومن ثم شعارات ناصر الفارغة عن الوحدة العربية والاستقلال والتحرر، وبعدهما ما يسمى بـ”نصر أكتوبر”، فجيلي يكره الجيش أكثر مما تكرهون أنتم الداخلية.

جيلنا لن يكرر خطأ تصديق أن شيئًا جيدًا قد يأتي من عملاء الدولة: من شرطة وجيش ورجال أعمال ومؤسسات دينية. خاصةً وأولى ذكرياتنا هي لرجال يرتدون زيّ الشرطة والجيش وهم يعتدون على الناس في الشوارع: على الجدّات والأمهات والشابات، على الرجال والشباب والأطفال، على العمال وأطفال الشوارع والطلاب والشحاتين، على البرجوازيين وأبناء الطبقة العاملة والكادحين. هذه هي الصور التي تمكّنت منا طيلة طفولتنا، والتي تُزهر الآن ثأرًا في شبابنا. أبطالكم يا سادة هم الوحوش الذين يطاردوننا في كوابيسنا.

لاحقًا، عندما أبدأ في دراسة العلوم الإنسانية بناءً على قناعتي بأنني أنتمي إلى “الهامش” وأنه مساحة آمنة، سأكتشف أن العديد من قادة ما يُسمى باليسار المصري كانوا أيضًا عملاء للدولة. مثل قادة جماعة الإخوان المسلمين الذين يكرهونهم بالضبط.

في مقال “غرافيتي لشخصين“, كتب علاء عبد الفتاح: “المتن خيانة“.

أنا في انتظار الإفراج عن علاء (الذي نعتبره نحن – كأمه الدكتورة ليلى سويف المضربة عن الطعام منذ 30 سبتمبر 2024 – مخطوفًا بعد انتهاء مدة محكوميته الظالمة منذ 29 سبتمبر من العام الماضي) لكي أخبره بانكساري التام عندما أدركت أن المتن قد اخترق الهامش منذ زمن. ولا دليل أوضح على ذلك من بيان “أين الفض؟”، الذي وقع عليه العديد من قادة اليسار البارزين والأحزاب “الثورية” ذات التاريخ الطويل – ولا أحد منهم تطرق أو فكّر في الاعتذار عن المجازر التي طالبوا بحدوثها باسمهم. فقد دمر هؤلاء وأمثالهم من “الديناصورات” أي إيمان بأمان وتقدمية وصدق “الهامش” كله.

كيف لي أن أنضم للساحة السياسية “المعارضة”، وأيادي قادتها – من اليسار والإسلاميين – ملطخة بدماء هذا الشعب، ولا يختلفون عن النظام في شيء؟
ولا أعتقد أنها “لعنة دم”، بقدر ما هي لعنة غباء وظلم.

نعم، المعارضة ظالمة، فمنها من يرفض الاعتراف (حتى يومنا هذا) بجرائم العنف ضد النساء التي ارتكبها اليساريون في ميدان التحرير وخارجه. ومنها من بذل جهدًا لاستبعاد الثوار من مجتمع الميم/عين عمدًا من السردية الثورية رغم أنهم كانوا في المقدمة – ألم تكن سارة حجازي منهم؟ ومنها من تجرأ على نسيان تبعيات العنف الذي مارسه المجلس العسكري، فهم لم يتركوا لنا شهداء فحسب، بل الآلاف من المعاقين إزاء تصفية العين أو بتر القدم أو طلقة في الدماغ أدت إلى غيبوبة لم يفق منها صاحبها بعد، ومع ذلك، لا يزال من “المعارضة” من يكمم أفواه من يحاولون توسيع إطار النقاش حول حقوق الإنسان ليضمن حقوق المعاقين.

وهل منا من يحتاج تذكرة محاولات “الديناصورات” في مركزية القاهرة – وخصوصًا التحرير – في جميع مقالاتهم وبياناتهم؟ لولا قلة مختارة، لكان دور العمال داخل وخارج مصانعهم سيظل يتداول فقط في المجموعات الصغيرة التي اهتمت بنضالهم الثوري في تلك الفترة، كالكاتب الصحفي هشام فؤاد وكتابه “عمال على طريق يناير” الذي وسع كادر السردية الثورية ليشمل الإضرابات والاعتصامات التي مهدت للثورة. وأنا على يقين أنه لولا التضحيات الجسيمة للعمال المصريين، لما كانت ثورة 25 يناير.

ما يثير غضبي واشمئزازي هو أن هذه قضايا ذات طابع ماركسي بامتياز. وهذا يجعلني أعتقد أن جميع الرجال من “قيادات” طيفنا السياسي إما أنهم لم يقرأوا أعمال ماركس (أو لم يتطرقوا إلى إنجلز ولينين ولوكسمبورج وتروتسكي وزيتكين ووكولونتاي) أو أنهم قرأوا النسخة المختصرة من البيان الشيوعي وتبنّوه بمجرد إدراكهم أنهم قادرون على جمع رأس المال الاجتماعي من خلال تصنع نضال فارغ. بلغة جيل زد، نسمي هذا النوع من الرجال “البرو-شياليست“، وهو لفظ يجمع بين كلمتي “برو” (اختصار “أخ”) و “سوشياليست” (اشتراكي) ونهرب عندما نكتشف تواجد واحد منهم. البروشياليست، رفاقي الأعزاء، يُوصف غالبًا بأنه “رجل يحب تقدمه أو راديكاليته إلى حد اقتناعه أنه معصوم من الخطأ، وهذا يشمل كونه شخصًا متعجرفًا ومتحيزًا ضد النساء والأقليات”.

على أي حال، لا أعتقد أن الأجيال الأكبر تدرك مدى عمق هذه المجازر فينا. ففي كل منزل شهيد أو سجين سياسي أو شخص معاق أو كرسٍ فارغ على مائدة الغداء لمنفي…

لطالما سمعتُ البعض يشير إلى الربيع العربي على أنه “أُجهض”. هذا الوصف يشعرني بالضيق، لأنه يرشّح وجود خيار. لكي “تُجهض” الثورة، كان على الثوار أن يختاروا – بوعي تام للعواقب – أن يتخلوا عنها. إذا كان الأمر كذلك، فهل كانت انتفاضة محمد محمود لتحدث أصلًا؟ أو اعتصام ميدان رابعة؟

إذا كانت هناك لحظة يمكن أن نقول فيها إن 25 يناير قد “أُجهضت”، فهي اللحظة التي استولى فيها المجلس العسكري على السلطة. بكل شجاعة – بقوة إرادة وتصميم – حاولتم إنعاشها بكل الوسائل الممكنة لإعادة الحياة إليها.

أنا أؤمن حقًا أنه كان يمكن إنقاذها، وأن “محاولات الإنعاش” (إذا استمررنا في استخدام هذا التشبيه الشعبي) كانت ستنجح بالفعل في إحيائها.

لولا حدوث مذبحة رابعة.
في الذكرى العاشرة لثورة يناير، نشرت “جدليّة” سلسلة من المقالات عن الربيع العربي. كتبت باسكال غزالة، أستاذة التاريخ في الجامعة الأمريكية بالقاهرة:
متى انتهت الثورة؟ بالطبع، لم تكن هناك لحظة واحدة. من ناحية، الثورة لا تزال مستمرة. يمكن ملاحظتها في طرق تفاعل الشباب، والأسئلة التي يطرحونها، والتابوهات التي يتجاهلونها أو لا يتعلمونها أبدًا. ومع ذلك، في حالات أخرى، لحظة الثورة قد انتهت تمامًا، كما لو أن الفتاق قد حدثت ليس في 2011، بل في 2013، في ميدان رابعة.”

لطالما وجدت استخدام غزالة لكلمة “فتاق” مثيرًا للاهتمام. فالفتاق قد يعني “شَقّ فِي الْبَطْن يَبْرُز مِنْهُ جُزْء مِن الْأَمْعَاء” ولكنه يرمز أيضًا إلى انفجار مفاجئ وتام. كانت رابعة ذروة الثورة المضادة… ونقطة اللاعودة. لم تكن هناك انتقالات، ولا تراجع. عندما سمحتم بحدوث رابعة، قمتم بإلقاء خزان من الوقود على جميع الاحتمالات، ومن ثم ألقيتم فوقهم عود كبريت مشتعل وحاولتم الهروب. لم يكن هناك جسد (للثورة) ليندفن.

مثلما يوجد “قبل الثورة” و”بعد الثورة”، هناك “قبل رابعة” و”بعد رابعة”.

في أول يوم دراسي في سبتمبر ما بعد رابعة، ضمتني أمي إليها وقالت لي: “حطي رأسك في الأرض وما تكلميش حد، فاهمة؟” كل طالب دخل المدرسة في ذلك الصباح كان يبدو عليه الحزن، وكان عدد ملحوظ منهم مفقود. خلال الطابور الصباحي، وقفت مديرة المدرسة أمام الميكروفون وقالت: “الكلام في السياسة ممنوع منعًا باتًا، وأي طالب أو معلم أو موظف هانعرف إنه بيناقش القضايا الحالية في المدرسة ها يتم التعامل معاه بأقصى درجة من القسوة”، ثم توقفت وأضافت: “على الفصول، يلّا.”

كم كان ذلك سخيفًا، أن تُقال هذه الكلمات لمجموعة من الأطفال والمراهقين الذين عانوا من صدمات لا حصر لها على مدار ثلاث أعوام. فمنهم من شارك في الثورة من خلال ترديد الهتافات من على أكتاف آبائهم، واختنقوا من الغاز المسيل للدموع وتطوعوا في المستشفيات الميدانية برفقة أقاربهم وساعدوا في حمل جثث الشهداء من الأزقة والشوارع.

كان هناك معارضة لهذا القرار المدرسي في البداية. لكن حملة القمع العنيفة التي قادها النظام بثت في قلوبنا رعبًا لم نستطع مقاومته في غياب الجموع.

لبضع سنوات، ساعد الصمت المفروض العديد منا على النسيان. كما لو أننا جمعنا كل العظام وألقينا بها تحت السجادة. والبعيد عن العين كان فعلًا بعيد عن الذهن، لكن مش بعيد عن القلب أبدًا.

كانت هناك لحظات مفاجئة ردّت الثورة إلى الأذهان، مثل اغتيال شيماء الصباغ في 2015، وقضية تيران وصنافير في 2016-2017. ثم قضية أحمد بسام زكي (وما تلاها) في 2020، والتهديد بإخلاء الشيخ جراح في 2021، واغتيال شيرين أبو عاقلة في 2022، وإضراب علاء عبدالفتاح عن الطعام أيضًا في 2022.

موجة المعارضة في سبتمبر 2019 كان لها النصيب الأكبر من ترك الأثر. كان أكبر أبناء جيلنا في ذلك الوقت قد بلغوا 22 عامًا وقد تم اعتقال العشرات من الشباب في جميع أنحاء البلاد خلال حملة القمع الوحشي في 2019، ولا يزال العديد منهم محتجزين ظلمًا حتى اليوم. كان ذلك الشهر هو المرة الأولى التي أتذكر فيها أنني جلست مع أصدقائي وتناقشنا بشأن الذهاب إلى مظاهرة. كانت الفكرة جديدة للغاية ومخيفة بنفس القدر. ومع ذلك، كانت هذه اللحظة أيضًا بمثابة تعزيز لنا. فجأة، عادت ثورة يناير لمركز اهتمامنا مرة أخرى، حتى وإن تحدثنا عنها همسًا وشاركنا بعض الأفكار أو الذكريات عبر الإنترنت وحسب، كانت خطوة ملحوظة للأمام.

عشنا عشرة أعوام طويلة ونحن في حالة من الرعب. ثم حدثت عملية “طوفان الأقصى”.

أول ما خطر في ذهني كان أن “تحرير فلسطين بدأ” وبعدها مباشرةً “دي لحظة الانتفاضة الثانية! الدورة بتبدأ من جديد!”

بينما يعتقد العديد من أبناء جيلي أن ثورة 25 يناير كانت نتاجًا لبلطجة الداخلية، وأن الطريق نحو الثورة بدأ مع جريمة قتل خالد سعيد الوحشية التي حدثت قبل ستة أشهر فقط من 25 يناير، لا يصدق عدد كبير هذا بنفس القدر.

نحن نعلم أن “ثورة 2011 كانت نتاجًا لعملية سياسية معقدة استمرت لعقد من الزمن، تراكم فيها الرفض، وتم صقل مهارات التنظيم، وحققت انتصارات صغيرة، وبدأ الخوف من أجهزة القمع التابعة للنظام يتلاشى تدريجيًا“، كما كتب الناشط الأكاديمي الدكتور حسام الحملاوي في مقال له عام 2021 في مجلة Roar.

وفي كتاب “البروفات الثورية في العصر النيوليبرالي” (2021)، كتب أستاذ علم الاجتماع في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، الدكتور سامح نجيب، فصلًا بعنوان “مأساة الثورة المصرية“، أشار فيه إلى أن الانتفاضة الفلسطينية الثانية كانت الشرارة التي أشعلت سلسلة الاحتجاجات التي أدت إلى 25 يناير 2011.

كان العقد الأخير لمبارك أيضًا مسجلاً بتطور دورتين متمايزتين ولكن مترابطتين من الاحتجاج. الأولى كانت سياسية، وأشعلتها بداية الانتفاضة الفلسطينية الثانية في عام 2000. جرت احتجاجات جماهيرية تضامنية مع الفلسطينيين في جميع المدن المصرية الكبرى، بدأت في الجامعات ولكن سرعان ما انتشرت لتشمل المدارس الثانوية والأحياء الشعبية. وقد أعطى ذلك دفعة قوية لكل من المعارضة اليسارية العلمانية وجماعة الإخوان المسلمين، حيث تسابقا لتنظيم حركة التضامن وجذب الشباب الذين أصبحوا سياسيين حديثًا. انتفاضة فلسطين حفزت كل طيف المعارضة السياسية. لم تقتصر هذه الحركة على التظاهرات فقط، بل شملت أيضًا حملات التوقيع التي دعت مبارك إلى قطع العلاقات الدبلوماسية مع الإسرائيليين، وفتح الحدود مع غزة، والسماح للناس بإيصال المساعدات إلى غزة. بدأ يسار ثوري جديد، تمثله بشكل رئيسي الاشتراكيون الثوريون، في لعب دور متزايد في الحركات التنظيمية الجديدة.

فلسطين هي البوصلة. هذه حقيقة لا جدال فيها.

خلال الأسبوع الأول من حرب الإبادة التي لا زالت تُبث على الهواء مباشرة، بدأ الطلاب والشباب في التحريض على الإنترنت. مع بداية الأسبوع الثاني، خرجوا إلى الشوارع ونظموا احتجاجات في حرم جامعاتهم. في يوم الأربعاء، 18 أكتوبر 2023، تحركت نقابة الصحفيين لأول مرة منذ سنوات في مشهد كان قد يبدو وكأنه نسخة طبق الأصل من سبتمبر 2000 وكان أكثر من نصف الحاضرين في ذلك اليوم من طلاب الجامعات الذين لم يشاركوا في أي احتجاجات في شوارع مصر منذ أن كانوا أطفالًا.

في يوم الجمعة، 20 أكتوبر، اصطفوا في الخطوط الأمامية لتظاهرة بدأت داخل مسجد الأزهر ثم تصاعد بسرعة لتصبح مسيرة متجهة إلى ميدان التحرير. كان مشهد سيريالي بامتياز، لكنه كان ممكنًا تمامًا. أولئك الذين غادروا ميدان التحرير أطفالًا، عادوا إلى حضنه شبابًا بالغين، هاتفين “المظاهرة دي بجد، مش تفويض لحد!” و “عيش، حرية، فلسطين عربية!”

كما قام مجموعة من الأشخاص بتمزيق لافتة ضخمة تحمل صورة السيسي ودعسوها بأقدامهم. كانت لحظة أخرى تكاد تكون نسخة طبق الأصل من الصورة الشهيرة لعمال المحلة وهم يمزقون صورة مبارك ويدوسون عليها بأحذيتهم خلال موجة الإضرابات عام 2006.

بعد أقل من ساعة من دخولهم الميدان، وصل بلطجية نخنوخ وبدأوا في فض المظاهرة بعنف، بينما بدأ رجال الأمن في اعتقال الشباب واحتجازهم داخل المحلات وعربات الترحيل.

وفقًا لأحدث التقارير الصادرة عن المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، فهناك 129 شخصًا (منهم طفلان) يواجهون تهماً بالانضمام لجماعة إرهابية – ومنهم من هو محبوس احتياطيًا منذ ثاني أيام حرب الإبادة – بسبب تضامنهم مع فلسطين. يتكون أغلب هذا العدد من الشباب.

هذه اللحظة التي نعيشها الآن، تطرح ثلاث أسئلة مهمة:
1- هل الثورة حية أم ميتة؟
2- ماذا سنرث؟
3- ما العمل؟

أنا شخصيًا أتفق مع باسكال غزالة. الثورة ميتة وحية في نفس الوقت. هي ميتة لأنها قد هزمت. وهي حية لأننا هنا.

لسبب ما، نجد الخطاب السائد من “المعارضة” يصوّر لنا ميدان التحرير وميدان رابعة كأنهما ضريحين. هناك عنصر من الغموض يتم فرضه على كلا الميدانين، وهو أمر يشعرني بعدم الارتياح. كما أن هذا الخطاب لا يفرّق بين “الهزيمة” و”الانهزامية”، وهو أمر غريب في حد ذاته.

عندما نُعظم و”نرَمنِس” أحداثًا إنسانية بحتة، فإننا نحد من خيالنا ونصنع أبطالًا أسطوريين من أشخاص عاديين ونقنع أنفسنا (ومن حولنا) بأن “الناس اللي زي دول خلصوا خلاص”. وهذه ليست مجرد كذبة صارخة، بل الأوقح هو أنها كذبة تخدم النظام. وما تفعله أيضًا هو أنها تُفقدنا الرفاق. كيف يمكن لك أن تخدم في صفوف الثورة عندما تدع لحظة واحدة في الزمن أن تأسر روحك وخيالك؟

ألم تكونوا أنتم، يا “جيل يناير”، الذين صرختم حتى انفجرت حناجركم من أجل ضرورة أن يحطم جيل السبعينات والثمانينات أصنامهم ويدمروا معابدهم وأساطيرهم؟ لكنكم حققتم كلمات علاء حينما كتب: “أرانا نرتكب نفس الأخطاء وفينا نفس العبر”. أنتم الآن رهائن لأسطورة صنعتموها بأنفسكم، وتحاولون توريثها، رافضين الاعتراف بالهزيمة ومصرّين على نشر انهزاميتكم كالوباء.

هناك الكثير مما يجب أن نرثه من جيل يناير ومن قبله من الأجيال المناضلة والصادقة، لكن يجب علينا أن نفهم أن لنا اختيار ترك جزء (أو أجزاء) من الميراث. أنا شخصيًا، أفضل أن أرث من “جيل يناير” مهارات التنظيم واستراتيجيات الإعلام البديل والشجاعة رغم الخوف في مواجهة الأمن وابتكار حلول لمشاكل التنسيق وتدشين حملات بأهداف ممكنة واليقين على إنها معركة نفس طويل والإيمان التام بأن الوطن “خالد” وأما دولتهم ف”ساعة”.

أفضل أن أرث الثأر.

هذا يعني أنه يجب إعادة تأسيس قناة تواصل. خطوات نقابة الصحفيين قدمت أول تواصل (مجددًا)، ولكن الأمر متروك لنا لخلق الحوار. على الرغم من أن ثورة 25 يناير قد شكلت حياتنا كلها، إلا أنها ليست “ثورتنا”. لا حاجة لنا لتبني الانهزامية التي ترافق الهزيمة لأننا “لم نهزم”. موقعنا فريد جدًا، نحن نستطيع أن نرث الخبرة ودروسها مع القليل من العواطف المرهقة والمعقدة التي ترافقها.

لا مجال (ولا وقت) للنوستالجيا المضللة، فقال العم تروتسكي: “الثورة مستحيلة حتى تصبح حتمية”.

وهنا يطرح سؤال “ما العمل؟” نفسه…
علينا أن نطارد تأثير الدومينو كما طارده كل من سبقونا من الرفاق. وللقيام بذلك، علينا أن ندرس وننظم أنفسنا. على كل المهتمين بالسياسة التطور إلى كوادر سياسية نشطة وفعالة. الوقوف “على جنب” في هذه اللحظة الحاسمة لا يخدم إلا النظام.

في “الطبقة والحزب والقيادة”، كتب تروتسكي:
فقط بالتدريج، فقط على أساس خبرتهم الخاصة عبر عدة مراحل، يمكن للفئات العريضة من الجماهير أن تقتنع بأن القيادة الجديدة أقوى وأكثر موثوقية وأكثر ولاءً من القيادة القديمة. من المؤكد أنه خلال الثورة، أي عندما تتحرك الأحداث بسرعة، يمكن للحزب الضعيف أن يتطور بسرعة إلى حزب عظيم شريطة أن يفهم بوضوح مسار الثورة ويمتلك كوادر قوية لا تثمل بالعبارات ولا ترهب من الاضطهاد. لكن مثل هذا الحزب يجب أن يكون موجوداً قبل الثورة، لأن عملية تثقيف الكوادر تتطلب فترة زمنية طويلة والثورة لا تمنح هذا الوقت.”

الثورات تشتعل في لحظة ومن المستحيل تخطيط لحظة الاشتعال. وهذا يعني أننا لا نعرف متى ستأتي “شرارة” الثورة القادمة. قد تكون بعد شهر أو سنة أو عقد من الزمن، ولهذا يجب أن نبدأ بتنظيم أنفسنا الآن ونعطي لأنفسنا الفرصة الحقيقية للتحول إلى كوادر سياسية، لأن الكوادر – على عكس “الشرارة” – تصنع ولا تولد.

“لم يكن لينين عنصراً عرضياً في التطور التاريخي، بل كان نتاجاً للتاريخ الروسي بأكمله. كان متأصلاً فيه بأعمق الجذور. إلى جانب طليعة العمال، عاش نضالهم خلال ربع القرن السابق. لم يعارض لينين الحزب من الخارج، بل كان هو نفسه تعبيره الأكثر اكتمالاً.”، كما أوضح تروتسكي في “تاريخ الثورة الروسية”.

يلّا نتنظّم يا شباب؟